اخر الاخبار

في أواخرِ القرنِ التاسعَ عشرَ، وأوائلِ القرنِ العشرين؛ كان الدرسُ الأدبيّ، في بغداد، والنجف، والموصل، مقصورًا على حَلَقاتِ المساجد؛ يدرس الطلبةُ علومَ الدين، وإلى جوارها يُلِمّون بأشياءَ من النحوِ والصرفِ والبلاغةِ، ويُطيفونَ بشيءٍ من الشعر؛ فأمّا أهلُ الدرس الدينيّ فيتّخذون من اللغةِ وما يتّصلُ بها أداةً لفهمِ القرآنِ الكريم، والحديثِ الشريفِ، وقولِ الفقهاء، ثمّ يقفون بها عند ذلك؛ وأمّا ذوو الطبعِ الأدبيّ فيقفونَ عند اللغةِ وأدبها وِقفةَ المتأمّلِ المُلتذِّ بحُسن الشعرِ والنثرِ، ولهم زاد موفور في"البيان والتبيين"، و"الكامل"، و"الأمالي"، و"الحماسة". ونظرُهم في الأدبِ هو نظرُ القدماءِ لا يعرفونَ ما سواه. وقد كان محمود شكري الآلوسيّ (1856 – 1924) من الذين جمعوا الدراستين؛ الدينيّة والأدبيّة، وكانوا بمكانٍ رفيعٍ منها، وكتابُه:"بلوغُ الأربِ في معرفةِ أحوالِ العرب"، الصادرُ في سنة 1897 ذو منزلةٍ عاليةٍ عند الدارسين، كان وما يزال. وقد تخرّج بالآلوسيّ، وبكتابه كثيرون من أبناءِ ذلك الجيلِ الكائن في أواخرِ القرنِ التاسعَ عشرَ وأوائلِ القرنِ العشرين، ولعلّ أعلاهم شأنًا وأقواهم أثرًا؛ معروف عبد الغني الرُّصافيّ (1875 – 1945)، ومحمّد بهجة الأثريّ (1904 – 1996) وكلاهما أديبٌ شاعرٌ، ذو علمٍ مكين بالعربيّة وآدابها، وكلاهما زاول التعليمَ حينًا من حياته، ووقف بطلبته عند آثارٍ من الشعرِ بالشرحِ، والتفسيرِ، والتذوّق، وغرسَ فيهم شيئًا من الرغبةِ في النقدِ، وحُبِّ التمييزِ بين طرائقِ الشعراء في القول.

ثمَّ تكاملتْ معاهدُ التعليم في دارِ المعلمينَ العاليةِ، التي أُنشئتْ في سنة 1923؛ فأخذتْ أشعّةٌ جديدةٌ تنفُذ إلى تذوّق الأدب ودرسه؛ على أنّ أكثرَ الذين درّسوا الأدبَ في الدار هم ممّن تخرّج في حَلَقاتِ المساجد على مذهبِ الأوائل، ثمّ ألمّوا بأشياءَ من معارف العصر، وقد كان الرُّصافيّ من هذه الطبقة التي أرادت أن تضمَّ الجديدَ إلى القديم؛ فقد عَمِلَ في الدارِ حتّى سنة 1930 وهيّأ لطلبتها محاضراتٍ في الأدبِ العربيّ؛ تقومُ في جوهرِها على معارفِ القدماءِ بالأدب، ولا تخلو، مع ذلك، من نظراتِ أهلِ العصر، في الأدب ومراميه وما يكون من صلةٍ بينه وبين مجتمعه؛ أفادها الرُّصافيّ ممّا قرأَ باللغة التركيّة مترجمًا إليها، وممّا أهتدى إليه بنظره.

   لقد أراد لدار المعلمين العالية منشِئوها؛ أن تكونَ على نمطٍ جامعيّ رفيعٍ، يحقّقُ شرائطَ العلم برصانته وتماسكِ بنائه؛ لتكونَ بذلك أساسًا من أُسسِ الجامعةِ المرتجاة؛ ولا شكّ في أنّ من عَمَلِ الجامعةِ، حيثما كانتْ، دراسةَ الأدبِ دراسةً مُنتظِمَةً، على منهجٍ محكم، تُفضي إلى معرفةٍ صحيحةٍ رصينةٍ، وإنّ من شأنِ الجامعةِ أن تُقيّدَ الدّراسةَ الناشئةَ فيها بالمصادرِ والمراجع، وأنْ لا تأذنَ لها بالمضي بعيدًا عنها؛ وتلك مزيّةٌ وعقبةٌ معًا ! هي مزيّة إذ تُقيم الدراسةَ على حُسْن الاستيعاب، والتثبّتِ، وإرجاعِ الفروعِ إلى الأصول؛ برَيثٍ وأَناةٍ ولُغةٍ مقتصدةٍ واضحةِ الدّلالة على ما تُريد. وهي عقبةٌ إذ تجعل الدراسةَ ضيّقةَ الخُطى، تخشى مجازفةَ التأويلِ، وترغَبُ عن غَمَراتِ التجدّد.

