اخر الاخبار

 

وقف أمام النافذة يتأمل ما حوله من خراب. هناك كان بيت جدي، وبيوت إخوتي وأصدقائي، وهنا بيتنا. تلفت حوله.. لم يبق لنا غير هذا الركام، وشواهد تنبت كما العشب هنا وهناك، نغترف الصور وما كنا عليه من ينابيع الذاكرة،  وبينما هو مستغرق في أفكاره، سمع دوي انفجار يهز الغرفة، أقدامٌ تتراكض، صرخات، أجساد تتهاوى، ثم شعر بلهيبٍ يخترق صدره، وسخونة لزجة تصبغ قميصه بالأحمر القاني وألم يشق صدره. يبتسم في وجه العدم يهمس بدهشة يخاطب تلك الرصاصة: أهذه أنتِ مجدداً؟ يبدو أنكِ أدمنتِ زيارة جسدي.

جاءه صوتٌ من داخل ذاك الثقب النابض في صدره:

حّكم علي أن أعبر الأجساد فأدميها، لكني حين أخرج من بيت النار، أصير قدراً يبحث عن ضده. فإما أن نمضي معا إلى التراب، أو أن أحفر في كيانك بيتاً لي، لأبقى ندبةً خالدة لا تمحوها الأيام .

الرجل بألم: أيتها الصديقة اللدود كوني رحيمة إذن، ذقتُ طعمكِ مراراً، رسمتِ وشوماً كثيرة على جسدي، ومع كل ذلك ها أنا ذا في طريقكِ صخرةً لا تنحني، لا تّكسر.. فما الذي يغريكِ بصدري؟

الرصاصة بذهول: أيُّ طينٍ أنت؟! ألم يحن وقتك لنستريح؟! لقد عبرتُ الهواء مسرعة كي أنتهي، لكنني كلما اقتربت منك أشعر بكياني يرتطم بجبل لا ينحني.

الرجل بثقة: نحن نزرع أرواحنا لنحصد وطناً. لذلك كنتِ دائماً تخطئين طريقك في الوصول إلي، وإن كنت تحفرين ظلك على جسدي، فالروح لا تخترقها المعادن!

الرصاصة: كثيراً ما كنتُ أصارع يد القناص وأغير مساري كأنني أتمرد على قدري، لكننا في هذا اليوم وصلنا إلى المحطة الأخيرة. وسنموت معاً، أنا في قلبك، وأنت في قلب الأرض.

الرجل: ستنتقلين معي حيث العوالم الأخرى لكنك في تلك العوالم لن تكوني أنت، ربما كنت غصن زيتون، نبعةٍ صافية.. أي شيء يغسل عنكِ هذا التعب، وروائح الكبريت الكريهة. سنلتقي هناك بلا ضغينة.

انقطع الصوت، وقد استسلم جسد الرجل لبرودةٍ بدأت تسري في أطرافه، ظن ستارة عمره قد أسدلت. لكن طيف بياض باغت جفنيه، تلاه صوت جهازٍ ينبض تيك.. تيك.. تيك.

بدأت تنتشر روائح أدوية ومعقمات وقد لمح وجهاً يشبه حلماً يعشقه، وكأنه يسمع صوتا لطالما أدمن نبراته يقول: الحمد لله على سلامتك يا أبي..

تنهد بألم وحسرة، ظنه أسفار أحلام الموت، أغلق عينيه خوفا من زوال الحلم.

لكن تكرر الصوت بلهفةٍ ينادي: أنا عماد.. يا أبي أنا عماد.. افتح عينيك أنا هنا، ألا تريد أن تراني ؟

فتح عينيه بثقل، كانت يد عماد ابنه الطبيب الميداني، تحلق فوق كتفه تحمل المبضع. ابتسم عماد قائلاً: قليلاً من الوقت وننتهي، الحمد لله رغم الإصابة إلا أنك بخير، قلبك كان أقوى من نصل الرصاصة.

قال الأب بصوت مبحوح: أنت هنا يا عماد؟ يا لكرَمِ الله! أمطرك في هذا القفر لتنقذني، وأراك

حبس الابن دمعةً، وابتسم بمرارة وأمل: لا تقلق يا أبي فأنت بخير. كان قدري أن أجد اسمك في قائمة الجرحى، وأن تكون يدي هي التي تقتلع الموت من صدرك. أغمض الأب عينيه براحةٍ لم يذقها منذ زمن بعيد، بعدما تيقن أن حياته لم تنتهِ بعد، وأنها للتو بدأت من جديد، شعر برفرفة طمأنينة في صدره، مدّ يده المرتجفة يحتضن يد ابنه، يشكر الله فتلك الرصاصة رغم قسوتها كانت سبباً في أن يرى قرة عينه الذي جاء يعيد إلى أبيه الحياة.