لم يرث كريم عوفي عن ابيه سوى حصان رطل لا تنقصه الرخاوة ولا تحتمل قوائمه مشاق العدو، ومع ذلك فقد ابهجه ذلك الإرث الذي بدا في عينيه حصانا ادهم يسابق الريح فيغلبها.
عانى كريم من لسعات البطالة فترة طويلة من الزمن الى ان حظي بوظيفة متواضعة كمراسل في دائرة البريد براتب هزيل لم يكن يكفي للانفاق على اسرة من ستة افراد اصغرهم طفل رضيع جف ضرع امه فأضحى كائنا هزيلا ينشج ليلا ونهارا، حتى خطرت للأب فكرة بيع الحصان ليس فقط من اجل بضع قطرات حليب سائل او مسحوق يوقف فيها ابنه عن مواصلة البكاء ؛ بل سعيا وراء تدبير بضعة دنانير يستطيع من خلالها شراء كومة من القش وعدد من زنابيل التراب كيما يملط سقف البيت اتقاء لوابل المطر المنذر بالهطول.
اصطحب كريم حصانه الى سوق الصفاة وعرضه للبيع نهارا بأكمله غير ان مسعاه قد باء بالفشل اذ لم يرغب بالحصان ايما مشتر فلا وفر لرضيعه الحليب ولا انجز مهمة ردم تشققات السطح.. فشعر باكتئاب شديد وهو يعيد الحصان الى اسطبله القميء المجاور لنهر الخورة حيث سوق الخضار.
***
كان صاحبه (مارد) سائقا في باص خشب يعود لأحد وجهاء القرية جمع ثروته من تجارة اخشاب الجندل. غير انه حسب انطباع اصدقاء مقاهي سوق (خزعل) بالعشار كان من الصنف المتقلب المزاج وكان زير نساء من الطراز الأول وحين ادرك ان راتب سيده غير كاف لتأمين نفقات سهراته الليلية، صار يستخدم الباص في توزيع سلال الخضروات واللحوم واوقيات التمر على اسواق المدينة لقاء مبالغ كان يستحوذعلى معظمها استغفالا لصاحب الباص الذي قام بتأجيره له لقاء مبلغ مقطوع. وحين لاحظ مارد حالة التعسر التي اصابت صاحبه كريم، اقترح عليه ان يؤجل بيعه الى ان يجد واحدا من المحتالين الجمبازية من الذي اختصوا بتهريب الخيل الى مرسى المحمرة كي تنقلها المراكب المسافرة الى الهند فتباع هناك بسعر مجز:
من الأفضل ان تؤجل بيع الحصان طالما ان حركة البيع والشراء تعاني من الكساد هذه الايام.
رد عليه كريم بنبرة ضيق ممزوج بالقنوط والانخذال:
وكيف اشبع خمسة بطون خاوية واسكت ابني الرضيع وهل يستمع المطر لي اذا توسلت اليه ان يبتعد عن سقف البيت؟!
عليك ان تثق بأن حصانك من الصنف الأصيل مثله مثل مسباح من السندلوس فلا تفرط به..
ــ ولكن العارفين يصفونه بالحصان الرديء..
دع عنك هذه الأفكار.. سأقرضك مبلغا يكفيك لهذا الموسم الى ان نعثر على تاجر خيول غشيم فيشتريه منك وتعيد لي مالي..
استطرد مارد بعد ان استغرق بقهقهة متقطعة:
سوف اتكفل ايضا بإطعام الحصان عله يسمن فيرغبه تاجر الخيل.. وضع في بالك انني سأقوم شخصيا ببيع الحصان لقاء مبلغ لايستهان به بدلا من ان تبيعه انت بأبخس الاثمان..
ــ افعل ما تراه نافعا فأنت تعرف عن حصاني اكثر مما اعرفه انا..
ذلك لأنك لست على غرار اجدادك.. انت غير معني بتاريخ الخيول وسلالاتها..
ــ وكيف لي ان اعرف عالما لا انتمي اليه بعد ان ازرى الدهر بنا؟
ــ دع عنك هذه الوساوس.. ولا تنس ان عيد الأضحى سيحل علينا قريبا..
***
مع مغيب شمس يوم عرفات، انهمكت امرأة كريم برتق ملابس العيد التي اشترتها من جارتها بالتقسيط. سمع كريم صوت صاحبه مارد مناديا اياه فخرج اليه مسرعا فتوجه الاثنان الى ركن البستان كي يتحدثا في مشاريع الغد. انبرى كريم مستفسرا:
ــ اراجيح الأطفال تحتاج الى حبال امتن..
