العربي الجديد
كشفت مصادر أمنية عراقية مطلعة على مجريات التحقيق الأولي بعملية اختطاف الصحافية الأميركية شيلي كتلسون، التي جرت أمس الثلاثاء في بغداد، أن فصيلاً مسلحاً متنفذاً ضمن "الحشد الشعبي"، يقف وراء العملية، وأن مسار التحقيق والملاحقة ينحصر حالياً في مناطق ضمن محافظة بابل جنوبي بغداد، بعد التأكد من انتقال الخاطفين إلى هناك. وكانت وزارة الداخلية العراقية أعلنت مساء أمس، تعرض صحافية أميركية تدعى شيلي كتلسون، لعملية اختطاف في العاصمة بغداد، مؤكدة أن قوة من الشرطة تمكنت من اعتقال أحد المتهمين بعملية الخطف، وسط استمرار الجهود لتعقب باقي المتورطين وتحرير المختطفة.
ووفقاً لمصدر أمني عراقي مطلع، إن التحقيقات الأولية تشير إلى أن المجموعة المنفذة لها صلة بفصيل مسلح ينضوي ضمن "الحشد الشعبي"، ومدعوم من طهران، موضحاً لـ"العربي الجديد"، طالباً عدم ذكر اسمه، أن "المعتقل على ذمة القضية كان يحمل هويتين، إحداهما أمنية رسمية، والأخرى تشير إلى انتمائه لفصيل مسلح بارز". وأضاف أن "التحقيقات متواصلة في الملف، وأن السلطات العراقية تواصل عمليات التعقب لبقية المتورطين، والتي ينحصر أغلبها ضمن محافظة بابل، حيث تم رصد سيارة الخاطفين الثانية، وهي تنتقل إلى هناك، غير أن طبيعة العملية وتعقيداتها الميدانية تسببت بإبطاء التقدم في الملف، خصوصاً وأن المعلومات تؤكد اقتياد المختطفة إلى منطقة في بابل تخضع لسيطرة الفصائل المسلحة".
وتُعدّ منطقة جرف الصخر من أبرز معاقل الفصائل المسلحة في محافظة بابل جنوبي بغداد، وتخضع لقيود مشددة من الفصائل، أبرزها كتائب حزب الله، ما يجعل تنفيذ أي عملية أمنية حكومية داخلها أمراً بالغ التعقيد، إذ لا تسمح الفصائل بدخولها من جانب أي جهة كانت. وأشار إلى أن "الحكومة العراقية تحركت فعلياً على مستوى أمني وعسكري، وأيضاً سياسي، عبر وسطاء مع الجماعات المسلحة، بهدف تأمين إطلاق سراح المختطفة، إلا أن هذه الجهود لم تحقق اختراقاً حتى الآن، في ظل رفض الجهة التي يُشتبه بضلوعها في العملية الاعتراف الرسمي أو التجاوب مع الوساطات، وسط مؤشرات على سعيها لاستخدام المختطفة ورقة ضغط في سياق مطالب مرتبطة بالعلاقة مع الولايات المتحدة".
وكانت وزارة الخارجية الأميركية، وعلى لسان مساعد وزير الخارجية ديلان جونسون، قد أكدت أن واشنطن تتابع القضية عن كثب، مشيرة إلى أن السلطات الأميركية كانت قد حذرت الضحية مسبقاً من المخاطر الأمنية في العراق، وأن التنسيق مستمر مع مكتب التحقيقات الفيدرالي لضمان إطلاق سراحها في أقرب وقت ممكن. وجدد المسؤول الأميركي التأكيد أن "العراق لا يزال ضمن مستوى التحذير الرابع من السفر"، داعياً المواطنين الأميركيين إلى "مغادرة البلاد وتجنب التوجه إليها، في ضوء التحديات الأمنية المتصاعدة".
على صعيد متصل، يرى مراقبون أن الحادثة تعكس عودة مقلقة لنشاط عمليات الخطف في العراق، بعد فترة من الانحسار النسبي، وهو ما يثير تساؤلات بشأن فعالية الإجراءات الأمنية الحكومية. وفي السياق، حذر الناشط المدني مهند الفتلي، من أن فشل القوات الأمنية في إلقاء القبض على المنفذين رغم تعرضهم لحادث، يشير إلى "وجود ثغرات كبيرة في منظومة الاستجابة السريعة، فضلاً عن غياب الشفافية في الإعلان عن نتائج التحقيق".
ولفت الفتلي خلال حديثه مع "العربي الجديد"، إلى أن "استمرار التكتم الرسمي على هوية الجهة المنفذة يعزز الشكوك لدى الرأي العام، ويقوض الثقة بالمؤسسات الأمنية، خاصة في القضايا التي تنطوي على أبعاد سياسية وأمنية حساسة". وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من التحديات الأمنية التي يواجهها العراق، حيث تتداخل أنشطة الفصائل المسلحة مع المشهد السياسي، ما يخلق بيئة معقدة أمام أجهزة الدولة في فرض سيطرتها الكاملة، كما أن استخدام مناطق ذات طبيعة مغلقة أمنياً مثل جرف الصخر في مثل هذه القضايا، يسلط الضوء على إشكالية "المناطق الخارجة عن السيطرة الفعلية"، والتي تمثل تحدياً مستمراً أمام جهود الاستقرار.
وتكشف قضية اختطاف الصحافية الأميركية عن أزمة متعددة الأبعاد، تتراوح بين الأمني والسياسي، في وقت تبدو خيارات الحكومة محدودة بين التصعيد والمفاوضات، وسط ضغوط داخلية وخارجية متزايدة لحسم الملف دون الانزلاق إلى تعقيدات أكبر.