كل يوم وقبيل بدء الدوام، ثمة رجل عجوز يدب ببطء، يتكئ على عصاه، ينساب مع العاملين في المشفى وهم يلجون البوابة الرئيسية للمستشفى المركزي، لكنه يتوقف عند سياج الحديقة ليقطف زهرةً حمراء قبل أن يدلف من باب الصالات الرئيسية، لم يكن على عجلة من أمره، فكان يمنح الأخرين فرصة ترتيب أوضاعهم وتهيئة مستلزمات بدء الدوام وحين يمر من أمام موظفي الاستعلامات يرفع يده لتحيتهم فيردون عليه بلا اكتراث، مضى عام وهو يفعل ذلك، لم يعد يشكل شيئاً أو يثير انتباه أحد وحين يعبرُ الباب الداخلية للمستشفى كان يسمع صوت عصاه وهي تضرب أرضية الممشى الخالي من العاملين فالدوام لم يبدأ بعد، والتحضيرات في الغرف تجري على وفق آليات ثابتة، الصيدلية تعد نفسها لاستقبال عقاقير جديدة، يعبئون عرباتهم بالعقاقير المعروضة لديهم، الكل منهمكٌ في الاستعداد لبدء العمل، الرجل العجوز يحيي هؤلاء أثناء مروره بغرفهم، يستقبلهُ البعض بابتسامة إشفاق ويردد البعض اللازمة الثابتة: ((يا لهُ من رجلٍ عجوز مسكين))، يتجاهله بعض الذين سأموا مرآهُ اليومي. في إحدى زياراته المكوكية كان يحمل بيد مرتعشة قفص كناري وكان يبدو سعيداً وهو يفعل ذلك وحين سُئل عما دفعه لفعل ذلك قال ((زوجتي العزيزة طلبت مني ذلك)).
لكن الممرضة المسؤولة عن رعاية زوجتهِ قالت له: لماذا تتعب نفسك وأنت بهذا العمر أنت تفعل ذلك بلا جدوى فهي لا تعرفك حتماً، فقد سألتني ذات يوم عنك.
ماذا قالت لكِ:
- قالت من هذا الرجل الذي يزورني يومياً؟
قلت لها:
- إنهُ زوجك.
ضحكت وهي تقول:
- أنا لم أتزوج بعد.
- عزيزتي إنها مصابة بداء الزهايمر وهذا أمرٌ طبيعي أنا أعرف ذلك، هذهِ المرأة حبيبتي مذ كنا طلاباً في الجامعة المستنصرية، أتعلمين يا ابنتي إن هذهِ العجوز التي أمامكِ لم تكن مجرد انثى، إنها قبيلةٌ من النساء، إنها المرأة الوحيدة التي فتحت منافذ قلبي، لقد كنت في صوم عاطفي لكنها تسللت بخفة العطر إلى روحي، لقد انجبنا ولدين وبنت، لدينا أحفاد.
شعرت الممرضة بالأسى فاعتذرت بشدة من الرجل العجوز. كان يجلس يومياً في الكرسي نفسه المحاذي لسرير زوجته المريضة وكان يكرر قائلاً لم تكن محض امرأة، كانت قبيلة من النساء، لم نفترق منذ أربعة عقود، أنا لم أوافق على نقلها إلى هنا لكن الأولاد أصروا.
بعد أيام انقطع الرجل العجوز عن زيارة زوجته الأمر الذي لفت انظار الجميع، مضت أيام مديدة على انقطاعه، وذات يوم دخلت الممرضة إلى غرفة العجوز المريضة فوجدتها وهي تمسك صورة تضمها هي وزوجها التقطت في حديقة الجامعة المستنصرية وهي تبكي وتخاطب الصورة: أين أنت يا حبيبي لم تأخرت عن زيارتي. لقد مات الرجل العجوز.