اخر الاخبار

دأبت مجموعة من نقاد الفن التشكيلي وفي مقدمتهم الفنان والناقد(صلاح عباس)على توثيق منجزات الفنانين العراقيين ،حيث أخذ على عاتقه انجاز مثل هذه المشاريع ذات الصفة التوثيقية والنقدية وبتعاون وتجاوب نخبة من النقاد .ولعل كتاب (غازي السعودي ( مشاهد بانورامية لبغداد)  نموذج طيب لمثل هذا المسعى الإنساني .لقد حظى المشروع بمشاركة نخبة من النقاد وهم (عاصم عبد الأمير/ د. جواد الزيدي /د. تراث أمين عباس / جاسم عاصي /خالد خضير الصالحي) ومراجعة الترجمة (د.حسين علوان حسين).ومن اصدار دار الأديب البغدادية ــ عمّان).وقد شارك في الاخراج الفني كل من(سمير مرزة ــ تصحيح الألوان وتعديل الصور والتصميم والاخراج الفني والتصوير الفوتوغرافي حسين المليحي / علي العجيل ومتابعة المعلومات .لعل هذا المنجز ينطوي على نوع من الدفاع عن جدارية الفنان (الجدارية الأندلسية في بغداد) التي كان مصيرها ضمن الأنقاض في بغداد دون النظر  لقيمتها الفنية والتراثية .وقُدم العمل هذا جهود كل من( صلاح عباس /عايدة غازي السعودي/ مصطفى سالم العجيل ). ذلك لأن الفنان(السعودي) واحد من أهم الفنانين العراقيين في حقبة الستينيات، ومن الرعيل الثاني بعد جيل الرواد .وقد تميّزت جهوده في تخصصه (مجال الفن الجداري). ومن منجزاته تزيين جدران المطارات العراقية، وواجهات القصور والشوارع والساحات وأمام بوابات الحدائق والمتنزهات العامّة. فضلاً عن ممارسة النحت والحِرَف وفنون الطباعة اليدوية وأعمال السجاد والحُلي ومختلف التصاميم الفنية والمعمارية.

لقد اختلفت وجهات النظر فيما قدمه النُقاد ، ولكن ليس بعيداً عن مضمار عطاءاته . د.عاصم عبد الأمير ذكر "ثمة مرجعيات تراثية وشعبية وعمرانية وإسلامية تشد ذهن الفنان السعودي". ثم ( لقد مثلّت جداراياته الحلقة الذهبية في الفن الجداري ) . وذكر د. جواد الزيدي:"في  مشيداته الجدارية لجأ إلى موضوعات قصصية في مضامينها ،وتكويناتها الظاهرية" كذلك (وظف حكايات الحضارات العراقية العميقة و يقوم نسقه التصميمي على أفاريز هندسية تحقق توافقاً مع النسق المعماري للحكايات).

وأكد الناقد (أ.د . تراث أمين عباس )على" أن أعمال السعودي تكتسب صفتها الديناميكية عبر محصلتين الأُولى : الإظهار التكويني التي يكون فيها التراكيب الخطية واللونية دوراً في تداخل الكتل والمساحات " ثم (جداريات المسعودي كالموزائيك ، قد كثفت السطح التصويري عبر مكونين الأول: مستوى التكثيف التنظيمي التجميعي ، والثاني هو التكثيف البصري لمزج الألوان رؤيا تلك القطع المتجاورة ) في حين أكد جاسم عاصي على "أن الفنان وهو يمارس انتاج اللوحة ، يكون المتخيّل الفني أول العتبات التي يعتمدها " لذا يجد "أن الفنان ينبثق من رؤيته الموضوعية ثم الفنية بوصفها الميدان الذي يجد فيه المجال الأكثر استجابة لطرح وجهة النظر المتعلقة بالحركة واللون واشتباك النماذج. مما منحه مساحة واسعة من الاجتهاد ".

كما ذكر الناقد خالد خضير الصالحي على " إن أهم ما نتلمسه في تجربة غازي السعودي النزوع في اختزال لغته التصويري" ثم "تتألف القدرة عند السعودي من حركتين منفصلتين عبر الدائرة التي هي الرمز الكلي والتي هي شمس الحرية بحمولاتها التشكيلية". لذا يجد في جدارياته محاولة تميل إلى بنية قديمة ظهرت في الأساطير والحكايات والمعتقدات ومبان معمارية كالزقورات.  منهج الفنان ينبثق من رؤيته الموضوعية ثم الفنية واعتبارها الميدان الذي يجد فيه الفنان المجال الأكثر استجابة لطرح وجهة النظر المتعلقة بالحركة واللون واشتباك النماذج، مما منحه مساحة واسعة من الاجتهاد في التعبير. ولعل حشد المعارف وعمق الحياة وسعة الرؤية المستندة إلى البنية الفكرية التي تميل إلى الأهم فيها وهو الجمال, لذا كانت الخاصية البانورامية السمة الأساسية في التعبير الفني، واعتبار سطح اللوحة مجالاً لعكس وجهات النظر وكشف ما يجري في الواقع. لكن الاختزال واستعمال الرمز كدالة للتعبير وفق بلاغة هذا التوليف بين صورة الواقع ودلالة الرموز المنبثقة من المجال الحيوي في الواقع هي السمة الرئيسية في أعماله. وهذا الاستعمال لحيثيات الارتقاء والتصعيد باللوحة إلى مراتب الملحمية التي دأب جيل(السعودي) إلى التأثر بالملاحم التي تركها السابقون في الحضارات القديمة. إنه بأعماله قدم تصورات القيمة الفنية الجامعة للجدارية بمثل ما أنجزه الإنسان الفنان في الحضارات القديمة التي تحاكي السرد وترك الرموز تمارس فعاليتها وتأثيرها من خلال فك الرموز المتروكة بدراية وفن على سطح اللوحة. كذلك وضعها موضع التثبت التاريخي الشاهد على الأزمنة والأمكنة.  إن المتخيّل الفني ليس آلية يخلقها الفنان ذهنياً بقدر ما هي تشكل الجزء الأكبر من شخصيته الفنية، فهو يتعامل بالممكن الذي يجده خير ما يُعينه على الصعود باللوحة إلى مراتب أكثر تأصيلاً وجمالية. لذا نجده كثير العناية والانضباط في استعمال خياله، بحيث يضفي أُلفة موضوعية وفنية بين أجواء اللوحة المحتشدة بمفردات خلقتها مخيلته وتصوراته للظواهر المحيطة. ومن المفردات.. التداخل الذي يُحدثه الفنان على السطح. ونعني به التوازن والتوازي المقام بفنية عالية من جهة وانضباط  موضوعي واضح من جهة أُخرى. إن وجود الأشكال المتعددة في اللوحة الواحدة يضبطها السرد المتداخل مع الوصف الذي يشكل مظهر المفردات والذي يقود إلى الدلالة الى كل هذه الاستعمالات. كل هذا يؤسس لعمارة اللوحة المبنية على أُسس فكرية خالصة. ذلك أن تجارب الفنان وتلقيه المعرفي ساعدته على اتخاذ الموقف من الظواهر في التاريخ بموضوعية وفنية متوازنة.