ومن أجل أن تُحقّقَ الدارَ غايتَها في الدرس الأدبيّ؛ استقدمتْ بعضًا من أعلامِ الأدبِ في مصر؛ فقد دعت أحمد حسن الزَّيّات (1885 – 1968) للتدريس؛ فأتى بغدادَ، وانتظمَ في هيئة التدريس في الدار من سنة 1929 حتّى سنة 1932؛ فدرّس، ووجّه، وكتب؛ وكان أكثرُ كتابه:"في أُصولِ الأدب"ممّا أَلقَى في بغداد؛ وانتفع به طلبةُ الدار، وغيرُهم من الأدباء. ودعت، من بعدُ، زكيّ مبارك (1892 – 1952)؛ فانتظم فيها سنةً دراسيّةً؛ هي 1936 – 1937؛ فدرّس، ووجّه، وكتب؛ وكان كتابُه: "عبقريّةُ الشريف الرضي"ممّا أَنشأ في بغداد. ولا ريبَ في أَنَّ الزَّيّات ومبارك كلاهما أديبٌ، ناقدٌ، ذو بيانٍ رفيعٍ يجري على لسانِه، وعلى قلمِه، وينفذُ بيسرٍ في سامعيهِ وقرّائهِ، ويُرشدُهم إلى مواطنِ الحُسن في آثارِ الأدب.  

وقد كان ممّن نشأَ في حلقاتِ الدرس في المساجد، فأخذ علمَ الشريعةِ، وعلمَ اللغة، ثمّ استقامت له معارفُ عصره فألّفَ بين القديمِ والجديد مُصطفيًا خيرَ ما فيهما؛ طه الراوي (1890 – 1946)؛ إذ درَسَ، بعد أن استوفى حلْقةَ الدرسِ في المسجد، في راوة وفي بغداد، في دارِ المعلمين الابتدائيّةِ، ثمّ زاول التعليمَ الابتدائيّ زمنًا قصيرًا، ثمّ دَرَس في كُلّيّة الحقوق، وتخرّج فيها؛ ليعملَ في دارِ المعلمينَ العالية؛ يدرّسُ الأدبَ العربيّ؛ فتولّى درسًا اسمه:"الأدب"، بثلاثِ سنواتٍ، يُدرِّس فيه أشياءَ من"البيان والتبيين"، وأشياءَ من"الكامل"، وأشياءَ من"الأمالي"، وأشياءَ من"حماسةِ أبي تمام"، وأشياءَ من"الكشّاف"؛ على نحوٍ من الشرحِ، والتذوّق، والفهم؛ وهي طريقةٌ شبيهةٌ بطريقةِ سيّد بن عليّ المرصفيّ ( - 1931) في تدريسِ الأدب في الأزهر؛ بل هي الطريقةُ التي درَج عليها شيوخُ الأدب القدماءُ كالمبرِّد، والقاليّ، وغيرهما من أصحاب الأمالي، ودرّس النحوَ موصولًا بالأدب، غيرَ منقطعٍ عنه. وللشعرِ منزلةٌ رفيعةٌ عند الراويّ؛ يُنشِدُه، ويشرحُه، لكي يجعلَه قريبًا دانيًا. قال عليّ جواد الطاهر، وهو شاهدُ عِيان يحكي ما شهِد من أستاذه، عن طريقةِ الراويّ تلك:"في الشعرِ شواهدُ يعرِضُها في يُسرٍ، يقرأ الشعرَ بتؤدة، وهو في كلّ ذلك منسجمٌ مع الدَّرس محبٌّ له؛ وينعكسُ ذلك على تلامذته فيشعرون أنّهم يتعاملون مع مادّةٍ حيّةٍ، ويزاولون عملًا محترمًا نافعًا، مع إمتاعه ولذّته. ويقف عند الكشّاف وقفته الأدبيّةَ مع زيادةِ محفوظِه من آياتِ القرآن، وما يصلُه بها من الحديث، وما يتبسّطُ به ويوسِعُه، فيبلُغ العصرَ الحديثَ والعلمَ المعاصر."

