اخر الاخبار

تحيلنا قصص (محمّد حياوي) في مجموعته القصصية الموسومة بـ(نصوص المرقاة) إلى عوالم تنطوي على الغرابة والإدهاش والغموض المحّرض على انتاج المعنى، وتعدّد الدلالات والإحالات، وهو يتوغّل في فضاءات تزاوج بين السحر والكشف والبحث عن الذات والحقيقة على وفق صياغة جمالية تعبّر عن لغة شفيفة، ونسق شعري وتأسيس عوالم طقوسيّة، وإعادة اكتشاف بؤر ميثولوجيّة ومساحات التقديس الكامن في المتخيّل الشعبي، ممّا يمنح القصص سمات الغوص في أعماق الأمكنة والشخصيات، وسرّانيّة الأفكار والرؤى، ويمزج بمهارة بين الأسطرة والطقوسية واستلهام الحكايات المثيرة، والتوغّل في مديات فسيحة، تعكسها البيئة وصورها، فأغلب القصص تعيد انتاج البيئة بوصفها المجال الحيوي الذي يمكن الكشف عنه لتقديم أسئلة وكشوفات ترتكز على البحث عن الانسان وصراعه مع الذات والواقع ومدى تماهيه مع البيئة والمكان وما يحيط به من سحر وتمثّلات وامتثال جمعي.

تعبّر سيمائية العنوان عن فكرة البحث والصعود وصولاً الى الذروة، واستثمر القاص الطاقة الرمزيّة والتأويلية لمفردة (المرقاة) التي تعبّر عن تعدّد المعاني والقصد فهي السلّم أو درجات السلّم، أي قد تعني اكثر من درجة واحدة منه، أو تعنيه بالكلّ المطلق و(المرقاة) تعبّر أيضاً عن الرقي والصعود والاكتشاف ويوظّف القاص هذه المعطيات لكنّه يركّز على نزعة الشخصيّات في البحث والاكتشاف، وبذلك تحيل هذه التقنية إلى أهمية ودور الوعي، أعني وعي الذات للمحيط الذي تعيش فيه والبيئة التي تشكّل مرجعاً انثربولوجيا، لها فكلّ الشخصيّات تبحث عن ثيمة وهدف وغاية، ولكن تعترضها كثير من الموانع والمحظورات والسلوك المتناسل المرتبط بالمكان والبيئة والفضاء الإنساني، لكنّ المعنى لا ينكسر حين تتشكل النهايات الصادمة التي تكسر أفق التوقّع، وتفتح فضاء الأسئلة والتأمّل، وتنطوي سيميائية العنوان في قصّة (صانع الآلهة) على طاقة من الإثارة، واغراء العنوان وغرابته، لتكون مدخلاً إلى قصّة تتوغل في أعماق الواقع الاجتماعي الهش، بعد وضع الجذر أو النسق الميثولوجي خلفية له، وجمالية السرد تتجلّى في كونه ارتكز على (ضمير المتكلم) بصيغة (السرد الذاتي) لكي تكون القصّه أكثر ألفة وواقعية ويعبر الاستهلال عن فكرة إنسانية في التعلق بجمال المرأة المثيرة لكنّها في النهاية تكشف عن ميل سلبي، وقبح يمثل النقيض للبداية التي وجدها الطالب في مدرّسة النحت الجديدة يقول: "شيء ما يجذبني نحو مدرّسة النحت الجديدة بالتأكيد هو غير جاذبيتها المخبّأة تحت قميص الجينز والوشاح الأسود الذي يحلو لها ربطة حول عنقها الطويل.." (المجموعة: 13).

يستثمر القاص موضوعة القصّة لتكون مدخلاً إلى عوالم ميثولوجية سومريّة، لاسيما حكاية أو منحوتة الفتاة السومريّة المستلقية أو المتكّئة، وقد قرر بطل القصّة تقديمها لمشروع نحتي لدراسته في المعهد، وتصاب المدّرسة الجميلة والمثيرة بالدهشة، وفي نهاية القصّة يكتشف أن المدّرسة قد امتلكت المنحوتة وعرضتها في معرض خارج العراق، فالنهاية الصادمة تشكّل أحد اشتغالات القاص (محمد حياوي) منذ انطلاقته في مطلع الثمانيات، فهو يراهن على النهاية بوصفها الخلاصة للمعنى الذي تتشكل فيه تفاصيل وبنية القصّة بأكملها.

ولابدّ من تناول القصّة المهمّة والمؤثرة والموسومة بـ(نصوص المرقاة) وهي التي صارت عنوان المجموعة الذي يحيل إلى طاقة من الكشف والتأويل، واعادة انتاج لحظة مؤطرة بالمقدّس لتقديم الصراع بين الخير والشر ويمثّل المكان فضاءً سحرياً، إذ ينطوي على طقوسية تمزج الواقع والتاريخ والمقدس والمتخيل الشعبي الموروث، يقول: "تناهت إلى سمعي أصوات الزغاريد المنبعثة من البيوت والسطوح اللافحة، فتذكرت القاسم العريس الوسيم المحنّى الذي سيدخل خيمته الآن، وأزحت الشرشف القديم عن الوجه النائم ببطء، لتعتريني الارتجافة ثانية حين تنهّدت الغرّة النائمة فوق الجبين الابيض.." (المجموعة: 70).

