العربي الجديد
كشفت مصادر سياسية عراقية في بغداد، وأخرى في مدينة النجف مقربة من أوساط دينية نافذة جنوبي العراق، لـ"العربي الجديد"، عن حراك سياسي واسع بدأ منذ أيام من قبل جهات دينية وأخرى سياسية، يهدف إلى إقناع رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي بسحب ترشحه لمنصب رئاسة الحكومة المقبلة والذهاب إلى مرشح تسوية مقبول دولياً وداخلياً، بشكل يظهر على أنه مبادرة منه لحلّ الأزمة السياسية التي تمرّ بها البلاد، عقب ترشيح المالكي من قبل الإطار التنسيقي لتشكيل الحكومة الجديدة، وما أعقب ذلك من رفض واشنطن للخطوة وتهديد العراق بعقوبات وعزلة دولية.
ويوم غد الأربعاء، تكون بغداد قد أتّمت ثلاثة أشهر على إجراء الانتخابات التشريعية العامة في البلاد، في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والتي نتج عنها فوز ائتلاف سياسي يقوده رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بفارق كبير عن أقرب منافسيه من القوى العربية الشيعية. غير أن تحولاً غير متوقع في مسار حسم الاستحقاقات الدستورية، تمثل بإعلان السوداني تنازله عن الولاية الثانية، وإفساح المجال لائتلاف "دولة القانون"، الذي يقوده نوري المالكي، لترشيح شخصية منه.
هذا التطور دفع "الإطار التنسيقي"، إلى اختيار المالكي بالأغلبية، وهي المرة الأولى التي يتم فيها ترشيح رئيس وزراء من داخل الائتلاف ليس بمبدأ الإجماع من أعضائه، حيث واجهت الخطوة رفض واعتراض من قوى وشخصيات وازنة فيه، أبرزها عمار الحكيم، وقيس الخزعلي، وحيدر العبادي.
المرجعية غير راضية عن ترشيح المالكي
وقال مصدر سياسي في النجف ومقرب من أوساط بالمرجعية الدينية العليا، لـ"العربي الجديد"، إن ترشيح المالكي للمنصب لا يحظى بأي قبول أو دعم من المرجعية الدينية، وموقفها ما زال ثابتاً في النأي بنفسها عن دعم أي مرشح. وأضاف أن "هناك من يسعى إلى الترويج لوجود قبول أو تفهم من المرجعية لخطوة ترشيح المالكي، لكن هذا غير صحيح"، متحدثاً عن وجود حراك شخصيات وصفها بـ"دينية معتبرة ضمن حزب الدعوة بعضها خارج الهيكل التنظيمي للحزب الذي يتزعمه المالكي، لدفعه إلى التراجع عن الترشح، بهدف الإسراع بتشكيل حكومة تحظى بقبول داخلي وخارجي".
في السياق، قال عضو بارز في "الإطار التنسيقي"، لـ"العربي الجديد" أمس "إن مساعي إقناع المالكي بالتراجع عن الترشح بدأت فعلياً منذ يومين، وجرى إيصال رسائل عدة إليه في هذا السياق، من بينها ترشيح شخصية تسوية يكون مقبولاً من كل أطراف الإطار وغير محسوب على أي جهة أو كتلة فيه". وأضاف في هذا الصدد أن "بعض القوى وفي سبيل تحقيق خرق بالانسداد السياسي، اقترحت على المالكي أن يقترح هو المرشح للمنصب، لكن المالكي لم يتقدم بأي جواب، ولا يظهر أنه سيستجيب سريعاً لهذا الحراك".
مصدر ثالث في بغداد قال أيضاً لـ"العربي الجديد"، إن القوى العربية السنية، وأبرزها "تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي، و"السيادة" بزعامة خميس الخنجر، أبلغت قوى الإطار التنسيقي رفضَها ترشيح المالكي وأن قرارها قد ينسحب على إجراءات أخرى، من بينها عدم المشاركة بالحكومة، مبيناً أن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في أربيل، مسعود البارزاني، غيّر من موقفه الداعم للمالكي، وقد يكون ذلك تماشياً مع الرفض الأميركي للأخير.
