اخر الاخبار

في مجموعة (نظرات معلّقة) وهي (قصص قصيرة جداً) أو (ومضات قصصية) تمكّن القاص (كريم جبار الناصري) أن يلج في تجربة ليس من السهل خوض غمارها، فاذا كانت القصة القصيرة هي الفن الأصعب فأنّ فن (القصة القصيرة جداً) يبدو فنّا محفوفاً بالمخاطر والانزلاق إلى النثرية المجرّدة أو التعبيرية المجرّدة من عناصر السرد، فالومضة القصصية هي بطبعَها مغامرة في التجريب، ومغامرة في الاختزال والتكيف، ويصبح الكاتب أمام سؤال مركزي هو: هل يستطيع من خلال بضع كلمات أن يقدّم عالماً كاملاً وفكرة وبطلاً وتجربةً ومعنىً؟ وكيف سيعوّض غياب عناصر ومكوّنات السرد كالمكان والزمان والشخصية والحدث والحوار، والوصف والاستهلال والنهاية؟ كلّها يضعها في بودقة غريبة ليقدّم بؤرة سرديّة مكتفية بذاتها، وتقدّم معنى وومضة، واصطياد لحظة هاربة.

وعلى وفق مقاربة نقديّة لهذه المجموعة يمكن القول إنّ هذا القاص استطاع أن يمسك بدينامية السرد (القصير جداً)، ويقدّم لوحات تعبيرية إذ يقترب من هموم اجتماعية وإنسانية، ويسبر غور الوجع المهيمن، ولم تعبرّ القصص عن أفكار ومضامين محدّدة، بل اتّسمت بالتنوّع وتعدّد زوايا النظر ليكشف عن مشكلات واقع اجتماعي مأزوم وملتبس، ولذا نلحظ النهايات تنطوي على انكسار ونكوص وخيبة، وهي تؤشّر تشبّث الإنسان بالحياة ومحاولة البقاء على قيد التداول، وانغمر القاص بثقل عوالم الطفولة المنكسرة، وتتكرّر في نصوصه فكرة الموت والمرض والخيبة والفقدان والوحدة.

ولعلّ قصة (نظرات معلقة) تختزل كثيراً من عوالم المجموعة لنزعتها الإنسانية وتقدّم أنموذجا لهذا الوجع والأسى والخيبة ويوحي العنوان بجعل النظرات مستمرّة ومعلّقة، من دون جدوى ولم يبق في الحدث غيرها بعد أن ضاعت الفرصة وخيّم اليأس واللاجدوى، وسقطت المحاولة ضد مجهول إذ وردت القصّةْ كالآتي: "توقفت الحافلة عند تقاطع الشارع، ينادي طفل الماء بالترويج عن بضاعته، يبصر الوجوه والأيادي في الحافلات، يحدّق به وجه طفولي يمسك فئة نقود، يلوّح بيده، ليسرع إليه طفل الماء، يصفّر رجل المرور لحركة السير، تبقى نظراتهم معلقة.."(المجموعة:15)، لحظة إنسانية مؤثرة ومؤلمة إذ نلحظ في الحدث العابر أنه ينتمي إلى اليومي والمهمل، والتقاط لحظة غائرة في تداولها وسرعتها، وهي تتكرر مئات المرّات أو أكثر لتقدّم ومضة قصصية ملؤها الخيبة، بعد المحاولة، والقصّة تمثل فصلاً من فصول البؤس اليومي وأجمل دلالة في القصّة إنها تقدّم شخصية الطفل الذي يبيع الماء والشرطي الذي ينفّذ الإشارة العمياء من دون أن يدقق في لحظة البيع، فتنطلق الحافلة امتثالاً للقانون، بينما تسحق محاولة الطفل لبيع قنينة ماء وتسلّم النقود.

اما قصّة (دروب) فإنها تختزل حدثا مهمّاً يجسّد الافتراق بين المرأة والرجل بعد أن انتظرها زمناً طويلاً وطال الانتظار، وبعد أن تظهر تلوذ في درب آخر، بعيداً عن الدرب الذي ينتظرها فيه الرجل، وهي قصّة ترصد لحظة فارقة، ومفترق الرغبة وهيمنة الخيبة والوجع، في القصّة، "يسأل عنها في كلّ مكان، لم يجدها، تبصر عيناه مياسم الدروب، ويزرع أحزانه شجرة صار بانتظار غيمة تأتي، طال الانتظار، تدفقت أنهار عينيه.. لأنّها مرّت بدرب آخر".

