تقيأه القطار على افريز المحطة بعد ليل متعب أحسه في لهاث الماكنة المتقطع وفي صوتها الذي يحمل مما يشبه تعتيمة الحزن وهي تلون اصوات المتعبين.
وهبط الركاب لكنه وجد نفسه وكانه غريب عن روح هذا التيار.
انزل البعض امتعتهم وحقائبهم.. ولما لم يكن لديه ما يحمله زم شفتيه بارتياح وهو يغالب ضحكة متشفية كادت تفلت على رجل ربع كان يجر امتعته بصعوبة
ناس ينزلون واخرون يستقبلون.
وجوه مصبغة وثياب تبرز الاثداء النافرة والسيقان المكتنزة وناس اشبه بلعب النماذج التي توضع في معارض المخازن واسنان بيضاء تلتمع.
وشعر من جديد انه غريب.
التفت.. كان هناك طفل جميل تحمله امه، تهرب خصلة ذهبية من شعره منحدرة على جبين وضاء يحمل عينين زرقاوين.
انطلق خبث العينين الملائكي لينصب عليه وشعر ان نظرات الطفل تلاحقه.
لا يدري لم احس انه ليس غريبا عن هذا الطفل كما هو عن الاخرين؟
وظلت نظراته تشرب وجه الطفل.
لا يريد ان يبتعد كثيرا عن موكب عائلة الطفل وخرج الناس مع المحطة.
دائما معهم في ركوبه ونزوله وفي تجواله.
وامام المحطة كان الصراخ يرتفع: باب الشرقي. باب المعظم. الكرادة واخرى لم يفهم مدلولاتها بعد.
وصاح سائق: تاكسي ياولد؟
وضحك هو وزميله واردف قائلا: وهل هذا وجه من يركب التاكسي؟
وابتلع الاهانة. ان الاهانة مع الغربة شيء يستهان به!
ومن جديد برزت له العينان الزرقاوان فانسته كانت تطلان عليه من وراء ظهر الام وهي تهم بركوب التاكسي ولايدري لماذا خطر له خاطر بمثل هذا السخف واللؤم خطر له ان يغرز دبوسا ليطفئ هاتين العينين وعذبه هذا الخاطر كثيرا.
ترى لماذا تمنى ذلك؟
تسمرت عيناه على اسفلت الشارع حاول ان ينسى القطار وهو يتجه بمسيره وطرقت اذنيه اصوات كثيرة تسير امامه ووراءه فاطمأن شعر بأن هناك رابطة قوية بينه وبين السائرين لا يدري بها.
وسأل: عمي اين ساحة المتحف؟
سر الى الامام في هذا الشارع وهناك سيواجهك بناء ضخم على بابه تمثالان لثور مجنح.
ولم ينتظر سماع كل الكلام وابتسم وشكر. فعليه ان ينافق ويظهر بمظهر العارف فقد اوصاه زوج امه ان يفتح عينيه جيدا في بغداد وان لا يظهر بمظهر المغفل مما به النشالون.
وسار وتحسس ما تبقى في جيبه من الدينار.
كانت الساحة تبدو كسوق متحرك.
المناظر تتحرك بسرعة. الالوان واعلانات الدعاية والناس كلها تتراقص امام ناظريه ووقف للاستراحة ولكن في رأسه لايزال قطار يتحرك.
تذكر الشاي لكنه تذكر التخدير وكأنه لافتة حمراء ضخمة معلقة في محطة بنزين تشير الى منع التدخين.
قال له زوج امه: لا تورط نفسك وتجلس في المقاهي ببغداد قبل ان تتأكد ان الشاي لايقدم لك في صينية تحوي اباريق كثيرة لاتملأ سوى كوبا واحدا بتسعين فلسا.
حاول ان يستريح لكن القطار لايزال يتحرك في رأسه.
كان الزحام شديدا في محطة اور ليلة البارحة حاول ان يركب ورفعته موجه الى باب القاطرة كان لا يدري كيف لامست قدماه مقدمة باب القاطرة لايدري سوى انه ممسك برداء رجل يحمل صندوق حديد
اما الزحام فلم يكن يسمح له سوى برؤية جندي انضباط يقف في باب القاطرة ثم سمع انذار الجندي في القاطرة موجهاً للعسكريين لكن انذارات العسكري ماتت مع صخب الناس وتدافعهم.
ولم يلتفت الى نتيجة تهوره ومن معه الا عندما وجد نفسه ملقى على الارض وصندوق الحديد فوقه واصوات كثيرة تلوم واخرى تصرخ: افتحوا الباب
ومن جديد نفض البعض سقطته وحاول ان يتشبث من جديد ونجح هذه المرة استطاع ان يحشر نفسه في باب اخر.
ولصغر جسمه نجح في ان يمرق داخل العربة.
