اخر الاخبار

قد يبدو ربط موضوع الأدب بالفكر اشكاليا، في توصيفه، وفي اجراءاته، وحتى في اسئلته، لكن المهم في هذا الأمر هو فاعلية الأدب ذاته، بوصفه تمثيلا نقديا، أو إنسانيا، أو بما يجعله جزءا من قوة الأنسان في تدوين سردياته، وفي مواجهة التاريخ والسلطة والدوغمائيات الكبرى، ذلك أن تاريخ الحكي الإنساني هو تاريخ تحوّل من الطبيعي الثقافي، أو من "النيىء الى المطبوخ" كما يقول شتراوس، مثلما أن هذا الحكي ليس بعيدا عن المقاومة الثقافية، وعن منحه طاقة مواجهة ذاكرة الاستبداد والعنف، والمخيال الأسود الذي ارتبط بخطاب بكراهية الآخر، عبر أنماط واغراض الكثير من المدونات الأدبية، في السير والمغازي، وفي كتابات الذم والغلو، حيث يفرض هذه "الأدبية" نوعا من الهيمنة، التي تكرس سلطة المؤسسة والايوان على الأخرين، وتقطع الطريق على أيِّ فهم معارض للحياة والاختلاف..

في ضوء هذا المعطى يمكن للأدب أن يكون اداة فاعلة في توسع مساحة فهم العالم، وفي مراقبته، وحتى في تغذية اشكال الحوار والتفاعل الثقافيين، ليس بهدف تغويل سلطة الخطاب، بل بغاية ربط هذا الخطاب بالمعرفة، وحتى بالعلم، وجعله جزءا من تداولية المجتمع، في سياق تمثيل خدماته الثقافية والانسانية والتعليمية، وفي توسيع المجال التفاعلي مع خطابات موازية في السياسة والايديولوجيا والتاريخ.

التسليم بالتاريخ ومدوناته يعني تحويل الادب الى تابع، والى خزان للأفكار التي تنظر الى التاريخ بوصفه قامعا، وجزءا من السلطة، وأن أي مغامرة أو حساسية للتجاوز سيصطدم بذلك التاريخ، وبمركزية المؤرخين الذين يلبسون اقنعة النقاد والباحثين والفقهاء، وأن نظرتهم للأدب ستكون خاضعة الى تمثيل الأثر والنمط، والى علاقتهما بصياغة السؤال المعرفي النقدي، أو بالاشكالات التي تخص الافكار التي تمسّ الانسان في زمنه الثقافي، أو في صراعه مع الاستبداد والعنف والشغف بالتغيير.

يدخل الاهتمام بحيوية الخطاب الأدبي في سياق مواجهة التاريخ، وفي سياق تجديد وظائف العقل الانساني، من خلال الاعتراف وبفاعليته، وجعله اكثر تعبيرا عن الوجود، وعن الحاجات، وعن المعارف ذاتها، وادراك مدى اهليتها للتداول والقبول، في عالم "المجتمع المفتوح" كما سماه كارل بوبر الذي ربط مفاهيم التجدد والتحول والانفتاح بحيوية هذا المجتمع، وبقدرته على تجاوز الشمولية والافكار الصلبة، قبالة دعم الانسان للدفاع عن حريته وحقوقه وخصوصيته، وعن وعيه بالوجود، وبالقيم الايجابية للعدل والمساواة والتنوع والحوار، وعلى نحوٍ يجعل الأدب بوصفه التمثيل الاعلى للعقلانية، الاداة الأكثر قدرة على "الكشف والتعرية وفضح الخطابات الآمرة" كما يقول ادريس الخضراوي.

إن الاهتمام بالأدب يعني الاهتمام بصناعاته المتعددة، وبالأشكال المعرفية التي تمثله، على مستوى الشعر والسرد والمسرح، وعلى مستوى الدراسات الثقافية  وغيرها من التمثلات التي تدخل في صياغة انساقه، واطروحاته حول التاريخ، والاعتراف بقدرته على أن يكون عنصرا فاعلا في التنمية، وفي التعرّف والتعليم، وفي صياغة الافكار وتيسير تداولها واستهلاكها، من خلال تأهيل لغة القص، ولغة السرد، ولغة الاعلان، فضلا عما تتمثله "لغة الأدب" في سياق احالاتها الرمزية والدلالية، وحتى في مجالات موازية تخص التحليل والنفسي، والدرس الانثربولوجي، وفي مجال الدراسات المتعددة، وفي التوثيق، وفي كتابة السير والمذكرات وادب الرحلات والاسفار والاعتراف، وعلى نحوٍ يجعل من الكتابة الادبية مجالا للتحرر من الزمن، ومن التاريخ، حيث يمثل "السرد" قوة الأدب، في اعادة كتابة الوجود من خلال الروايات والحكايات والقصص، حتى يبدو السرد وكأنه الاكثر مصداقية من التاريخ ذاته، أو أن التاريخ لم يعد موجودا ازاء ما يصنعه السرد كما يقول هايدن وايت..

ما ناله الأدب من الحضور الانساني يؤكد فاعليته، وحساسيته في التعاطي مع الزمن، ليكون شاهدا عليه، ومدونا لأنساقه المضمرة، أو أن يكون تمثيلا لأثره، فالقصيدة والحكاية تتحول الى وثائق تُعطي للباحث مجالا للتعرّف والتحليل والكشف، كما أن الرواية تحمل معها زمنها السردي، ومكانها السردي، وشخصياته لتضعنا ازاء عالم مواز، وازاء قضايا من الصعب أن نجدها في "التاريخ" المحاصر بالسلطة والممنوع والمحظور..