ومزيّةُ الراويّ في طريقته هذه؛ أنّه يضُمُّ القديمَ إلى الجديدِ في نسيج مؤتَلِفٍ لا نشوزَ فيه، ويجعلُ الشعرَ القديمَ قريبًا من طلبته حبيبًا إليهم؛ وهو في ذلك يقوّم مَلَكَةَ التذوّق، ويعزّز المقدرةَ على النقدِ عندهم.

ومن طليعةِ ذلك الجيلِ الرائدِ المؤسّسِ؛ محمّد مهدي البصير (1895 – 1974)؛ ونشأته الأولى كانت في حلَقات الدرس في المساجد، في الحلّة؛ يأخذُ علمي الشريعةِ والعربيّةِ؛ وكان به ميلٌ إلى الأدب، ونظمِ الشعر؛ فحفِظ العيونَ من آثارِ الشعر والنثر، واستوعبها؛ حتّى استقامت له ملكةُ البيانِ والتمييز. وكان قد أدرك أصداءَ الشعرِ العراقيّ في القرن التاسع عشر، وعرف مكانةَ محمّدِ سعيد الحبوبيّ، وحيدرِ الحليّ، وصالحِ الحليّ، وغيرِهم من أعلامِ تلك الحقبة، وأدركَ وثيقَ صلتهم بالأدبِ العربيّ القديمِ كلّه، واتّضح له أنّ الشعرَ، في مساره، يقومُ اللاحقُ منه على السابقِ، وأنّه بناءٌ أصلُه يضرِب في تاريخِ العربِ المُعرقِ. وحين أصدر طه حسين، في سنة 1926، كتابَه:"في الشعرِ الجاهليّ"مُنكِرًا فيه طائفةً واسعةً من ذلك الشعر؛ أن تكونَ صحيحةَ النسبةِ إلى من نُسبت إليهم من الجاهليين؛ أكبرَ البصيرُ ذلك، وأنكرَ ما يقومُ عليه الكتابُ من أساسٍ، وأذاع أحاديثَ يُثبتُ فيها صحةَ الشعرِ الجاهليّ، على الجُملة، ثمّ أصدرها في كتاب بعنوان:"بعثُ الشعر الجاهليّ"، وهو يومئذٍ مدرّسٌ في جامعة آل البيت. وقد كان ذلك قبلَ سفرِه إلى فرنسا للدراسة العالية؛ فلما سافر، وأخذ في تهيئة أسبابِ الدرس، أراد أن يجعلَ من إثباتِ صحةِ الشعر الجاهليّ أطروحةً ينال بها الدكتوراه؛ فأبى كبارُ المستشرقين، وأوّلهم ماسينيون، عليه ذلك، وقالوا: إنّ ما يُسمى شعرًا جاهليًّا ليس من الجاهليّة في شيء، فلا يصحّ أن تبنى عليه أطروحة دكتوراه؛ فأضرب عن الموضوع صفحًا واختارَ شيئًا من صميمِ الأدبِ الفرنسيّ؛ هو"الغنائيّةُ في شعر كورني"، وأحرز به الدكتوراه. ولئن فاته أن يدرس، في فرنسا، موضوعًا عربيًّا، وأن يُحقّقَ فيه ما يُريدُ، فلم يَفته أن يتشرّبَ روحَ البحثِ الأدبيّ الرَّصين، وأن يستوعبَ طرائقَه، وأن يرجِعَ إلى بلدِه بزادٍ موفورٍ من المعرفةِ الصحيحة بدراسة الأدب، وتدريسه، وإشاعةِ حُسن تلقيه. وقد تجلّى ذلك كلُّه حين عمِل في دار المعلمين العالية، يدرّس الأدبَ العربيّ؛ قال عليّ جواد الطاهر، وهو شاهدُ عِيان يحكي عن أستاذه؛ إنّه أقام درسَه على النصّ، من شعرٍ ونثرٍ، وأنّ ما سوى النصِّ من تاريخِ دولةٍ، وجغرافيةِ بلدٍ؛ إنّما هي سبيلٌ لمعرفةِ النصّ، وفهمه، وتذوّقه، ولا يصحُّ للدارس أن تستغرقَه، وتقومَ بينه وبين النصِّ؛ ومن أجلِ ذلك كان لحفظِ المختارِ من الشعرِ والنثرِ مكانةٌ رفيعةٌ عنده، وأنّ الدرس الحقّ، لديه، إنّما يقوم على النصّ.