اخر الاخبار

هذه الرواية تتناول حدثاً تاريخياً (عمليات الأنفال). قام بها نظام صدام حسين ضد المعارضة المسلحة في الجنوب وفي الشمال بوسائل (الأرض المحروقة)، حرق كل شيء، النبات والحيوان والإنسان. وكانت عدة حملات، آخرها هي التي تتناولها رواية (حصار العنكبوت) حين جرى محاصرة مناطق عمليات الأنصار الشيوعيين ومعهم بيشمركة الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني من أطراف كركوك إلى زاخو. مكان الأحداث في الرواية سلسلة جبل كاره في ريف دهوك، حيث اختفى في تضاريسها آلاف الفلاحين بعوائلهم وحيواناتهم هاربين من حملات الإبادة وحرق القرى، مع بضعة مئات من الأنصار الشيوعيين والبيشمركة. 

بدت لي رواية (حصار العنكبوت) وكأنها لا تروي حرباً بقدر ما تروي عن المصير الإنساني، حين يُدفع إلى أقصى حدود العزلة والخوف والانكسار. إنها ليست رواية حرب بالمعنى التقليدي، بل رواية حصار وجودي، للروح قبل الجسد، وللمعنى قبل المكان.

منذ الصفحات الأولى، لا يضعنا الكاتب أمام أبطال أو شخصيات أيديولوجية، بل أمام بشر هشّين، متعبين، يجرجرون أحلامهم وسط الجبال والبرد والمطاردة والموت. وهذه من أهم نقاط  عمق هذه الرواية. ببساطة أنها نزعت عن (المناضل) صورته البلاغية الجاهزة، وأعادته إلى إنسانيته العارية.

الخوف هنا ليس عيباً، والتردد ليس خيانة، والحلم بحياة بسيطة قد يصبح أكثر ثورية من حمل السلاح نفسه. لم يكن العنكبوت في هذه الرواية مجرد استعارة شكلية، بل شكّل بنية سردية كاملة. العنكبوت كائن لا يقتل دفعة واحدة، بل يلتف بخيوطه تدريجياً حول ضحيته حتى تفقد قدرتها  على المقاومة. وهذا بالضبط ما فعله الحصار السياسي والعسكري والنفسي بشخصيات الرواية.

الجميع محاصرون، بالجبل، بالسلطة، بالخيانة، بالذاكرة، وبالأسئلة التي لا إجابات لها. لهذا أن أكثر ما يلفت في الرواية ليس (ما يحدث)، بل الإحساس الثقيل بأن الشخصيات تتحرك داخل شبكة مغلقة مهما حاولوا النفاذ منها. حتى الطبيعة لم تبدو خلاصاً رومانسياً كما في كثير من أدب الجبال، أنها هنا قاسية، باردة، متواطئة أحياناً مع العدو (الموت).

نجح الكاتب في تفكيك سردية البطولة التقليدية، دون أن يسقط في العدمية، وهذه كانت معادلة بمنتهى الصعوبة. لم يمجد الحركة، لكنه لم يسخر من تضحياتها. لم يقدم لنا أناشيد سياسية، بل كتب وجع الإنسان عندما تتحول الأفكار الكبرى إلى امتحان يومي للجسد بجوعه، وخوفه، واحتمالات فنائه السريعة.

أما اللغة، فكانت واحدة من أجمل عناصر الرواية. لغة مشبعة بالشعر، دون أن تتورط بالزخرفة. اقتصاد واضح في الجمل والفقرات، يقابله عمق شعوري كثيف، يشعر معها القارئ أن الجملة مكتوبة بذاكرة مجروحة لا بقصد استعراضي. يأتي الوصف محمولاً على توتر داخلي، لا على رغبة تزينية.

كما أن هناك ملمح شديد الأهمية، دلتنا عليه الرواية؛ أن الخراب لا يصنعه الطغاة وحدهم، بل تصنعه كذلك الأحلام المؤجلة، الانقسامات الصغيرة، والهشاشة الإنسانية نفسها. تتجاوز الرواية بُعدها السياسي المباشر لتصبح تأملاً في هشاشة الإنسان العراقي خلال عقود العنف الطويلة.

الشخصيات في (حصار العنكبوت) لا تبدو مكتملة أو مستقرة، بل متحولة باستمرار تحت ضغط الخوف والجوع والفقدان. وهذه السيولة النفسية منحت الرواية صدقها الكبير. لا أحد يبقى كما هو داخل الحصار. الحصار يعيد تشكيل البشر أخلاقياً ونفسياً، بل وحتى لغوياً.

أما من الناحية الفنية، فاستطاع الكاتب أن يوازن بين التوثيق والسرد الأدبي، مانعاً الرواية من  أن تتحول إلى شهادة جامدة. فبرغم أن الأحداث حاضرة بقوة، وهي أحداث معروفة بالزمان والمكان، تعامل معها الكاتب بما لا يجعلها تختزل الرواية في التوثيق التاريخي للحصول على نص تاريخي ينتمي للأدب لا للأرشيف. ولأنها كذلك، ستبقى قابلة للقراءة حتى لمن لم يعش تلك المرحلة.

انها ليست رواية عن الماضي، بل عن السلطة.. رواية مؤلمة وجميلة في آن واحد، لأنها تذكرنا بحقيقة أن أكثر أشكال الموت قسوة ليس الموت السريع، بل ذلك الموت البطيء داخل شبكة لا تُرى لكنها تهرس الأرواح.