كان هناك شيئا لزجا دافئا يلطخ بنطلونه وحاول ان يتخلص من دوران رأسه لكن كل ذلك كان العبث الذي تحسه حياته دوما وهي تحاول ان تفهم العالم.
نبهته امراة كانت تراقبه منذ ان صعد:
يا ولد شد رجلك فهي تنزف دما.
واحس بالبهذلة والضياع وشعر برغبة ملحة للبكاء
لكنه وجد ان من المخجل ان يبكي الرجل خاصة امام النساء. ومن جديد احس انه مضطر للنفاق حتى على نفسه (حتى ولو تتألم فعليك ان لاتظهر ذلك للناس)
الناس يريدونك ان تبكي عندما يموت واحد منهم لكنهم يمنعونك من البكاء عندما يموت شيء بداخلك: شيء اعز عليك من كل موتاهم.
كان القطار مزدحما ليلة البارحة تحالفت امور كثيرة:
ليلة الجمعة وراس الشهر وزيارة الائمة مضافا لذلك حظه الذي جربه كثيرا فما افلح.
لايزال يتذكر الوجوه الغريبة في القاطرة. كان قد رفع راسه الى الاعلى فقرأ لافته:
(للجلوس 82 راكبا) ولايدري لم وجد نفسه بحاجة الى عد الراكبين وعندما تعدى المائة احس دوارا ثقيلا في راسه فارتخى راسه على كتفه وسال لعابه على صدره وغرقت.
ووقفت سيارات وتحركت. كانت سيارات الباص تتقيأ لتملأ بطنها من جديد ثم تمضي وهو واقف بنظر ثاقب.
احس ان بغداد كلها وكأنها على سفر وتصور ان كل هذه البيوت لا احد يسكنها الان.
تصور الناس نملا احس بالدفء فخرج يسعى
- تصور ان كل الناس..
كان هناك مخمور لا ينفك يغني ليلا بصوت اجش يتحدى كل صبر كل هذه المنغصات تختلط في مزيج مع ضربات عجلات القطار على قضيب السكة قلقلة القاطرة برتابتها المترنحة لاتزال تتحرك برأسه.
وانتزع وجوده بصعوبة من ذكريات البارحة المرة وحاول ان يثبت قدميه في بغداد.
ونبهه زمور سيارة فارهة وقفت قرب موقف الباص وانزلق منها رجل الى حانوت قريب واطل داخل السيارة كان هناك زند ابيض يلتمع ومن فرجة باب السيارة كانت ساقان تمتطي احداهما الاخرى بدلال.
حاول ان يمتع نفسه فاقترب اكثر.. وبصقت المرأة وانسحب كان يبدو انني اثرت غثيانها واختفت السيارة.
وقفت سيارات وتحركت.. كانت سيارات الباص تتقيأ لتملأ بطنها من جديد ثم تمضي وهو واقف ينظر..
احس ان بغداد كلها وكأنها على سفر وتصور ان كل هذه البيوت لا احد يسكنها الان.
تصور الناس نملا احس بالدفء فخرج يسعى
تصور ان كل الناس. ينتقلون ويتحركون بسرعة.
وقال لنفسه: صحيح انني كنت قد رأيت بغداد قبل سنين ولكن صورته الاولى عن بغداد بدت غرقة في السحيق يلفها ضباب كثيف.
بغداد كما قالوا: لها كل يوم وجه بغداد عروس تنضو عنها ثوبا لتلبس اخر وتصور ان العملية تجري بسرعة كبيرة.
واقترب منه رجل في اعلى انفه تجاعيد صارمة:
هيه.. انت ما وقوفك هنا؟ وراح يمطره باسئلة كثيرة واخذ يجيب بتلعثم وخوف:
هويتك. واخرج من جيبه دفتر نفوس متهرئ. وقرأ الرجل: صاحب علاوي، محلة السيف - الناصرية.
ثم اغلق الدفتر واعاده له. ثم لانت نظرات الرجل بعض الشيء وسأل اين يقصد؟
واجابه انه يبحث عن عمل وهو قاصد لأخ له يسكن مدينة الثورة.
أدله الرجل. وانتظر طويلا باص رقم 55
وبدأ يتهادى الباص من بعيد وعندما وقف بدا جنون الناس وتذكر منظر القطار لكنه لم يكن هناك مجال للاحتجاج هكذا تعيش بغداد واذا لم تعجبك طريقة عيشها فانت حر في ان لاتعيشها وبصق على حريته انها تعني عودته لبلدته نهبا للبطالة والتسكع لقد كان متعبا في بطالته تلك وحاول ان يتخلص منها كمن اروه الموت فرضي بالمرض.
وتعلق بالباص ووجد له مكانا في الفسحة الموصلة بين سلمي السيارة الى طابقها الثاني كان الزحام كما ه دائما وكان يشاركه في وقفته الكثير ومن جديد عللقت بفكره صورة قطار البارحة ووجد المنظر نفسه:
الجالسون على المقاعد قلة لاتقاس بمن يخنقهم الوقوف.
