لقد أثبتت اللغة العربية وعلى مر العصور، أنها لغة حية وقادرة على التفاعل وجديرة بالتجدد مع مختلف الأجناس الأدبية العالمية، لانها لغة تمتلك مرونة جمالية تؤهلها لإعادة تشكيل الأشكال الأدبية الوافدة ومنحها روحا جديدة تنتمي إلى البيئة العربية ومناخها العام وثقافتها ومواضيعها. ومن بين أبرز الأشكال الشعرية التي وجدت طريقها إلى الأدب العربي الحديث هو (شعر الهايكو الياباني) الذي انتقل من الثقافية اليابانية إلى فضاء عالمي اوسع واشمل بعد أن تُرجم إلى لغات عديدة، وأصبح شكلا شعريا متداولا في مختلف الثقافات.
في كتاب د. حمدي حميد الدوري (شعر الهايكو الياباني وامكانياته في اللغات الاخرى) ( أن انتقال الهايكو إلى العربية لم يكن انتقالا حرفيا جامدا، بل كان انتقالا قائما على التكييف والتأويل.... فالهايكو الياباني التقليدي يعتمد نظاما صوتيا محددا يقوم على سبعة عشر مقطعا صوتيا موزعة على ثلاثة أسطر على وفق النسق المعروف (5-7-5)، لكن هذا البناء يصعب نقله إلى العربية بسبب الاختلاف الجوهري بين طبيعة المقاطع الصوتية في اللغتين؛ فالمقاطع العربية أطول وأكثر تشعبا من المقاطع اليابانية، الأمر الذي جعل شعراء العربية يحتفظون بروح الهايكو لا بقانونه العروضي الصارم) لذلك أصبح الهايكو العربي يقوم أساسا على التكثيف واللحظة والرؤية والصورة الخاطفة والإيحاء، أكثر من اعتماده على البنية المقطعية الأصلية كما جاء في الهايكو الياباني
كما أن الهايكو العربي لم يبق ضمن نطاق التأمل الطبيعي كما في التجربة اليابانية التقليدية عند ماتسو و باتشو، حيث كانت البرك والضفادع وأزهار الكرز والفصول هي المادة الأساسية للقصيدة، بل انفتح على الهم الإنساني والاجتماعي والسياسي، وصار قادرا على احتواء القلق العربي الحديث بكل ما فيه من حروب وانكسارات واحتلالات وتشوهات يومية....ومن هنا يمكن قراءة تجربة الشاعر أيهم العباد في شعر الهايكو كما جاء في ديوانه الشعري (رقصة على استحياء) والصادر عن دار فضاءات ٢٠١٨ في فصل (هايكو على النهر الطويل) بوصفه نموذجا واضحا لهذا التحول... إذ تتحول قصيدة الهايكو لديه من لحظة تأمل في الطبيعة إلى ومضة احتجاج سياسي ووطني وإنساني.
إن نصوص أيهم العباد لا تقدم خطابا سياسيا مباشرا فقط بل تصنع صدمتها عبر الصورة المكثفة والمفارقة اللاذعة والمقصودة ففي قوله:
((أيها اللصوص
ابترو أصابعكم
قبل أن تفضح سيرتكم الذاتية))
نجد أن الشاعر يختزل منظومة كاملة من الفساد داخل صورة مكثقة وعنيفة، فالأصابع هنا تتحول إلى أدلة إدانة واضحة وكأن الجسد نفسه صار شاهدا على السرقة أما السيرة الذاتية التي يفترض أن تكون سجلا حافلا بالانجازات فإنها تنقلب إلى سجل للفضائح المخزية، إن القصيدة لا تشرح الفساد بل تكشفه عبر صورة خاطفة ومباغتة وهذا ما يمنح النص طاقته الشعرية.
((كيف نصافحكم
وأنتم مصابون بالأكزيما))
تتجلى السخرية السوداء بوضوح فالأكزيما هنا ليست مرضا جلديا حسب، بل استعارة عن التلوث الأخلاقي والسياسي والمصافحة هنا و التي ترمز عادة إلى الثقة والقبول والسلام تصبح فعلا مستحيلا بسبب هذا المرض المعدي اي إن الشاعر يطرح فكرة أزمة الثقة بين الشعب والسلطة في صورة يومية بسيطة لكنها مشحونة بالدلالة.
((عينه على مقدمة ابن خلدون
ودماغه في مؤخرة التلفزيون
يحيا الوطن))
فيمثل نقدا لاذعا للمثقف الزائف حيث يوجد تناقض واضح بين مظهر الثقافة وواقع التفاهة و إن استحضار ابن خلدون بوصفه رمزا للفكر العميق وايقونة للثقافة يقابله انغماس العقل في مؤخرة التلفزيون، أي في السطحية والاستهلاك الإعلامي... ثم تأتي عبارة يحيا الوطن كجملة ساخرة ومفارقة، إذ تبدو أقرب إلى شعار أجوف يردده من فقد جوهر الوعي الحقيقي.
