إرم نيوز
كشفت مصادر أمنية عراقية أن إغلاق ثلاثة منافذ حدودية مع إيران لم يكن مجرد إجراء إداري، بل جاء وسط تحقيقات في احتمال استخدام المعابر لإدخال أسلحة ومعدات ومسلحين من إيران، بالتزامن مع معلومات عن إعادة تفعيل غرفة عمليات مشتركة تضم عناصر من الفصائل العراقية والحوثيين، تعرف في بعض الدوائر الأمنية باسم "غرفة إيران".
وقال مصدر أمني عراقي مطلع على سير التحقيقات لـ"إرم نيوز"، إن التحقيقات التي أعقبت هجمات الطائرات المسيّرة على منشآت نفطية سعودية، والتي توصلت بغداد إلى أن بعضها انطلق من محافظة ميسان، دفعت السلطات إلى التعامل مع الحدود الإيرانية باعتبارها جزءا أساسيا من التحقيق.
ورجّح أن يكون منع تدفق الأسلحة والمعدات والمسلحين من الأراضي الإيرانية أحد الأسباب الرئيسة وراء إغلاق منافذ الشلامجة والشيب ومندلي، بالتوازي مع عمليات تدقيق واسعة لمعرفة كيفية وصول معدات تستخدم في الطائرات المسيّرة إلى داخل العراق.
وتتقاطع معلومات المصدر مع معلومات نشرتها وسائل إعلام عراقية عن تحقيق السلطات في كيفية دخول أسلحة ومعدات تصنيع مسيّرات من إيران، وما إذا كانت هناك خروقات داخل أجهزة أمنية أو جهات رسمية سمحت بمرورها عبر الحدود.
"غرفة إيران"
لكن المصدر يضع الإجراءات الحدودية ضمن سياق أوسع، يتعلق بما وصفه بإعادة تنشيط "غرفة إيران"، وهي غرفة عمليات تضم عناصر مرتبطة بفصائل عراقية إلى جانب عناصر حوثية، ويُشتبه في ارتباط نشاطها بمحاولات تخفيف الضغط المفروض على طهران وفتح جبهات إقليمية جديدة.
وبحسب المصدر، فإن السلطات العراقية تتعامل بجدية مع احتمال وجود شبكات عابرة للحدود تستطيع نقل معدات أو أفراد ثم استخدامها في عمليات تنطلق من العراق، خاصةً بعدما قادت التحقيقات في هجمات السعودية إلى محافظة ميسان المحاذية لإيران.
وعثرت السلطات بالفعل على منصات إطلاق قرب الحدود العراقية الإيرانية، فيما وافق رئيس الوزراء علي الزيدي على طلب إيراني للمشاركة في تحقيق مشترك بشأنها. كما أُقيل قائد عمليات ميسان وقائد شرطة المحافظة، وأحيل مسؤولون أمنيون آخرون للتحقيق.
وكانت تقارير دولية قد كشفت سابقًا عن تعاون عملياتي بين عناصر حوثية وفصائل عراقية، وعن وجود شبكات وخلايا مرتبطة بالحرس الثوري في جنوب العراق، وهو ما يمنح المخاوف الحالية بعدا يتجاوز قضية تهريب حدودية تقليدية.
إغلاق غير مسبوق
وتجنبت الرواية الرسمية العراقية ربط القرار مباشرة بإيران أو بالفصائل. وقالت خلية الإعلام الأمني إن الجهات المختصة باشرت "ترتيبات إدارية وأمنية" في عدد من المنافذ استوجبت إغلاقها، بالتزامن مع إجراءات قانونية وتكثيف العمل الاستخباري والتحقيق في "الخروقات والمخالفات" المسجلة فيها.
لكن المصدر الأمني تحدث عن بعد أكثر وضوحا، قائلا إن الإغلاق كان جزءا من جهد استخباري لتعقب منفذي الهجمات ومنع فرارهم، وكذلك عرقلة تهريب الطائرات المسيّرة عبر المعابر المغلقة.
ويصف المصدر الأمني العراقي الذي تحدث لـ"إرم نيوز" الخطوة بأنها من أعلى درجات التصعيد التي اتخذتها حكومة عراقية تجاه الحركة عبر الحدود الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، معتبرا أنها تعكس انتقال بغداد إلى سياسة أكثر تشددا تجاه أي نشاط يمكن أن يضع العراق في مواجهة مع دول الجوار.
اختبار للزيدي
وتزداد حساسية القضية لأن السعودية قالت إن الطائرات التي استهدفت خط أنابيب الشرق-الغرب انطلقت من الأراضي العراقية، فيما أعلنت بغداد رفضها استخدام أراضيها منصة للاعتداء على دول أخرى.
كما أظهرت التحقيقات العراقية أن الهجوم انطلق من موقع داخل ميسان، الأمر الذي دفع الزيدي إلى إجراء تغييرات مباشرة في القيادات الأمنية بالمحافظة. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، فيما نفت ما تسمى "المقاومة الإسلامية في العراق" والتي تضم فصائل موالية لإيران، أي علاقة به وأبدت استعدادها للتعاون مع التحقيق.
في هذا السياق، يرى الباحث محمد صالح الفتيح أن خطورة التطور لا تتعلق بإغلاق المعابر بحد ذاته، وإنما بما يعنيه سياسيا إذا ثبت أن الحكومة العراقية بدأت تتعامل مع الحدود باعتبارها جزءا من منظومة السلاح خارج الدولة.
ويقول الفتيح لـ"إرم نيوز": "إذا انتقلت الحكومة العراقية من ملاحقة منفذي الهجمات داخل العراق إلى التدقيق في خطوط الإمداد القادمة عبر الحدود، فنحن أمام تحول مهم؛ لأن المشكلة طوال السنوات الماضية لم تكن في وجود السلاح فقط، وإنما في شبكة الحركة والتمويل والإسناد التي تجعله قادرا على العمل خارج قرار الدولة".
ويضيف أن "الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الحكومة على استمرار هذه الإجراءات عندما تصطدم بمصالح الفصائل والقوى المرتبطة بإيران، لأن ضبط الحدود يعني عمليا تقليص واحدة من أهم مساحات النفوذ التي استفادت منها هذه الجماعات".
وبدأت بغداد بالفعل إعادة فتح المنافذ الثلاثة تدريجيا بعد مراجعات أمنية وإدارية، مع إبقاء إجراءات جديدة وتحديث أنظمة العمل والتدقيق فيها، ما يشير إلى أن الإغلاق كان عملية أمنية محددة وليس قطعا دائما للحدود مع إيران.
لكن ما حدث خلال الساعات التي أُغلقت فيها المعابر يكشف عن تحول أكبر؛ فبعد سنوات كان فيها ضبط السلاح الإيراني داخل العراق هو المعضلة، انتقلت بغداد هذه المرة خطوة إلى الخلف، نحو الطريق الذي يدخل منه السلاح نفسه.