دفع مارد اليه بصرّة معقودة:
اشتريت عشرة امتار من سوق الحبال وما عليك الا ربطها عند الفجر..
سأفعل.. وماذا بعد؟
الحصان.. عليك ان تنصت جيدا..
كلي اذان صاغية..
كي لا نرهق هذا المخلوق بامتطائه من قبل اولاد المحلة وتحاشيا لسقوط احدهم طمعا ببضعة دراهم لا تشبع ولا تسمن..
ماذا؟
لقد وجدت له عملا آخر.. اتفقت مع مجموعة من رواد مقهى الخورة على اجراء سباق..
سباق؟ ماذا تعني؟
ــ هو في الحقيقة رهان على نتيجة سباق..
ــ ان نأتي بحصان آخر؟
ــ كلا ايها الذكي.. بل بين حصانك وباصي الخشب..وهنالك متراهنون.. ثمة من يراهن على فوز حصانك وآخرون على ان باصي الخشب هو الأسرع... وسنجني ارباحا نحسد عليها.. هل اتضحت لديك الفكرة؟
لبث كريم عوفي صامتا قبل ان يعاود التساؤل:
ولكن اين سيقام السباق؟
سيكون الانطلاق من ساحة ميتان المجاورة لنهر السراجي وندخل على شارع البراضعية وستكون النهاية بمحاذاة سوق الخورة غربا واليعقوبية شرقا..
ــ ووقت الانطلاق؟
ــ في اول الصباح.. بعد تكبيرة العيد..
ــ وان لم يفز حصاني؟
ــ سأضمن لك ان تنال حصتك حتى وان صار الفوز من نصيب الباص..اطمئن.. عدد المراهنين قد تجاوز التسعة وقد ينضم اليهم آخرون.. كل واحد منهم قد دفع دينارا.. سيكون نصف المبلغ في جيبك مهما كانت النتيجة.. ستصبح ثريا خلال ساعة وسوف يخشخش جيبك بالورق وليس برنين بضعة دراهم قد علاها الصدأ!
اتفقنا.. هيا بنا اذا..
انتزع مارد قصبة من خصاص كوخ مهجور شاحذا احد طرفيها راسما خط البداية على مبعدة بضعة امتار من ضفة النهر المتوغل غربا..ادار اتجاه باصه الخشب بحيث تكون دعاميته الامامية فوق الخط المرسوم تماما مومئا لكريم ان يوقف حصانه على الخط واخرج من جيب دشداشته مسدس العاب خلّب الاطلاقات مستحثا صاحبه هاتفا: امسك زمامه جيدا ولا تدعه يجمح بك.. هل اطعمته جيدا؟
ــ ليس الى حد التخمة.. اريده ان يسابق الريح.. هيا الى اطلاقة مسدسك..
وبالفعل رفع مارد ماسورة المسدس الى الاعلى ضاغطا الزناد فانطلق المتسابقان عكس اتجاه الريح. وقد تقدم الباص على الحصان ببضعة امتار. في البدء لوى الحصان عنقه بيد ان كريم هيمن على اللجام فامتثل الحصان مندفعا الى الامام مقتربا من الباص في حين او متأخرا عنه.لم تكن مسافة المضمار تتجاوز الكيلومترا لكن المتسابقين حرصا منهما بتنبيه من مارد مراقبا الشارع باصرار خشية عبور اطفال المحلة الذين تقاطروا على دواليب العيد في الساحة بشغف ومن دون أي تحسب لأية اخطار قد تحدث جراء عبور الشارع.