((رصاص يرسم زهرة توليب
ورصاص يمنح الزهرة لونها أحمر))
تبلغ المفارقة الشعرية ذروتها فالزهرة كما هو متعارف عليه، هي رمز الجمال والحياة، لا تتشكل هنا إلا عبر الرصاص، أي عبر الموت والعنف. حتى اللون الأحمر الذي يمنح الزهرة جمالها يتحول إلى رمز للدم، إن القصيدة تكشف كيف أصبحت الحرب قادرة على إعادة تشكيل الجمال نفسه داخل المجتمعات المنكوبة.
((ضمائرنا حاويات جائعة))
فهي من أكثر النصوص كثافة وقسوة فمن ناحية ان الضمير الذي يفترض أن يكون موضع النقاء الأخلاقي، يتحول إلى حاوية تلتهم كل شيء بلا شبع، إنها صورة تختصر الجشع والانهيار القيمي والفراغ الروحي في المجتمع الحديث.
وفي نصه:
(تمهلوا
وأنتم تلفظون أسماء الشهداء)
يحضر البعد الإنساني بوضوح مؤلم جداً فالشاعر يحتج على الاستهلاك السريع للموت في الخطاب الإعلامي والسياسي المنمق، أسماء الشهداء لا ينبغي أن تمر كأخبار عابرة ابداً بل كحيوات كاملة تستحق التوقف والتأمل بتقدير واحترام... إن كلمة تمهلوا هنا تبدو وكأنها محاولة أخيرة لإنقاذ الكرامة الإنسانية من الابتذال.
((نشرة على نشرة على نشرة
يكتمل المغص اليومي))
وهنا تتحول وسائل الإعلام إلى مصدر مرض جماعي وازعاج مستمر. فالتكرار يصنع شعورا بالحصار والاختناق والاحباط، بينما يصبح المغص تعبيرا جسديا عن الألم النفسي الذي تخلقه الأخبار المتراكمة. إن هذه القصيدة ترصد أثر الواقع السياسي الحالي لا على الفكر فقط، بل على الجسد الإنساني ذاته.
(وحده حزب الدود يرقص في جنائزنا
فرحا بما أتته الحرب من التوابيت الفاخرة)
هنا نواجه صورة شديدة السواد والسخرية بذات الوقت فالدود هو المستفيد الوحيد من الحروب. أما التوابيت الفاخرة فتفضح المفارقة المريرة بين فخامة الموت وبؤس الحياة. القصيدة تدين الحرب السياسة والاقتصاد معا في صورة واحدة.
((ماذا عساها تكون الاحتلالات
أكثر من مجموعة شعوب مهضومة))
فيحمل رؤية فلسفية عالية التكثيف للاحتلال إذ لا يقدمه بوصفه مجرد سيطرة عسكرية نمطية بل بوصفه عملية هضم ديناميكية تبتلع الشعوب وتفقدها هويتها ووجودها يوماً بعد يوم وجيلاً بعد جيل. إنها استعارة قاسية لكنها شديدة الاختزال و الذكاء.
(نقشوا الحرية على لساني
بأعواد الثقاب
ثم قالوا: أنت حر)
يبلغ التناقض ذروته فالحرية هنا تُمنح عبر التعذيب والقمع والظلم. إنهم يحرقون اللسان ثم يطالبونه بالكلام الحر...! وهذه الصورة تختصر تاريخا طويلا من الأنظمة القمعية التي ترفع شعارات الحرية بينما تمارس نقيضها سراً وعلانية.
(طاولة مستديرة
وماس بترول بالثلج
النادل يبكي… استمروا)
تتجسد صورة العالم السياسي العربي بكل تناقضاته. فالطاولة المستديرة تحيل إلى الاجتماعات والمؤتمرات والصفقات، و ماس بترول يرمز إلى الثروة النفطية التي تتحول إلى رفاهية للنخبة، بينما يقف الإنسان البسيط الفقير ممثلا بالنادل باكيا في الهامش لاصوت له ولا حق. إن الشاعر هنا يختزل الفارق الطبقي والسياسي والإنساني داخل مشهد سينمائي شديد الإيجاز بطريقة ذكية.
تجربة أيهم العباد تؤكد أن الهايكو العربي لم يعد مجرد تقليد للشكل الياباني، بل صار جنسا شعريا قادرا على التعبير عن القلق العربي المعاصر وهواجس الشعب. لقد احتفظ الهايكو العربي بروحه الأساسية القائمة على التكثيف واللمحة والرؤية والصورة الموجزة، لكنه تحرر من شرط الطبيعة الخالصة ومن نظام المقاطع الصوتية اليابانية البسيطة ليتحول إلى أداة شعرية لرصد الخراب والحرب والظلم والفساد والخذلان الإنساني.
الشاعر أيهم العباد يكتب هايكو وطنيا سياسيا ولا يكتفي بالتأمل حسب بل يحول القصيدة القصيرة إلى صرخة احتجاج، وإلى ومضة تكشف ما تعجز عنه النصوص الطويلة. ولذلك تبدو نصوصه قصيرة في شكلها لكنها في الواقع واسعة في دلالتها وشاسعة في رؤيتها وابعادها ومضامينها كأن كل قصيدة منها تحمل وطنا كاملا مختصرا في ثلاثة أسطر.