اخر الاخبار

العربي الجديد

بموازاة ملف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة والمفاوضات الجارية منذ أيام بين مختلف القوى السياسية، يتصدر ملف "حصر السلاح بيد الدولة"، وهو التعبير الذي تم اصطلاحه حكومياً وسياسياً، للإشارة إلى قضية سلاح الفصائل العراقية المسلحة، ومسألة انتفاء الحاجة له، وضرورة سيطرة الدولة العراقية عليه.

غير أن أسئلة كثيرة ما زالت من دون إجابة مباشرة من المعنيين بموضوع السلاح، أو على الأقل من غير المفهوم كيف سيتم التعامل مع هذا السلاح. من المقصود بالفصائل المسلحة؟ هل هي "الحشد الشعبي" ككل أم فصائل بعينها؟ وهل هناك أصلاً فصائل غير منضوية تحت مظلة "الحشد الشعبي"؟ أم أن الضغوط الأميركية في هذا الإطار تستهدف "الحشد" ذاته؟ وما المقصود بالسلاح؟ هل هو الثقيل والنوعي، مثل الطيران المسيّر والصواريخ متوسطة وبعيدة المدى، أم مجمل مخازن ومستودعات السلاح التي تخضع لإدارة وسيطرة هذه الفصائل؟

على طول الخريطة العراقية يتوزع أكثر من 70 فصيلاً وجماعة مسلحة، تحمل عناوين وأسماء مختلفة، بقوام عسكري يبلغ أكثر من 215 ألف عنصر. وتمتلك هذه الفصائل العراقية مقرات ومعسكرات ثابتة ومستقلة. غير أنه في العام 2019،  توقف منحها أرقاماً وتصنيفات ألوية عسكرية داخل "هيئة الحشد الشعبي"، إلا أنه من ناحية عملية، فإن كل فصيل مسلح قائم بذاته، وبوجوده وانتشاره، من دون أن يختلط بفصيل أو جماعة أخرى.

وأعلنت عدة فصائل عراقية، خلال اليومين الماضيين، أنها تؤيد خطوة تسليم سلاحها، ضمن مبدأ حصر القرار العسكري والأمني بيد الحكومة العراقية، في تطور لافت لخطاب تلك الفصائل العراقية لكن من دون أن تشرح أو توضح معنى حصر السلاح بيد الدولة. فقد صدرت عدة تعليقات لاحقة عن جماعات "أنصار الله الأوفياء" و"كتائب الإمام علي" و"عصائب أهل الحق" و"كتائب سيد الشهداء"، اعتبرت فيها أن "الحشد الشعبي" مؤسسة حكومية رسمية، في تلميح إلى أن سلاحها، بحسب قرار الانفتاح على مبدأ حصر السلاح، سيكون داخل مؤسسة "الحشد" ولن يذهب بعيداً عنها. علماً أن فصائل أخرى عارضت هذه الخطوة من الأساس، أهمها "كتائب حزب الله" و"النجباء"، وهما من أبرز الفصائل الحليفة لإيران.

وتتركز بعض الأسئلة المطروحة حالياً، حول الفارق الهش بين بنية الفصائل العراقية المسلحة من جهة وألوية الحشد الشعبي من جهة ثانية، إذ لا يبدو أن هناك حداً فاصلاً بينهما كون الفصائل العراقية هي البنية الأساسية للحشد الشعبي الذي تمثل ألويته مجاميع الفصائل العراقية، عدا عن المديريات التي تقدم خدمات إعلامية وأخرى هندسية. كما تُثار الأسئلة حول نوعية الأسلحة التي ستُسلم للدولة، والجدول الزمني والضمانات في كون أن الأسلحة التي ستسلم للدولة هي كل أسلحة الفصائل، وهل تحتفظ بعض الفصائل ببعض الأسلحة؟ فضلاً عن جدية التزام الفصائل فعلاً في توجهاتها الأخيرة التي ظهر منها "دعم الدولة".

