اخر الاخبار

 الموت يقترب

ليس كما لو كان عاصفة تأتي فجأة

لكن

كأنَّ الرياح كانت قد بدأت

قبل أن أبدأ الكتابة

وقبل أن أرفع قلمي.

ها هي العاصفة الآن على بعد خطوات

لكنها لا تعني شيئًا.

الموت فقط يلتقطني

كما تلتقط الرياح ورقة صفراء

ثم تقذفها بعيدًا.

الآن

حين يطرق الموت بابي

لا أراه هيكلاً

ولا ملاكاً

بل جاراً متعباً

يستعير الملح من ذاكرةٍ مثقوبة.

يجلس قبالتي

ينفخ في قهوته الباردة

وتتصاعد من البخار وجوه

قرأتُها ولم أعشها

وعشتُها ولم أقرأها.

أقول له: ماذا عن مخطوطاتي ؟

يضحك

ضحكته حجرٌ أملس

تدحرج من فم التاريخ.

يشير إلى الدُرج الخشبي

كأنه مقبرة صغيرة ثم يقول بلا صوت:

ألم تكن هذه الأوراق تتنفس بك ؟

ألم تكن تنام تحت جلدك كحشرة مضيئة ؟.

النسيان يمرّ من الغرفة

يمسح الطاولة بذيله

فتختلط التواريخ بالصور

وتتداخل الحرب مع طفولتي

وصوت جدتي مع نشرات أخبار المساء

وأنا

هذا الجسد الفردي

أتحول إلى جمعٍ هشّ

يحمل أسماءً لا يعرفها.

المخطوطات تنهض الآن

تمشي على حوافها

تفتح أفواهها الورقية

وتبدأ بالإنشاد

ليس لتُنشر

بل لتتلف

لتتحرر من فكرة الجدوى.

إحداها تضحك ساخرة:

"كُتبنا لنفشل،

ولهذا بقينا أحياء " .

أفهم أخيراً:

الموت لا يسأل عن النشر

والحياة لا تقرأ.

ما يبقى

هو هذا الارتعاش الصغير

بين سطر وسطر

هذا الإيقاع الداخلي

الذي كان قلبي يتدرب عليه

كي لا يصمت.