اخر الاخبار

كشف مصدر سياسي عراقي لـ"إرم نيوز" عن وجود ما وصفه بـ"اتفاق غير مكتوب" يحول حتى الآن دون وصول حملة "صولة الفجر" لمكافحة الفساد إلى كبار الزعماء الذين أسسوا نظام ما بعد عام 2003، رغم اتساع التحقيقات وصدور أوامر اعتقال بحق مسؤولين ونواب واسترداد أموال وأصول تجاوزت قيمتها تريليون دينار.

وقال المصدر إن هناك إدراكًا داخل القوى الرئيسة بأن تحويل الحملة إلى مراجعة شاملة لثروات وملفات الطبقة السياسية التي حكمت العراق خلال العقدين الماضيين قد يفتح ملفات يصعب التحكم بنتائجها، ويهدد شبكة التوازنات والمصالح التي قام عليها النظام السياسي.

ويطلق سياسيون عراقيون، وفق المصدر، على هذه الطبقة تسمية "آباء العملية السياسية"، في إشارة إلى الزعامات التي شاركت في تأسيس النظام بعد سقوط صدام حسين، أو قادت أبرز قواه ومؤسساته لاحقًا.

وبحسب المصدر، لا يعني الاتفاق وقف التحقيقات أو منع ملاحقة مسؤولين كبار، وإنما وضع سقف غير معلن لها بأنه "يمكن ملاحقة الوزير والنائب والمدير ورجل الأعمال، لكن الوصول إلى رأس الهرم السياسي مسألة مختلفة". 

 

من هم "الآباء"؟

تضم الدائرة المقصودة شخصيات من مختلف مكونات النظام السياسي، لكن ثقلها الأكبر في المعادلة الحالية يرتبط بالقيادات الشيعية التي أدارت الحكومات والقوى الأكثر نفوذًا بعد 2003.

ويأتي بينها نوري المالكي، الذي ترأس الحكومة بين عامي 2006 و2014 ولا يزال أحد أبرز قادة "الإطار التنسيقي"، وعمار الحكيم وبيت الحكيم السياسي، ومقتدى الصدر، وهادي العامري، الذي يجمع بين قيادة منظمة بدر ودور سياسي ممتد داخل النظام.

كما يدخل إياد علاوي، أول رئيس للحكومة العراقية بعد نقل السلطة عام 2004، ضمن الجيل المؤسس للعملية السياسية، وإن كان نفوذه السياسي تراجع بصورة كبيرة لاحقًا. 

ولا يعني ورود هذه الأسماء وجود اتهامات ضدها ضمن "صولة الفجر"، أو صدور أوامر قضائية بحقها. لكن ما يشير إليه المصدر يدور حول وجود مستوى سياسي لم تصل إليه الحملة حتى الآن، بينما يتمثل الاختبار الحقيقي فيما إذا كانت التحقيقات ستستمر مستقبلًا إذا قاد مسار الأموال أو المصالح إلى إحدى الشخصيات المؤسسة.

 

تريليون دينار.. ولكن

تكشف الأرقام حجم المفارقة. فوفق معلومات المصدر، تجاوزت قيمة ما استردته السلطات منذ بدء "صولة الفجر" تريليون دينار، موزعة بين أموال نقدية وعقارات وذهب وأصول أخرى.

وطالت الإجراءات نحو 30 مسؤولًا ونائبًا ضمن الملفات السياسية الأبرز، فيما صدرت أحكام بالسجن وقرارات باسترداد أموال وتعويضات بحق أقل من نصف المحتجزين في هذه المجموعة.

ووفقًا للمصدر، لا تزال هناك أوامر اعتقال لم تنفذ، وسط تقديرات متداولة داخل الدوائر المعنية بأن قائمة الشخصيات التي قد تشملها الملفات يمكن أن تصل إلى نحو 100.

وتتقاطع معلومات المصدر مع أحدث الأرقام الحكومية التي رفعت إجمالي الأموال والأصول المستردة إلى نحو 1.359 تريليون دينار، بما يعادل أكثر من مليار دولار.

 

الدبابات التي أقلقت الزعماء

منذ انطلاقها في 28 يونيو/ حزيران، بدت "صولة الفجر" مختلفة عن حملات مكافحة الفساد التقليدية. فقد تحركت قوات أمنية وآليات ثقيلة داخل المنطقة الحكومية لتنفيذ اعتقالات، في مشهد أثار اعتراض بعض الزعامات الشيعية على ما اعتبرته استخدامًا مفرطًا للقوة، خصوصًا مع ظهور الدبابات والانتشار العسكري أثناء تنفيذ الإجراءات.

وبحسب المصدر، فإن الاعتراض سرعان ما تجاوز طريقة الاعتقال إلى السؤال عمن يمكن أن تصل إليه الحملة. ومع توسع الملفات، ظهرت اتهامات بالانتقائية، بالتزامن مع مخاوف داخل القوى السياسية من تحول ملاحقة مسؤول أو رجل أعمال إلى سلسلة تحقيقات تقود إلى مستويات أعلى.