 

التفريق بين الفصائل العراقية و"الحشد الشعبي"

ومصطلح الفصائل المسلحة في العراق يقصد به عملياً التفريق بين "الحشد الشعبي"، الذي يضم نحو 70 تشكيلاً مسلحاً من جهة، وبين الجماعات التي تُقدّم نفسها باعتبارها "مقاومة إسلامية"، وأبرزها "كتائب حزب الله" و"النجباء" و"الطفوف" و"البدلاء" و"الأوفياء" و"سيد الشهداء" و"الإمام علي" و"عصائب أهل الحق". لكن في الواقع تمتلك هذه الجماعات تحديداً وجوداً ونفوذاً داخل "الحشد الشعبي" نفسه، يُقدّره مراقبون عراقيون بأنه يشكل أكثر من 60% منه، وتسيطر على المناصب القيادية فيه.

في المقابل، فإن حضور فصائل عراقية مرتبطة بالعتبات الدينية في العراق، وتُعرف باسم "حشد العتبات"، إلى جانب وحدات مرتبطة بزعيم التيار الوطني (التيار الصدري سابقاً)، مقتدى الصدر، وأخرى بعشائر عربية سنية، تكاد تقوم جميعها بدور ثانوي أمام الفصائل الموالية لإيران.

 

شكوك بشأن جدية مواقف الفصائل

مواقف بعض الفصائل المسلحة بشأن موافقتها على نزع سلاحها وحصره بيد الدولة تثير استغراباً لدى المراقبين العراقيين وشكوكاً حول جديتها، لا سيما وأنها تأتي بالتزامن مع زيادة الضغوط الأميركية التي أطلقها مسؤولون أميركيون من ضمنهم سافايا، وويلسون. مع العلم أن غالبية الفصائل العراقية كانت تؤكد في كثير من المرات أن "سلاح المقاومة" لا يمكن التفريط به أو تسليمه إلا للإمام المهدي، ضمن سردية عقائدية للفصائل العراقية المسلحة.

وبحسب مصدر من فصيل مسلح نافذ في بغداد، لم يعلن موقفه لغاية الآن من تسليم سلاحه، فإن "لغاية اللحظة ما صدر عن الفصائل التي أعلنت عدم ممانعتها تسليم سلاحها، يمثل وجهة نظرها فقط، وليست بالضرورة وجهة نظر كل فصائل المقاومة الإسلامية". ويضيف لـ"العربي الجديد": "نحن (يقصد الفصيل الذي ينتمي إليه) لم نبحث تسليم سلاحنا، وربما لن نسلم سلاحنا مطلقاً، فما يزال تهديد الأميركيين موجود فضلاً عن طموحات الكيان الإسرائيلي المتواصلة في التمدد والجوار السوري الذي بات غير صديق".

وبحسب المصدر نفسه الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، "فلا ضمانات بعدم الاعتداء الأميركي أو الإسرائيلي، على الفصائل، ولا ضمانات أو مقابل إزاء الخطوة التي يريدون فيها تسليم السلاح". وفي اعتقاد هذا الفصيل فإن "الأميركيين يريدون من موضوع حصر السلاح الحشد الشعبي ككل، لأنهم لا يرون فرقاً بين الفصائل والحشد".

ويتابع المصدر: "نعتقد أن جزءاً من حالة الانشغال الإعلامي والتصريحات السياسية، تعتمده الأحزاب من أجل إشغال الرأي العام العراقي، وهناك مخاوف لدى بعض الأحزاب الشيعية القديمة، من تفوق أجنحة الفصائل السياسية عليها بعد النتائج التي حققتها بالانتخابات الأخيرة (الشهر الماضي، بحصولها على ما يقارب ثلث البرلمان المكوّن من 329 مقعداً)". وبالتالي فإن الغلبة، وفق المصدر، ستكون "للقوى المسلحة ضمن البيت الشيعي، وهو ما يجعل بعضهم يتفاعل مع دعوات حصر السلاح بيد الدولة".

ورغم ذلك، فإن الحكومة العراقية لم تعلق على ما يجري من أخبار وبيانات "فصائلية" حول هذا الأمر، كما أن إيران لم يصدر عنها أي موقف، خصوصاً أن ما يُعرف بـ"فصائل المقاومة الإسلامية" تُعد ظهيراً لمفهوم "محور المقاومة" الذي تدعمه إيران. من جهة أخرى يرى مراقبون أن "إيران قد لا يظهر لها موقف رسمي، لكنها لن تقبل بتطورات هذه المواقف التي أُعلنت في بغداد، لأنها غير مستعدة لخسارة جبهة العراق، خصوصاً أن العراق هو خط الدفاع الأخير لإيران بعد الانهيارات التي حصلت في اليمن وسورية ولبنان".