الروائي العارف بأدواته ليس مجرد كاتب يروي الحكايات، بل هو صانع نصٍّ يعي أن اللغة أداة دقيقة، وأن السرد بناء يحتاج إلى هندسة واعية. يعرف كيف يوجّه الكلمة لتكون طلقة حينًا، ونهرًا حينًا آخر، يمنح شخصياته عمقًا يجعلها تتحرك في النص كما لو كانت من لحم ودم. إنّه الحرفي الذي يختبر أدواته باستمرار، فيحوّل الرواية من حكاية عابرة إلى عمل متكامل، قائم على وعي بالزمن، وإحكام في البناء، وحسّ نقدي يراقب النص وهو يتشكّل. هكذا يصبح الروائي مهندسًا للمعنى، يضع عنوانه عتبة لتفهم ما سوف يأتي بعدها. لا تكتفي بأن تدل على الأشياء، بل تفتح أمامنا طريقة كاملة في النظر إليها "فجر الكرونونيت". من أقرب هذه الكلمات تلك التي تنحدر من الجذر اليوناني Chronos المرتبط بالزمن، ومنه جاءت مصطلحات مثل Chronology وChronicle وChronological؛ أي: الكرونولوجيا، والكرونيكل، والكرونولوجي. في ظاهرها تبدو هذه الكلمات مصطلحات تخص المؤرخ والباحث، لكنها حين تدخل عالم الرواية تصبح أكثر تعقيدًا؛ لأن الرواية لا تتعامل مع الزمن بوصفه سلسلة من الساعات والأيام والسنوات، وإنما بوصفه تجربة إنسانية قابلة للتشظي والاسترجاع والتداخل. الكرونولوجيا هي التسلسل الزمني؛ حيث نضع الأحداث في مواقعها، حدثًا بعد حدث، وسنة بعد سنة. وهي تمنح التاريخ نظامه، وتجعلنا نعرف ما الذي حدث أولًا وما الذي جاء بعده. أما الكرونيكل فهو السجل أو الوقائع التي تحفظ ما حدث من الضياع. في حين أن الكرونولوجي هو ما ينتظم وفق ترتيب الزمن. لكن الرواية تستطيع أن تفعل شيئًا مختلفًا: تستطيع أن تكسر الكرونولوجيا لكي تعيد بناء الزمن.
وعندما نقرأ رواية لا تسير أحداثها على وفق خط زمني مستقيم فإننا لا نعدها مضطربة أو غير منتظمة، فقد يكون اضطراب الزمن هو الشكل الذي اختاره الكاتب لكي يعبّر عن حقيقة أعمق من تسلسل الوقائع. في رواية ماجد الحيدر، المترجم والشاعر والكاتب الساخر؛ هناك شخصية (مارك)، الإنسان الذي يتميز بشفافيته واتساع خطوه في فضاءات الأساطير والأزمنة المتداخلة، يصبح سؤال الزمن جديرًا بالتوقف. (وداعا لعصر الانترنيت، واهلاً بعصر الكرونونيت) فهل نحن أمام حكاية تتحرك في زمن محدد، أم أمام تجربة روائية تتعامل مع الزمن بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل؟ إذا كانت الأساطير والأزمنة المختلفة تتجاور داخل الرواية، فإن الأمر لا يبدو مجرد اختيار زخرفي أو محاولة لإغناء السرد بالمرجعيات. قد يكون الشكل الروائي نفسه هو الذي يحمل الفكرة. فالزمن في الحياة اليومية يسير إلى الأمام، ولا يسمح لنا بالعودة إلى لحظة سابقة إلا في الذاكرة.
أما في الرواية، فكل شيء ممكن: يمكن للماضي أن يدخل الحاضر، ويمكن للمستقبل أن يظهر بوصفه احتمالًا، ويمكن للأسطورة القديمة أن تصبح أكثر حضورًا من واقعة حدثت بالأمس. وهنا تختلف الكرونولوجيا الواقعية عن الزمن الروائي. في الأولى، الحدث يقع ثم يليه حدث آخر. أما في الرواية، فقد يقع الحدث في الذاكرة قبل أن يقع في الواقع، أو تستدعيه الشخصية بعد سنوات، أو يظهر في صورة حلم أو أسطورة أو استعادة، بحيث يصبح الزمن النفسي أكثر أهمية من الزمن التقويمي.
إن الرواية لا تسأل: متى حدث الأمر وإنما تسأل أيضًا: متى أصبح هذا الحدث جزءًا من وعي الإنسان؟ فقد يحدث في الماضي، لكنه لا يبدأ تأثيره الحقيقي إلا بعد اعوام. وقد ينسى الإنسان حادثة وقعت أمس، بينما تظل في داخله حادثة وقعت في طفولته، لتكون حاضرة كأنها حدثت قبل دقائق. الزمن إذن ليس واحدًا بالنسبة إلى الجميع؛ هناك زمن الساعة، وهناك زمن الذاكرة، وهناك زمن الحلم، وهناك زمن الأسطورة. والروائي يستطيع أن يجعل هذه الأزمنة كلها تتجاور في الصفحة نفسها. لهذا فإن عدم انتظام الزمن قد يكون هو انتظام الرواية الداخلي.
والكاتب الذي يكسر التسلسل الزمني لا يكون بالضرورة قد فقد السيطرة على الحكاية؛ ربما يكون قد رفض ببساطة أن يخضع التجربة الإنسانية لقانون الساعة. وهنا تصبح شخصية مثل مارك مهمة؛ فإذا كان وعيه يتحرك بين أزمنة مختلفة، فإن الطريقة التي تُروى بها حكايته ينبغي أن تعكس طبيعة هذا الوعي. فالشفافية التي يتميز بها ليست مجرد صفة نفسية، وإنما يمكن أن تصبح وسيلة لعبور الحدود بين الواقع والأسطورة، وبين الماضي والحاضر، وبين التاريخ وما تخزنه المخيلة الإنسانية. الروايةهنا، لا تكون سجلًا للأحداث، ولا كرونيكل بالمعنى التقليدي، ولا مجرد تسلسل كرونولوجي للوقائع.
إنها محاولة لإعادة تركيب الزمن من الداخل. وهنا تكتسب الكلمات الثلاث معناها الأدبي الكامل: الكرونولوجيا تحفظ ترتيب الأحداث. والكرونيكل يحفظ الأحداث نفسها. والكرونولوجي يصف انتظامها في الزمن. هذه الرواية تسأل: كيف عاش الإنسان هذه الأحداث داخل الزمن؟
المؤرخ يحدد التاريخ، أما الرواية فتبحث عن أثر التاريخ في الروح.
أن الروايات لا تُقرأ دائمًا بحثًا عن تسلسل الأحداث، بل تُقرأ بحثًا عن منطق الزمن الذي صنعه الكاتب. هنا يكون السؤال: لماذا لم يلتزم الكاتب بالكرونولوجيا؟ ولماذا احتاج الكاتب إلى كسر الكرونولوجيا الواقع لكي يقول ما يريد؟ إذا وجدنا جوابًا، فإننا نكون قد بدأنا نقرأ الشكل الروائي لا بوصفه تقنية سردية فقط، وإنما بوصفه جزءًا من فلسفة الرواية نفسها. فالزمن في الرواية ليس ساعة معلقة على الجدار. إنه أحد أبطالها المخفيين. وأحيانًا يكون هو البطل الذي نراه جيدا، ولكننا لا نستطيع أن نفهم الرواية من دونه.