وفي السياق، شهدت الساعات الماضية طرح اسم رئيس جهاز المخابرات العراقي، حميد الشطري، كمرشح تسوية مقبول من مختلف القوى والأطراف السياسية العراقية. كما يجرى الحديث عن إبقاء السوداني لولاية ثانية، فضلاً عن طرح اسم حيدر العبادي رئيس الوزراء الأسبق بين عامي 2014 و2018، للمنصب مجدداً.
لكن هذا كلّه منوط بموافقة المالكي على سحب ترشيحه، وهو وفقاً للخبير بالشأن السياسي العراقي أحمد النعيمي، أقلّ تكلفة سياسية على العراق من إعلان "الإطار التنسيقي" نفسه سحب ترشيح المالكي. وأضاف النعيمي في حديث لـ"العربي الجديد" أن تراجع الائتلاف الحاكم بالعراق عن ترشيح المالكي سيظهر بشكل خضوع للإملاءات الأميركية، لكن انسحاب المالكي سيُحسب له فقط، وقد تكون خطوة إيجابية في صالحه، مع اتساع مخاوف الشارع العراقي من استمرار الأزمة السياسية مع تراجع قيمة الدينار أمام الدولار لمستويات قياسية (1500 دينار مقابل الدولار الواحد)، وتعثر حكومة تصريف الأعمال بتوزيع رواتب شهر يناير/ كانون الثاني الماضي حتى الآن. وأكد الخبير في الشأن السياسي العراقي أن "الانسداد السياسي غير معقد ويمكن المضي بالاستحقاقات الدستورية، حال فكّ عقدة المرشح لرئاسة الحكومة، وهو شأن داخلي في الإطار التنسيقي".
العراق بدائرة الفراغ والخطر
ومنذ 29 يناير الماضي، دخل العراق في حالة الفراغ الدستوري عقب تعثر عقد جلسة برلمانية لاختيار رئيس الجمهورية، الذي ينص الدستور العراقي على أن يكون تكليف رئاسة الوزراء في نفس جلسة انتخابه.
وفي هذا السياق، قال عضو البرلمان الأسبق أحمد الفتلاوي، لـ"العربي الجديد"، إن مساعي إقناع المالكي بالتنازل أو الاعتذار عن قبول الترشيح جاءت لتعذر إقناع قوى الإطار التنسيقي بالتراجع وسحب الترشيح منه، مضيفاً أن الانقسام داخل "الإطار"، قد يتوسع. وأشار إلى أنه "للمرة الأولى لا يظهر تدخل إيراني في الملف، بل بالعكس فإن التدخل الأميركي هو الغالب في أزمة العراق السياسية اليوم".
ولفت الفتلاوي إلى أن المتمسكين بمسألة ترشيح المالكي هم ست قوى، هي: "دولة القانون"، و"بدر"، "المجلس الأعلى"، "تحالف الأساس"، "تصميم" و"سيد الشهداء"، مقابل رفض وتحفظ من "صادقون"، "الحكمة"، "خدمات"، و"النصر"، وهناك قوى تحتفظ بمساحة رمادية لها، مثل "الإعمار والتنمية" بزعامة محمد شياع السوداني، وفق قوله.
وأكد النائب السابق أن القوى الرافضة لترشح المالكي تتمسك بخطورة الدخول في مواجهة مع واشنطن والتي ستكون مكلفة اقتصادياً وحتى سياسياً وأمنياً على العراق، لكن مقربين من المالكي يتحدثون عن حراك غير معلن له، يهدف إلى تغيير وجهة النظر الأميركية بشأنه، لذلك فهو يحاول كسب الوقت الآن.