الأسودُ بنُ يَعْفُرَ؛ شاعرٌ جاهليّ؛ جعله ابنُ سلّام ( 131 هــ - 231 هــ ) في الطبقةِ الخامسةِ من الشعراءِ الجاهليينَ، وقال عنه: " له واحدةٌ رائعةٌ طويلةٌ [ يريدُ نامَ الخليُّ ] لاحقةٌ بأجودِ الشعر، لو كان شَفَعها بمثلِها قدّمناه على مرتبته." وقال عنه أبو الفرج الأصفهانيّ ( 284 هــ- 356 هــ ): " شاعرٌ متقدّمٌ فصيحٌ، من شعراءِ الجاهليّة ليس بالمُكثِر." وقال عن " نام الخليّ": "معدودةٌ من مختارِ أشعار العرب وحِكَمِها، مُفضَّليّةٌ مأثورة. "وهو عند ابنِ سلّام: "كان يُكثرُ التنقّلَ في العرب؛ يجاورهم فيَذِمُّ ويَحْمَدُ." وكان أعشى؛ فلمّا تقدّمت به السّنُ وَهَتْ قُواه، وذهبتْ بقيةُ بصرِه، وامتنع عليه ما كان فيه من تنقّلٍ في الأرض؛ فأنشأ قصيدته "نام الخليُّ"؛ يحكي بها ما آلَ إليه، وما كان منه؛ وهي ممّا اختاره المفضّلُ الضَّبّيّ، وممّا كُتِب له السَّيرورةُ، وصار حفظُه وإنشادُه مَزِيّةً في المجالس، وهي ممّا تزدانُ به كُتبُ الأدب عصرًا بعد عصر.
قامت القصيدةُ، بروايةِ المُفَضَّل الضَّبّيّ، على أربعةٍ وثلاثينَ بيتًا، بثلاثةِ مواردَ؛ موردٍ يُبينُ به عمّا هو فيه من كِبَرٍ ووهن، وما سيؤولُ إليه من فَناء، وآخرَ يتعزّى فيه، ويتأسّى بذكرِ الغابرين ذوي الأيد، وثالثٍ يسترجعُ فيه ما كان منه في زمنِ الشبيبةِ الأوّل من قوّةٍ وفتوّةٍ، وجِماح. وهو في كلِّ موارده لا يُخلي نفسَه من استطرادٍ يتشعّب به الفِكْرُ، ويتتامُّ به التصويرُ؛ من أجلِ أن يَرُدَّ على نفسه بعضَ ما ضاع منها.
بدأ قصيدتَه بالشكاة فقال:
نامَ الخَلِــيُّ ومـــا أُحِسُّ رُقــادي... والهَــمُّ محتَضِرٌ لــديَّ وِسادي
مِنْ غَيرِ ما سَقَمٍ ولكنْ شفَّني... هَــــمٌّ أراه قـــد أَصـــابَ فــــؤادي
ومِنَ الحــوادثِ لا أبــا لكِ أنّني... ضُربتْ عليّ الأرضُ بالأسْدادِ
لا أهتــدي فيــها لموضـعِ تَلْعَةٍ... بيـنَ الــعراقِ وبيـنَ أرضِ مُــرادِ
وشكاتُه أنّ مضجعَه أُقضَّ عليه، وأنّ النومَ امتنع منه، وأنّ الفِكَرَ أخذت تتداولُه؛ فلقد كان واسعَ الخطوِ، تمتدّ له الأرضُ ما بين العراقِ وأرضِ مُرادٍ في اليمن؛ يجوبها وينزلُ على أصفيائه من أهلها، وهو اليومَ ثقيلٌ، واهي القُوى، مضروبةٌ عليه الأسْدادُ، لا يستطيع حِوَلًا، ولا يقدِر على شيء ممّا كان طوعَ يده.