وفي أغسطس/ آب اقتربت الحملة أكثر من الصف السياسي القيادي مع صدور أمر باعتقال وزير العمل السابق والقيادي في "الإطار التنسيقي" أحمد الأسدي بتهمة الكسب غير المشروع. لكن الحملة، وفق المصدر، لم تعبر بعد الخط الفاصل بين محاسبة شخصيات داخل النظام ومساءلة الزعامات التي بنت النظام نفسه.

 

مليارديرات السياسة

وتصبح حساسية هذا الخط أكثر وضوحًا عند البحث في ثروات الطبقة السياسية العراقية. فمنذ سنوات تتداول وسائل إعلام ومنصات عراقية أرقامًا تقدر ثروة نوري المالكي بعشرات مليارات الدولارات، كما تُنسب تقديرات بمليارات الدولارات إلى شخصيات سياسية وقادة أحزاب وفصائل. لكن معظم هذه الأرقام لا تستند إلى بيانات مالية منشورة تسمح بتأكيدها بصورة مستقلة.

 

الأكثر أهمية جاء من وزير المالية العراقي السابق علي عبد الأمير علاوي، الذي تحدث في 2024 عن وجود أكثر من 30 شخصية سياسية واقتصادية عراقية تجاوزت ثروة كل منها مليار دولار، وقال إن الدولة كانت المصدر الأساسي لهذا الثراء.

كانت التصريحات كبيرة إلى درجة أن هيئة النزاهة طلبت من علاوي تقديم ما لديه من أسماء ومعلومات عن الأموال والمصارف والعقارات المرتبطة بهذه الشخصيات.

ويلفت المصدر السياسي في هذا السياق، إلى أنه وبعد أكثر من عقدين على تأسيس النظام العراقي ما بعد صدام حسين، لا يزال من الصعب على الرأي العام معرفة الحجم الحقيقي لثروات الكثير من أبرز من حكموا البلاد، أو مقارنة ما كانوا يمتلكونه قبل دخول السلطة بما أصبحوا يمتلكونه بعدها. 

 

قادة الفصائل أيضًا

ولا يقتصر السؤال على السياسيين التقليديين. فصعود الفصائل المسلحة وتوسع نفوذها بعد الحرب ضد تنظيم "داعش" أنتجا شبكات اقتصادية ارتبطت بمكاتب وشركات ومقاولين ومنافذ حدودية وقطاعات تجارية مختلفة، بالتوازي مع تحول عدد من قادتها إلى لاعبين سياسيين داخل مؤسسات الدولة، ومعظمهم يدين بالولاء لإيران.

وتنتشر تقديرات غير موثقة تضع ثروات بعض قادة الفصائل عند مليارات الدولارات، ومن بينها أرقام متداولة عن هادي العامري تتجاوز عشرة مليارات دولار، لكن غياب سجلات علنية ومصادر مالية مستقلة يمنع التعامل معها باعتبارها حقائق.

والمشكلة هنا لا تتعلق بدقة رقم واحد بقدر ما تتعلق بغياب القدرة على معرفة الرقم أصلًا، والفصل بين ثروة السياسي الشخصية والأموال والأصول والشركات التي تدور داخل الشبكة الاقتصادية للحزب أو الفصيل.

 

حصر المال قبل السلاح

في تعليقه، يرى الباحث السياسي العراقي فراس إلياس أن اختبار مكافحة الفساد يتجاوز استرداد الأموال أو اعتقال مجموعة من المسؤولين، لأن المشكلة ترتبط ببنية تتقاسم فيها قوى متعددة القرار والنفوذ والموارد داخل الدولة.

ويقول إلياس لـ"إرم نيوز": "كل شيء في العراق يحتاج إلى الحصر، وليس السلاح وحده؛ فالمال العام والقرار السياسي والأمني والمنافذ والموارد والعلاقات الخارجية جميعها تحتاج إلى أن تكون محصورة بيد الدولة".

ويعتبر أن جوهر الأزمة يتمثل في وجود دولة تتقاسم سلطتها ونفوذها ومواردها مع قوى متعددة، ما يجعل مكافحة الفساد تصطدم بشبكات سياسية واقتصادية تتجاوز الأشخاص والملفات المنفردة. 

وتتقاطع هذه القراءة مع دراسة لمركز "تشاتام هاوس" وصفت جانبًا من المشكلة العراقية بمفهوم "الفساد المسموح به سياسيًا"، حيث أتاحت منظومة تقاسم السلطة للأحزاب بناء شبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة والوصول إلى الموارد والعقود.

ووفقًا لمراقبين؛ لم يعد السؤال اليوم حول ما إذا كانت "صولة الفجر" تستطيع اعتقال مسؤول واستعادة الأموال والذهب والعقارات، بعدما أثبتت أنها تستطيع ذلك، وإنما ماذا ستفعل عندما يقود التحقيق إلى أعلى. فعندها فقط سيتضح إن كانت "صولة الفجر" حملة لمكافحة الفساد داخل النظام، أم أنها قادرة أيضًا على فتح ملفات "آباء العملية السياسية" الذين صنعوا النظام نفسه.