ويمكن الاستدلال على نمط الخيبة التي يعانيها أبطال هذه السرديات الومضية بأنّها خيبة تكشف عن مأزومية الواقع والظروف التي تزرع اليأس والانكسار بسبب أنه واقع يفتقد إلى التوازن، ويفتقد العدالة والتناغم، ولذا يسقط أبطال القصص في حلميّة باذخة، ويقع التصادم بين الحلم والكابوس، والأمل واليأس والتطلّع والخيبة، وتتحوّل هذه النهايات في معظم النصوص ليس لتجسيد الواقع المتردّي بل تعكس نوعاً من النقد والتعرية والاحتجاج، والكشف عن تناقضات هموم الإنسان، وهو يصارع أقداره وظروفه فأبطال الخيبة هم أبطال بلا بطولة، وشخصيات معلّقة في اللاجدوى، وغالباً ما تكون شخصيات مهمّشة في واقع هو عبارة عن معوّقات وطرق مغلقة وآمال خائبة.

ويعبّر القاص عن الفراق والرحيل وانقطاع العلاقة ليس بصورة حدث سردي محدّد، ومفارقة حادّة بل من خلال البعد الرؤيوي الشعري، وتقديم انثيال صوري قائم على التخييل الشعري وهو يقترب من الصياغة الشعرية ويقترب أيضاً من الأداء الذي تتسم به (قصيدة النثر)، إذ تتحول قصة (فراق) عبر هذا الاشتغال الى تعالق سردي وشعري: "يهمس لروحه، تنسلّين من أناملي هباء، تؤرّقني نسمات مسائك الراحل، يحرقني وجده والحنين، إغماضة عينيك لا تعني شيئاً لديّ، بل غيابك الموشوم بالوجود أرهقني، حيث أنتِ عند مواسم القيظ والرياح.."(المجموعة: 9) .

عبر هذا النص تكتمل شعرية السرد، نتيجة التحوّل بالحدث من المفارقة القصصية إلى الومضة الشعرية ونلحظ في القصّة أيضا الخيبة والانكسار.

وفي قصة أخرى يرسم القاص هموم ومكابدات المنفى والرحيل عنوانها (منافي) وقد اتّسمت أيضاً بالتوغل في لحظة شعرية تؤطر الحدث التراجيدي: "ينسل عبر منافي الصمت، يختبئ بأحضان لحظة أمان، بعيداً عن أمواج هائجة، تتلاطم، ترسم له صورة اخطبوط في عالم البحار العجيب، يصبح لا يتداركها، يضيع بين.. وبين.. حينها بحث عن منفى جديد..".

وصف أهوال المنفى ومخاطر الرحيل والأمواج المتلاطمة والبحار المجهولة والموت وسط الأمواج لكنّه اختزل كل هذه التفاصيل في بضع مفردات دالة وباذخة المعنى والصورة، وبذلك تتحوّل المفردة في فن (القصص الومضي) إلى شفرات متناسلة لتجسد الحدث والفكرة المركزيّة من دون ترهّل أو فائض سردي، وتلك هي مأثرة القصّة (القصيرة جداً) وما تتيحه من ممكنات، اذا ما تمكّن الكاتب من أسرارها ووسائلها وتقنياتها، ويتجلّى توظيف البعد السايكولوجي والذهاني في قصة (ذهان) التي تجسّد لحظة انفجار عبثي ومجّاني، وتتحوّل الهواجس إلى مشاعر متشحة بالرعب بعد أن تتطاير الأرواح قبل الأجساد، وقد قدّم القاص استهلالاً جاذباً لتقديم الحدث في قصته الومضية (التلّفت): "يلتفت يميناً، شمالاً، يلتفّ حول نفسه، يتوجّس هفوات ملغّمة، يفتكر حاله ما بعدها، فقد أزهقت أرواح يانعة أمس واليوم".

ووفقاً لهذه المعطيات السردية المختزلة يحقّق القاص الاشتراطات الفنيّة للسرد القصير جداً مع الاحتفاظ بتنوّع اللحظات العابرة المتوترة المشحونة بالتوجّس والقلق، ويصل القاص الى ذروة الاختزال والتكثيف في نص (سدى) يقول "يثابر مسرعاً في الحياة، يعطى الكثير يضيع ثمره هباءً، حيث صار بيد آخرين"، وهو هنا يصف ببراعة تحوّل الذات إلى لحظة آسرة ويصبح الرهان بيد الآخر المتحكمّ والمهيمن معا.