وكأنّه، في حالِه تلك، كان يبثُّ شكاتَه امرأةً دانيةً منه، أحسبُها ابنتَه؛ يُسمعُها ما شَرّد نومَه، وأوهى جلَدَه؛ فتُهوّنُ عليه ما هو فيه، وهي المُحبّةُ بقاءه، فتقول له: تبقى وتعيش! لكنّه أبْصَرُ بنفسِه، وأصرحُ، لا يُريدُ مواربةً؛ فيجهَرُ لها بالقول:
ولقد علمتُ سِوَى الذي نَبَّأتِني... أنَّ السـبيـلَ سبيـلُ ذي الأعـــوادِ
إنَّ المنيـّةَ والـحُتــوفَ كــلاهـمــا... يُوفـي المَخــارمَ يَرقُبـان سَـوادي
لــن يَرضيا منّــــي وَفـــاءَ رهينـةٍ... من دونِ نَفْسي طارفي وتِلادي
وهو، على ذلك، متماسكٌ، غيرُ متخشّعٍ، يرى الواديَ السحيقَ الغورِ؛ فيُشرفُ عليه بقليلٍ من الأسى، وكثيرٍ من التأسّي:
مــاذا أُؤَمــِلُ بـــعــدَ آلِ مُــحَــــرِّقٍ... تَـرَكُـــــوا منــازِلَـــــهُــم وبــــعـدَ إيــــادِ
أَهلِ الخَــورْنَقِ والسَّديرِ وبـارقٍ... والقَصْرِ ذي الشُّرَُفاتِ مِن سِندَادِ
...جرتِ الرياحُ على مَكانِ دِيارِهم... فـكــــأنّـمـــا كـــانـــوا عَــلَـى مِــيــعــادِ... فــإذا النَّعيمُ وكــلُّ مــا يُلــهَى به... يــومًــا يـصـــيـرُ إلــى بِـلَــىً وَنَفـــادِ
فإذا استوفى ما يريد من التأسّي، واستقرّ في نفسه أنّ الزمانَ دائبٌ في سعيه؛ يُشبُّ ويُشيبُ، وأنّه منبعُ القوّةِ والضعفِ معًا، وأن لا شيء يَبقى عليه؛ رجع إلى ما كان له؛ يستعيده مستعينًا به على حاله؛ فلئن أقعده الكِبَرُ، وقيّد خطاه الوهنُ فلقد كان له مضطربٌ واسعٌ في الأرض، وكانت له صبواتٌ ولَهوٌ:
إمّــا تَرَيني قــد بَليتُ وغــاضني... ما نِيلَ من بَصَري ومن أَجْلادي
وعَصيتُ أَصحابَ الصَّبابةِ والصِّبا... وأَطعــتُ عـاذِلتي ولانَ قيــادي
فلقـــد أروحُ علـــى التِّجــارِ مُـــرَجَّــلًا... مَــــذِلًا بمـــالــي لَيّنًـــا أَجْيــادي
ولـقـــــد لَهـــــوتُ ولـلشــــبـابِ لَــــذَاذَةٌ... بِسُـلافةٍ مُزِجتْ بمـاءِ غَـوادي
وأخذ يستعيدُ أيّامًا سلفت حُفّلًا بما يسرّ؛ فلقد شرِب، وطرِب، وسمِع لذيذَ الحديثَ، وجنى ثمارَ الصحبةِ، وغدا بفرسه، قيدِ الأوابدِ، على كَلَأٍ عازبٍ أحوى، لم يرعْه أحدٌ؛ فاصطاد واشتوى، وهو في طليعة صَحْبِه مسرورٌ بهم، جَذِلٌ بمواتاتهم:
ولــقـــــد غـــــدوتُ لعــــــازبٍ مُـتَـنَـــاذَرٍ... أحوى المُذانِبِ مُؤنـِقِ الرُّوّادِ
...بــِمُشَــــــمّـِـرٍ عَـتَــــــدٍ جَــهِيـــــزٍ شَــــدُّهُ... قَيـــدِ الأَوابــــدِ والرِّهـــانِ جــوادِ
يَشــوِي لنــا الوَحَــدَ المُـــدِلَّ بِحُضْرِهِ... بِشــريــجِ بيــنَ الشَّـــدِّ والإِيــرادِ
وتلك، تمامُ ما يروم الشاعرُ القديم؛ فإذا مضى به الزمنُ، وهدَّ من جانبه؛ فلقد استوفى نصيبَه، وأرضى نفسه!
ثمّ يستعيدُ يومًا آخرَ؛ تبِعَ الظاعنين فيه بناقةٍ جسرةٍ، متينةِ البنيانِ، يُريد اللحاقَ بهم، لعلّه يتزوّد، منهم، شيئًا:
ولقـــد تَلـــوتُ الظـــاعنـيــنَ بِجَسْــرةٍ... أُجُــدٍ مهــاجِــرَةِ السّـِقابِ جَمــادِ
لكنّ هذا كلَّه قد مضى، لا ارتجاعَ له، وها هو ذا حِلْسُ بيتِه، قد ضُربتْ عليه الأرضُ بالأَسداد؛ لا حِوَلَ ولا قِبَل! وليس له إلّا هذا الكَلِم؛ يساقيه حتّى يردَّ عليه بعضَ ما فات.
