اخر الاخبار

حين تُطوى صفحة الإنسان جسدًا، يبقى منجزه الأدبي أو الفني شاهدًا حيًا على سيرته، يروي للأجيال قصة كفاحٍ طويل، ويمنح صاحبه حياةً أخرى لا تنتهي برحيله. هكذا كان الفنان التشكيلي الموصلي المغترب لقمان الشيخ، الذي شكّل نبأ رحيله وقعًا مؤلمًا في نفوس محبيه وأصدقائه وزملائه الفنانين، غير أن العزاء يبقى فيما خلّفه من إرثٍ فني يزدان به المشهد الثقافي العراقي.

إن ما ينجزه الإنسان هو الذي يمنحه خلوده الحقيقي؛ فهو يروي للأجيال مسيرةً حفلت بالنجاحات تارةً، وبالكبوات والآلام تارةً أخرى. ففي نهاية المطاف، ليست قيمة العمر بعدد سنواته، وإنما بما يودعه صاحبه فيه من إبداع وعطاء. فالغالبية العظمى من الناس يعيشون ثم يمضون، ويطويهم النسيان، بينما يبقى القلّة في ذاكرة الأجيال بما تركوه من أثرٍ مميز.

ولا نبالغ إذا قلنا إن الشيخ ترك منجزًا فنيًا وإنسانيًا يليق بحياة امتدت أكثر من واحدٍ وتسعين عامًا، كانت حافلة بالإبداع والعطاء الثر.

وُلد لقمان الشيخ في العشرين من نيسان عام 1935، ومنذ نعومة أظفاره أخذ يرسم على جدران الأزقة في محلة حضيرة السادة وباب المسجد، حيث نشأ وترعرع. ثم التحق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد، وتخرج فيه عام 1956 بتفوق.

وقبل التحاقه بالتدريس في تلعفر، بادر مع مجموعة من زملائه، منهم حازم الأطرقجي، وخالد العسكري، وضرار القدو، وآخرون، إلى إقامة أول معرض للفنون التشكيلية في مدرسة الأرمن. وفي ذلك المعرض باع أول لوحة رسمها مقابل عشرة دنانير، وكانت بعنوان (غسالات الصوف)، وقد اقتناها المصور الفوتوغرافي العالمي الراحل مراد الداغستاني، وحرص على عرضها في واجهة استوديو التصوير الخاص به في شارع الدواسة.

واستمر في التدريس حتى نهاية عام 1959، ثم أوفد في بعثة دراسية إلى صوفيا، حيث نال درجتي ماجستير الأولى في رسم الجداريات العملاقة، والثانية في تصميم الأقمشة. وفي هذا المجال تميز بإدخال الزخرفة الشرقية والحروف العربية إلى تصاميمه، فابتكر أسلوبًا لفت الأنظار، ودفع دار الأزياء العراقية إلى دعوته عام 1977 لإقامة معرض لأعماله، وقد حقق نجاحًا كبيرًا، وحظي باهتمام الصحافة العراقية آنذاك.

كما صمم ونفذ جدارية مميزة على بوابة السفارة العراقية بعنوان (بوابة عشتار)، ثم تفرغ للرسم، وابتكر تقنية فنية خاصة تقوم على تثبيت الأقمشة على سطح اللوحة قبل الرسم عليها، لتغدو أعماله وكأنها ذات أبعاد متعددة، بما يمنحها عمقًا بصريًا وتعبيريًا فريدًا.

وأقام معارض شخصية في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، كما عرضت إحدى أشهر لوحاته، وهي لوحة (وحيد)، في مزاد الروائع في لندن. وبرغم العروض المالية الكبيرة التي تلقاها لبيعها، فقد رفض التفريط بها، وعدّها إحدى أهم منجزاته الفنية.

أما على المستوى الإنساني، فقد كان مثالًا للطيبة والوداعة والتسامح، يبادل الجميع المحبة والاحترام. ولعل أصدق وصف لشخصيته ما قاله الصحفي الراحل فرات الجواهري عندما زرناه في جريدة الجمهورية عام 1989، وكان قد عاش معه في القسم الداخلي في صوفيا أربع سنوات، إذ قال له: (يا لقمان، لو أن كل البشر مثلك، لما احتجنا إلى شرطة ولا إلى جيش).  وهي شهادة تختصر صفاء روحه ونبل أخلاقه.

ولم يكن الفن وحده شغفه؛ فقد كان عاشقًا للقراءة في الأدب والفن والتاريخ والسياسة، يتمتع بذاكرة استثنائية. وحتى وهو في عقده العاشر، كان يستعيد أحداث الموصل في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بأدق تفاصيلها، ويذكر الأشخاص والوقائع بدقة مدهشة، ثم ينشرها على صفحته، فكانت منشوراته نافذةً يستعيد من خلالها كثير من أبناء الموصل صفحات مضيئة من تاريخ مدينتهم.

إن الحديث عن لقمان الشيخ يطول، وربما يحتاج إلى كتاب يوثق سيرته ومنجزه، لكن يكفي أن نقول إنه كان إنسانًا استثنائيًا، وفنانًا مبدعًا، ترك بصمة لا تُمحى أينما حل.