ووفقاً لمعطيات القصّة يمكن الاستدلال على أنها قصّة ارتكزت على توظيف قصّة عرس الامام القاسم بن الحسن وطقوس تلك القصّة المرتبطة بالشموع والبخور والعطور، وأهازيج الفرح لكي يتجسّد المعنى النقيض في ذروة الاستشهاد واستطاعت القصّة أن تكشف الصراع الازلي بين الجمال والقبح من خلال استثمار الجذر التقديسي والربط بين المقدّس والفضاء الانساني، واللاّفت في القصّة جمالية اللّغة التي تماهت، وعبرت عن تلك الطقوسية وسحر الإجراء وبلغة هي أقرب الى الفضاء الشعري وعذوبة المعاني والألفاظ، ولاشك أنّ القاص كان موفقاً في استثمار فكرة الفرح والشهادة من طقس ديني: "وما زالت الروائح الذائبة تختلط وتتداخل باضطراب كبير وأوراق الآس التي نثرتها فوق الوجه النائم" (المجموعة: 71).

ومن الظواهر الفنيّة في هذه المجموعة أن البنية السرديّة فيها قد تركزت حول السرد الذاتي مما جعل القصص تتوغّل في البعد السايكولوجي والأجواء المتخيّلة، وهي توظّف المثيولوجي مع الواقعي مع الشعبي مع المتخيل التقديسي.

ويمكن الالتفات إلى جمالية الاختزال والايجاز والتكثيف السردي في معظم القصص لاسيما قصّة (رقصة الدبكة) وطقوس العوالم الخفيّة والمضمر النسقي واليومي والمهمل، وجمالية القصّة تزداد سحراً حين يكون السارد فتاة ترى محنة الاقتراب من خان الديكة وعوالم غرائبية تتّصل بحياة امرأة تدعى العمّة (باهيزة) وغرابة الاسم تحيل الى غرابة الشخصيّة، إذ نلحظ الفتاة تتوغل في عالم (باهيزة) الغريب المرتبط بتربية الديكة الرومية تقول الفتاة الساردة: "كان بيت (باهيزة) ذا طابقين واسعين وحجرات واسعة، وكان لها رجل بدين ذو رأس كبير، إلاّ أنّها تحبه بقدر حبّها للديكة الرومية التي تربيها في قفص كبير من الشبك المعدني، وتلك الحيوانات البشعة ذات الرقاب المتدلية والمناقير الحادّة" (المجموعة: 75).

فالفتاة الساردة أو الشخصية في القصّة تشبه بقيّة شخصيات القصص الأخرى فهي تبحث عن العوالم الخفيّة والطقوس الغريبة، وتلك اشارة الى البحث عن الحقيقة والذات، والتوغّل في الصراع القيمي القائم، وعلى وفق هذا المنحى فإنّ الكاتب يؤسس لنسق درامي داخل قصصه وصولاً الى تسويغ النهايات الصادمة، لكن بطلة القصّة تلجأ إلى التحرّر ورفض المكان الذي يقوم أساسا على فكرة صراع الديكة، حين تصيبها الدهشة والصدمة باعتداء زوج (باهيزة) عليها جسديا، ولم تستطع استساغة هذا الفعل القبيح من الزوج الذي أدمن الخنوع لزوجته المهيمنة، فلاذ إلى عوالم الخمر كنوع من الهروب، لكنّه يلجأ إلى الاعتداء على الحلقة الاضعف المتمثّلة بالفتاة التي تعمل في المكان وأجادت رعاية الديكة: "عندما رفع ثوبي وراح يتلمّس بطني وفخذيّ، قبل أن يخترقني فجأة وينبثق ألم حاد وحرقه، فاطلقت صرخة مبتورة ودفعته بقوّة ليرتطم بالسياج، ويهوي في الباحة، وعلى الرغم من ارتفاع قوقأة الديكة الرومية سمعت دويّ انفجار رأسة.." (المجموعة: 78). وبموت الزوج المخمور تكون الفتاة الشخصية المشاركة قد عبرت عن ذاتها، وأدركت حقيقة المكان، وطقوس الصراع وعبرت عن لحظة الرفض تجاه البيئة التي توغلت في تفاصيلها. (محمد حياوي) يؤسس في هذه المجموعة نسقا فيه الكثير من التوظيف الجمالي ووعي الكتابة وجماليات الأداء واللغة واستقطاب المتلقي، إنه كاتب حرفي حقاً يتقن فن كتابة القصّة القصيرة بتميز، ولكنّه ليس ممّن يحب التهريج والتسويق لنفسه، وظلّ محافظاً على فنّه بتواضع شامخ يحترمه النقد والنقاد.