ولقد استجادَ القصيدةَ أصحابُ الشعر، وعُنوا بها، ووجد فيها الناسُ صدى أنفسِهم إذ تعلو بهم السنُّ وتهِنُ قواهم؛ فبقيتْ على الزمن، واصطُفِيتْ، وصارت ممّا يُنشد في المجالس؛ من أجل ذلك، ولمعنى الحكمةِ فيها، وأصالتِها، وصفاءِ لغتِها، وتماسكِ بنائها، ولمصاقبةِ الإيقاعِ عناصرَ التجربةِ كلِّها.
ولقد كان ممّا زاد في سيرورتها واستجادتها؛ ما جَرتْ عليه من وزنٍ وقافية؛ فقد انبثقَ لمعناها الجليل وهو يدور في ذهن الشاعر؛ بصوره، وخلجاته؛ إيقاعٌ يحاكي ما هو فيه، ويكاد يصوّره على ما هو في نفسه، ويزيدُ من تماسكه، واستقامةِ بنائه.
فقد بنَى الشاعرُ قصيدته على البحرِ الكاملِ الصحيحِ العروض المقطوعِ الضرب، وعلى قافيةِ المتواترِ المردوفة، وعلى روي الدال؛ ولكلِّ ذلك مقامٌ في الإعراب عمّا هو فيه. أمّا البحر الكامل فإنّه، لا يفتأُ، بينَ انبساطٍ وانقباض؛ ينبسط حين تسلم " مُتَفاعِلُنْ " من زُحاف الإضمار، فإذا أُضمِرتْ، بتسكين الثاني منها، وهو كثيرُ الوقوع، وأصبحتْ " مُتْفاعِلُنْ " اقتربَ من الانقباض؛ وهو من أجل ذلك قادرٌ على محاكاة تقلّبِ الحالاتِ على النفس، بين شدّةٍ ورخاء. فقد جاء الجزءُ الأوّل من صدرِ البيت الأوّل مُضمرًا، يُشعر بما عليه الشاعر من انقباض، أي إنّ " نام الخليْ" على زنة " مُتْفاعِلُنْ "، بإسكان الحرف الثاني المتحرّك أصلًا، ثمّ أعقبه الجزءُ الثاني والثالث غير مُضمرين، أي على الأصل " مُتَفاعِلُنْ "، ثمّ يجيء الجزءُ الرابع، في أوّل عجُز البيت نفسه مُضمرًا، والجزءُ الخامس والسادس غير مُضمرين؛ حتّى تمضي القصيدة كلُّها على هذا النحو، بين حركةٍ تصوّرُ الانبساطَ وتسكينٍ يحاكي الانقباض. وقد زاد الضربُ المقطوعُ من قدرة الوزن، في هذا المقام، على تصويرِ اختلاج المعاني واحتدامها؛ ذلك أنّ القطعَ عِلّةٌ لازمةٌ تلحَقُ الضربَ بحذفِ آخرِه وتَسكِينِ ما قبلَه؛ فتُصبح " مُتَفاعِلُنْ "، به، " مُتَفاعِلْ "؛ فكأنّ الصوتَ عند الضرب المقطوعِ ينبتُّ من غيرِ أن يتمّ؛ فيحكي حسرةً مكتومةً.
أمّا القافيةُ فإنّها انطوتْ على انبساطٍ وانقباض أيضًا؛ إذ ينبسطُ النَّفَسُ ويمتدُّ مع حرفِ الرِّدْف، الأَلفِ، وهو لازمٌ في القصيدة كلِّها، فإذا بلَغَ الرويَّ انقبضَ مع حرفِ الدّال الصلد، رويِّ القصيدةِ، ومستقرِّ أبياتِها، ثم يعودُ لينبسطَ مع مجرى القافية، حركةِ الرويِّ، الكسرةِ، التي تمتدُ لتكونَ ياءً فيمتدّ معها النَّفَسُ. إنّ في إيقاع القصيدةِ، المنبسطِ المنقبِض، محاكاةً لأمر الشاعرِ وهو بين حالينِ؛ ما هو فيه من ضيقٍ وانقباضٍ، وما كان عليه من سَعةٍ وانبساط.
وإذا كانت أشياءُ من جوِّ القصيدة، ومن صياغتها، ممّا تداوله الشعرُ القديم، وعرَفته ألسنةُ الشعراء؛ فإنّ الأسودَ بنَ يَعْفُرَ ألّف ما بينها تأليفًا فريدًا، مُصطَبِغًا بصبغته، يلوحُ عليه مِيسمُه، وتخفق بين جنباته روحُه؛ فأبقى قصيدته مستجادةً على الزمن، تصوِّر شيئًا لا ينفكُّ عن الإنسانِ في مدرجه...