اخر الاخبار

الشارع عريض جداً، كأنه شريان رئيسي يمد العاصمة بالحياة، أو هكذا يبدو من بعيد. فوق أسفلته اللامع تحت الشمس الحارقة، يركض سيل من العربات بألوانها الزاهية، تنزلق ذهاباً وإياباً على سواده الممتد من الشمال إلى الجنوب، مخلّفة وراءها ضجيجاً لا يهدأ. على جانبي هذا الامتداد الصاخب، تنتشر محلات كثيرة لا يجمع بينها اختصاص؛ ثمة مكاتب سفر أنيقة تبيع وعوداً بالخلاص، ومكتبات غارقة في صمتها، ومتاجر تعرض أواني الطبخ المنزلية، وأخرى تكتظ بمستلزمات الرياضة. أما واحات هذا الشارع الأجمل، فكانت دور السينما؛ تلك الملاذات الدافئة التي كنا نلجأ إليها في ظهيرات الصيف اللاهب، حيث الظل الكثيف والبرودة العالية يمنحاننا غيبوبة مؤقتة، فننام في عتمة الصالة ولا نخرج منها إلا عصراً، حين تكسر الشمس حدتها. على الرغم من بهرج الشارع وجماله الظاهري، كان المارة يسيرون فوق أرصفته كالسُكارى. عيونهم مطفأة، ترنو دائماً إلى الأرض، لعلها تلتقط حلماً ساقطاً من عابر سبيل، أو فكرة ضالة تواسي هذا الضنك المستمر. لم تكن تلك العيون المجهدة تلتفت إلى بريق المحلات المنتشرة يميناً وشمالاً، بل كانت تسير مخدرة باليأس، تنتظر في سِيرها الطويل معجزة، أو ملكاً يهبط من السماء ليغير هذا البؤس الرتيب. وسط هذا القطيع البشري المخدر، كان هو وحده يتحرك بعيني صقر، ومخالب مستعدة دائماً للتمزيق. كان ينظر بحذر، يستكشف ما يقع على جانبي الشارع كصياد يمسح غابته. وفي فم الشارع الضيق المؤدي إلى محلة "الكرد" في شارع الكفاح، ينبثق مشهد آخر؛ ثمة تنور طيني قروي، متوهج دائماً بنيران لا تهدأ، تخرج من فوهته أقراص الخبز المدورة الساخنة، تلتقطها ذراعان ممدودتان، بيضاوان، تشبهان كثيراً زوجاً من مصابيح النيون المشعة بالبياض وسط عتمة المكان. كلما اقترب موكبه الرئاسي المخيف، كان الشارع العريض يصاب بالشلل الذعري. يهرب الناس فزعين نحو الأزقة الخلفية، أو يختبئون داخل المحلات، متظاهرين بالفرجة الكاذبة حتى يمر الإعصار. من خلف زجاج سيارته المظلل، كان يضحك في سره، يخاطب خوفهم بصمت متغطرس: "هكذا أنتم.. تلوذون بالفرار بعيداً وأنا ما زلت بعد ابن الرئيس، فكيف سيكون حالكم إذا ما أصبحت أنا الرئيس؟!" ندّت منه غطرسة مكتومة وهو ينتهي من تمسيد شاربيه بكبرياء، ثم التفت إلى مرافقه وأشار بإصبعه نحو زاوية الزقاق:

ـ "أترى تلك الخبازة؟.. أريدها."

ومر الموكب مسرعاً، قاطعاً سكون الشارع العريض... كأنه سيف طويل يغرس في خاصرة المدينة.

لم تكن "أمل" مجرد فتاة يُغويها بريق الذهب، أو يكسر خاطرها وعيد الحاشية؛ كانت تعجن طهرها يومياً مع دقيق الفجر، لذا استعصت على كل الإغراءات التي ساقها أوباشه. قدموا لها المال، الوعود، والقصور، وطرقوا بابها ببريق الرذيلة المقنّع، لكنها رمت إغراءاتهم في وجوههم بصلابة تشبه طين تنورها الحار.

وعندما أدرك قطيع الأوباش المحيط بابن الرئيس أن غواياتهم تتهشم أمام هذا الكبرياء الطفولي، تحولوا إلى غريزتهم الأولى والأقرب: الترهيب البهيمي لإخضاعها. ساقوها إلى أقبية الظلام، وهناك نزعوا عنها ثيابها، لا ليكشفوا جسدها، بل ليُعرّوا وحشيتهم هم ونذالة أسيادهم. تركوها نهشاً لهجمات النحل الشرس اللامع في عتمة الغرفة، وأطفؤوا سجائرهم في جلدها الغض، تاركين على جسدها النقي ندوباً سوداء تشبه ضمائرهم. كانت سياط التعذيب تنهال عليها لانتزاع صرخة استسلام أو خضوع، لكن عينيها ظلتا تشخصان نحو الأفق، حارستين لسر صمودها النبيل، رافضة أن يمس عفتَها ابنُ الرئيس. في القصر المنيف، كان ابن الرئيس يتكئ بصلف مستمعاً لتقرير كلابه، منتظراً زفّ بشرى انكسارها.

ـ "لقد رفضت يا سيدي.. رفضت كل شيء، ولم تنفع معها النيران ولا السياط."

لم يرمش له جفن، ولم يتحرك في وجهه الصخري عِرق، ولم يهتز لآلامها. قال ببرود يضاهي صقيع الموت، وبنبرة خاوية من أي أثر لآدمية:

ـ "ألقوها للسباع."

غُيب الجسد الطاهر، وغرقت العاصمة في صمتها المعتاد، لكن الحكاية لم تنتهِ كما أراد لها السيف.

وعلى جانب الشارع العريض، وفي رأس شارع الكفاح تحديداً، بقي تنور "أمل" الطيني متوهجاً بالنيران. لم ينطفئ، ولم تجرؤ يد على الاقتراب منه لإخماده. ظل يقذف بالخبز الحار، شهياً ومدوراً، يرمي بأقراصه الساخنة على جانب التنور كأنه معجزة يومية تتحدى الموت.

كان المارة السكارى بيأسهم يتوقفون بجانبه، ينظرون إلى النار المتأججة والخبز الذي ينضج وحده دون يدين، فيرفعون عيونهم صوب السماء، وقد استيقظت في نفوسهم شرارة الحلم. بقي التنور مشتعلاً، كأنه قلب "أمل" الذي يرفض الغياب، يطعم الجائعين، ويقذف بلهبه الحارق وجه الموكب الرئاسي كلما مرّ كسيف مكسور.