مع ان الباص لم يكن ملكا شخصيا لمارد الا انه كان يعده بيته الثاني. وقد خيره صاحب الباص الاصلي مالك البستان الذي يعمل فيه مارد كفلاح بين تحويل الباص الى وسيلة نقل في أي من الخطوط التي يجدها مريحة لديه فاختار خط (ابي الخصيب العشار) دون ان يتخلى عن شغفه الرومانسي بهذا الهيكل الذي اعتاد التنقل فيه كراكب بين قرى اقصى الجنوب ليتحول فيما بعد الى سائق له. وما زال يتذكر حكايات ابيه التي تحدثت عن بدايات العمل بهذا الكائن الذي حلّ محل العربات التي تقودها الخيل والبغال وذلك في ايام الحرب العالمية الثانية ومع مغادرة المحتل البريطاني حيث خلفوا وراءهم عشرات من ابدان العربات العسكرية فقام الميكانيكيون العراقيون المهرة بإضافة ابدان من الخشب على تلك العربات مع تزويدها بنوافذ زجاجية ما لبثوا ان استخدموها في نقل الركاب وشتى اصناف البضائع من مدينة الى اخرى، بل زادوا على ذلك بأن استخدموها لنقل الحجاج الى الديار المقدسة. اما الانواع الاصغر حجما فقد صممت لنقل الركاب بين ضواحي البصرة وكانت ورش تصميمها منتشرة في حمدان وابي الخصيب والسيمر والزبير حيث ازدهرت على ايدي خبراء مثل حسين الحمداني وطه البربوري وميرزا عباس وغيرهم.وكان اغلب تلك الباصات يصمم باستخدام ابدان سيارات ذات شهرة عالمية مثل الشفروليه والمرسيدس والفورد والفولفو وغيرها. وقد الفوا السياقة في اردأ طرقات ابي الخصيب والبصرة والفاو فقد كانوا يضعون لإطارات باصاتهم سلاسل حديدية منعا لانزلاقها واحيانا يستعينون بأشداء الركاب من اجل تخليصها من فخاخ الوحول التي تحتشد بها الطرقات.لكن ما من احد قد فكر في اشراك أي منها في سباق مثلما فكر مارد الذي يضغط حاليا بقدمه على دواسة البانزين من اجل الفوز بهذا السباق المحموم!
***
قطع المتسابقان ما يقارب ثلثي مسافة المضمار المتفق عليه بين تقدم احدهما او تأخره دون ان يسمح مارد لعينيه ان تزوغا بعيدا عن الطريق المبلط تبليطا رديئا ليفاجأ بمشهد مرق امام عينيه اربك حواسه قبل عينيه فعلى مبعدة ما يقارب العشرين مترا لمح (وحيدة) بائعة الخضار تتأرجح بين ذراعيها سلة فارغة بعد ان قفلت عائدة من سوق الخورة والذي كان مقفلا بسبب العيد. وتفاديا لصدمها ضغطت قدمه اليسرى على دواسة المكبح مخفضا من سرعة الباص على نحو لا يخلو من الارتباك المنذر بكارثة.اذ ذاك تبسمرت عيناه على عينين نجلاوين تقطران عسلا ليصبح مطواعا لشعاعهما الآسر مغمغما:
ــ الآن.. لماذا الان؟!
اجل هي وحيدة ابنة جبارالخضار معشوقة احلامه وبؤرة صبواته بعد ان التقاها مرات ومرات فما جرؤت شفتاه على النطق بكلمة غزل! ابتعدت الفتاة عن الباص المندفع اما مارد فقد تمكن بخبرته ان يهدئ من اندفاعة الباص الذي انحرف الى جانب الطريق ليتوغل الاطاران الاماميان في قلب منحدر جانبي فتنغرز الاطارات في لحم الحفرة التي كانت مترعة بمزيج من الرمل والطين ترافقه دعسة قدم للكابح المستسلم لقدم مارد اليسرى متوقفا فيما تلطخت مقدمة الباص بوحل الاخدود. اما الحصان فقد واصل اندفاعه نحو خط النهاية ليطلق كريم صرخة فوز سرعان ما بترها بعد ان شاهد مارد واقفا بجوار الباص شابكا يديه في اشارة استسلام!
لقد توارت ابنة الخضار خلف اكواخ البستان مثلما توارى ذلك الوجه الملتهب الخدين فيما توجه مارد للقسم الخلفي من الباص مخرجا حبلا غليظا مناولا اياه لكريم مستحثا اياه:
اربط احد الطرفين بالدعامية الواقية والطرف الثاني حول رقبة الحصان وحين اناديك اسحب حصانك عكس اتجاه الباص الذي سأقوم بإرجاعه للوراء كي اخلصه من الوحل.. هل فهمت؟
رد كريم عوفي معلقا: هات اولا جائزتي وسنعمل على تخليص حصانك الحديدي من وحل الطريق.
اعلن مارد في نغمة لم تكن تخلو من توتر: سأعطيك حقك الذي اتفقنا عليه بشرط..
ــ ماذا؟
ــ ان لا تخبر احدا عن فوز الحصان..
قال كريم عوفي وهو يدس المبلغ في جيبه: .. اتفقنا!
البصرة 8 تشرين الأول 2026
ــــــــــــــــــــــ
* من رواد القصة العراقية. كتبت هذه القصة في عام 1974 واعطيت النسخة الوحيدة للشاعر الراحل حسين عبد اللطيف ثم فقدت وهذه كتابة ثانية لها.