قد يبدو حديث "الهامش الثقافي" مثيرا للجدل، ومفتوحا على اسئلة نقدية وتاريخية، تخصّ علاقة هذا الهامش ب"المتن" أو "المركز" المتعالي، مثلما تخص هويته، بوصفه مجالا لكتابة أخرى، تحيلنا الى المختلف والضدي، والى الكشف عما هو "مقموع أو مسكوت عنه" حيث يتلّبس الهامش فاعلية المعارضة، أو الحِجاج، أو قد يضمر وعيا نقديا مواربا، أو ممارسة تقوم على مساءلة ومراجعة متون "المراكز الكبرى" التي تخص السلطة، والجماعة والمقدس، وعلى نحوٍ يؤدي فيه الهامش وظيفة السؤال النقدي، أو تمثيل الدافع المعارض المسكون بهوسِ خلخلة كثيرٍ من الهيمنات، وبتجاوز العقدة القديمة عن علاقة الهامش بالمكبوت، وتمثيل الضعف والهشاشة الاجتماعية والطبقية، وربما بتمثيل الغياب الذي جعل من "الهامش" رمزا للعطالة، أو الى تمثيل "ثقافة الأقلية" التي تواجه رعب المركزيات الكبرى التي فرضت انماط حضورها تاريخيا، عبر العنف والتوحش والاستبداد، وعبر اشكال فاشية قامعة للحرية والعدالة والحق والتنوع الثقافي.
في تاريخنا العراقي ظل الهامش الثقافي قريبا من خطاب المعارضة، ومن اسئلة الوعي النقدي، ليس للاختباء من القمع، والتورية خلف اقنعة أو حجابات فحسب، بل لإعطاء ذلك الهامش قوة عميقة، في التجاوز والخرق، وفي تمثيل حيوية الخطاب الثقافي، من خلال المغايرة، واستفزاز القارىء، وكذلك في فضح سيرة مركزيات السلطة والتاريخ، حيث ظل "المركز التاريخي" هو الصانع الغامض للنمط، والمنبر، والكتاب، مقابل الهامش/ الظل الذي كان يناور عبر جماعات البيان الثقافي، والمقهى الثقافي، والكتاب الممنوع، ولعل ذاكرة "الستينيات" كانت الزمن الثقافي الذي حفل كثيرا بهذا التضاد بين هامش السلطة المستبدة، وبين "الهامش" الحيوي الذي حمل معه اسئلة المفارقة والرفض، ووعي التحول الثقافي، والانفتاح على سلسلة من الصدمات الثقافية، التي ارتبط بها مظاهر المثقف السجين، والمثقف المعارض والثوري، والمثقف الانصاري، مثلما ارتبطت بهويات امكنة المهجر والقتل الرمزي والغياب القسري..
حديث الهامش ليس بعيدا عن تمثلات المخفي في الصراع الثقافي العربي، ولا عن ازمة "السؤال الثقافي" وتداوليته، وهو يتضخم إزاء صراعات موازية، لكنها معقدة، لا سيما ما يتعلق بتمثيل علاقة ثنائية "المركز والهامش" بأزمة الحديث عن "نقد العقل العربي" وعن علاقة هذا النقد بتمثيل الهويات "القاتلة والمقتولة" وكذلك بتمثيل علاقة المركز باليقينيات الكبرى، في الهوية والسلطة والايديولوجيا، مقابل اتهام الآخر بالمروق الى سحر الميتافيزيقيا، بوصفها خطابا للهروب، ووعيا مأزوما بالوجود، وسقوطا في فخ الاوهام، وهو ما اشار اليه ادونيس في كتابه الايقوني "الثابت والمتحول" من خلال جدله الصاخب مع اطروحات محمد عابد الجابري، إذ جعل من خطاب الثابت رهينا بمتن السلطة التي تفرض وجودها من خلال قوة "النص الصياني" مقابل أن يكون "الهامش" هو المتحرك، في حمولته الرمزية، وفي طاقته النقدية، وفي قدرته على تقويض هيمنة المركز/ المتن، حتى بدا الخلاف بينهما، وكأنه خلاف اشكالي، محمول على قراءات متنافرة، فالجابري وجد في ثنائية "العرفان والبيان" تكريسا لفكرة الهامشية إزاء مركزية "البرهان" وأن توصيف "العقل المستقيل" في معالجته النقدية، يتحول الى ممارسة تقوم على اقصاء الآخر، وعلى عزل الهامش من أن يكون جزءا من فاعلية "العقل العربي" في الوقت الذي يجد ادونيس في "العقل المستقيل" نوعا من قوة الهامش المخفي، وربما قوة المعارضة التي تعني حيازة طاقة وجودية ومعرفية، تواجه من خلالها عقدة "التاريخ" ومركزية سلطته، مثلما تواجه تقاليد ثقافية كرستها الايوان والجماعة، وباتجاه يجعل من ثنائية "المركز والهامش" ازاء مفارقات وتناقضات، ليست بعيدة عن الصراع السياسي، وعن تغول السلطة/ اللوثيان بتعبير هوبز، ولا بتمثيله العنصري الشوفيني، ولا برعب خطابها الذي كثيرا ما يتحول الى قوة للطغيان والاستبداد، وعلى نحوٍ يرتهن فيه الهامش الى التخلف والعزلة، والهوية المقتولة، قبالة أن يكون المركز هو المقدس والنظام والهيمنة..