السيارة تسير وتتوقف وصاحب يلف كل روحه صمت المشدوه وفجاة سمع مشادة وكانت هناك امرأة تتدافع وكبر في عينيه المنظر وقاحة. قلة ادب.
ربما قرا ذلك في وجوه الجميع ذلك لكن لا احد يتكلم.
وحشرت الفتاة جسمها بين الواقفين امامه
احراج له لكنها استمرت تعلك بلبانها غير مهتمة.
تدخل البعض لاقناعها بحل مناسب لكن عتادها الوقح استمر واخيرا حطم الزحام عنادها صعدت السلم ووقفت امامه. امامه بالضبط.
كانت مراهقة لعوب راى صاحب في ملامح وجهها صور ممثلات السينما. ثوبها يحبس جسمها المكتنز
واثار اصباغ تنثر على خديها وملأت رائحتها النفاذة انفه ولايدري لم احس ان هذه الرائحة تخنقه تثير غثيانه. همست باذنه قائلة:
الجميع ينظرون بحسد لمنظنا.. شاب وشابة متلاصقان...
ولم يستطع الرد شعر ان كل النظرات مصوبة اليه وكانها قضاة يثبتون جرم مشهدهما ولم تكن له القدرة على سلوك عمل فالحياة واجهته بالمتناقضات
وذكر صورة امه في بيت زوجها. وثقل عيشه هناك والقطار والطفل والجنس ولافتات التخدير وهذا الزحام وجد وسط كل ذلك انه ضائع لايستطيع تحديد وجوده
كان العرق قد اخذ يتصبب منه بغزارة وجد نفسه يكاد يختنق. انه يخاف الناس تربكه مواجهتهم.
تشجع وقال لها: اختي ان موقفك يحرجني. حاولي ان تجدي لك محلا اخر.
لكنها لم ترد عليه سوى ابتسامة ساخرة لعوب وادنتها وقفة السيارة المفاجئة اليه. شعر ان جسمها الصغير قد التصق به تماما وتسارعت دقات قلبه حاول ان يخلص نفسه: انها تختنق لكن الجراة خذلته وانقذه الجابي اخيرا قائلا ان هناك مقعدا قد شغر.
وصعد السلم الى الطابق الثاني وادار وجهه لها.
كانت قد واجهته بنظرة خيبة امل واحتقار.
توقف الباص ونزل وجلس في مقهى قريب.
كانت رسالة اخيه الاخيرة قد حددت مكانا للقاء.
مقهى صغير لايختلف عن مثيلاته بالناصرية
لم تطل به جلسته. استقرت يد فوق كتفه وعندما استدار واجه اخاه ولم يدر لم شعر انه محتاج لهذا الاخ ومحتاج اى ان يحبه ويعانقه بكل هذه الحرارة.
سأله اخوه عن اشياء كثيرة واجاب عنها بسرعة ثم قاما الى البيت واستقبلته زوجة اخيه واطفاله ببرود فقد اصيب الاطفال بخيبة امل من زيارة عمهم الذي لايحمل معه حقيبة ومن جديد احس انه يختنق فالعائلة تشاركها في البيت عوائل كثيرة. كثيرة والبيت يعج بصخب مدمر ولم تستسغه اعصابه والغرفة علبة صغيرة بجوها الخانق. امعاؤه تضغط ععليه ودوار ثقيل يعبث براسه وتدثا كثيرا وافاض بالحديث انه يبحث عن عمل وهو يريده في اي مكان بعيدا عن النظرة التي يرميها به زوج امه كل يوم.
انه لايريد ان يسمع كلمات احتقاره العفن.
يا اخي ارجو ان تشغلني في اي مكان.
فيطرق اخوه اطراقه طويلة: احس انه يفكر بصغاره الذين يملاؤن الغرفة. شعر صاحب الاحراج نفسه.
اين ينام؟ وهل يستطيع ان يسكت امعاؤه؟
اسنان كثيرة وصخب مدمر احس العائلة كعلبة سردين مرتبه وفق فوضى ومن جديد علقت فكره: الزحام. النمل. السقطة. الجوع. الجنس. وتحدث اخوه كثيرا عن صعوبة وجود عمل وانبه كثيرا على سلوكه مع زوج امه: كان عليك ان تستكين لمعاملته لخاطر امك ووعظ الاخ كثيرا. واجاب صاحب اخاه: يا اخي لكني عندما اجوع واهان اكون ثقيل السمع لاتهضم اذناي ما تقدمه فسلفتك من موائد. وكاد الاخ يثور لكنه وجد ان ذلك ليس من المناسب. ومن جديد تحرك القطار في راس صاحب عادت القلقلة واصوات الركاب وشعر انه محتاج بعد كل هذا العناء للنوم اكثر من نصح اخيه. وعلى الرغم من ان ذبابات مزعجة كانت تستقر على انفه لكنه استمر يشخر.
1965