العربي الجديد
ينتقد كثيرون في العراق تكرار العطلات التي تمنحها الحكومة أو محافظو المدن باعتبارها تتجاوز حدود المعقول، ما يؤخر المعاملات الرسمية ويكبد الدولة والمواطنين تكاليف بملايين الدولارات، كما تضر كثيراً بالعمال والطلاب.
وخلال مارس/ آذار الماضي، منحت الحكومة العراقية نحو 20 يوم عطلة رسمية لأسباب تتعلق بالأوضاع الأمنية جرّاء تبعات الحرب الدائرة في المنطقة، أو سوء الأوضاع الجوية، إضافة إلى أيام العطل الرسمية، ليتقلص مجموع أيام الدوام في الدوائر والمؤسسات الرسمية.
وطرحت العطلة التي أعلنها رئيس الحكومة محمد شياع السوداني لمدة يومين في الأول والثاني من إبريل/ نيسان الجاري بمناسبة تأهل المنتخب الوطني إلى نهائيات كأس العالم لكرة القدم، تساؤلات في شأن الخسائر الناتجة من العطلات في بلد متأخر على صعيد المشاريع التنموية واعتماد التقنيات الحديثة في إجراء المعاملات، إذ يُرهق العراقيون من مراجعة دوائر الدولة لإتمام معاملاتهم سواء في المحاكم أو الوزارات التي تعتمد أساليب بدائية وتخضع لتعقيدات البيروقراطية، لذا تزيد هذه العطل تأخير ما يريدون إنجازه.
ويمنح العراق عطلات رسمية في 22 مناسبة دينية ووطنية مختلفة، وأخرى وفق ظروف استثنائية، مثل الأوضاع الأمنية أو سوء الأحوال الجوية وبعض المناسبات الدينية التي تخص في العادة بعض المحافظات من دون غيرها، وأيضاً عطلات نهاية الأسبوع يومي الجمعة والسبت.
ووفق القانون العراقي يبلغ عدد العطلات الرسمية 12 في مناسبات متفرقة، من بينها سبع مناسبات دينية، ومناسبة وطنية واحدة، ومثلها قومية واجتماعية، كما هناك 10 عطل رسمية خاصة بالمكونات الدينية تشمل مناسبتين لمعتنقي الديانة المسيحية، وأربع مناسبات لأتباع الديانة الصابئية، ومثلها لأتباع الديانة الإيزيدية، لكن ما يزيد عدد أيام العطلات هو القرارات الإدارية المرتبطة بالظروف المناخية والأحداث السياسية. وبحسب بيانات غير رسمية تخطت العطل التي منحت العام الماضي نصف أيام العمل في السنة.
والأسبوع الماضي، انتقد رئيس حزب "حقوق" النائب حسين مؤنس، ما وصفه بأنه "مبالغة في إعلان العطل الرسمية التي تحوّلت إلى ظاهرة سلبية تعطل مفاصل الدولة ومؤسساتها، وتلحق أضراراً بالاقتصاد من دون مبرر حقيقي أو مصلحة وطنية". ودعا في بيان تزامن مع إعلان عطلة لمدة يومين بمناسبة تأهل المنتخب العراقي إلى تصفيات كأس العالم إلى أن "يحصل الاحتفال بالنجاحات الرياضية بالتزامن مع استمرار عمل مؤسسات الدولة".
ويقول العضو السابق في البرلمان العراقي محمد عنوز لـ"العربي الجديد": "منح قانون العطلات الرسمية حكومات المحافظات صلاحية تعطيل الدوام الرسمي فزاد عدد أيام العطل بفعل بعض المناسبات الخاصة في المدن، ما كدّس معاملات المواطنين، خصوصاً في المحاكم حيث تتأجل مواعيد الدعاوى القضائية وتتسبب في إرباك العمل القضائي". يتابع: "ينعكس كل يوم تعطيل إضافي على شكل تباطؤ في إنجاز المعاملات، وتعثر في الخدمات وانخفاض في كفاءة استخدام الموارد، ويزيد التوظيف الحكومي الذي اتسع خلال السنوات الماضية بالتزامن مع كثرة العطلات تراجع إنتاجية الأجهزة الحكومية".
من جهته يشير أستاذ الاقتصاد الدولي في الجامعة العراقية ببغداد عبد الرحمن المشهداني، في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى أن "العطلات الكثيرة في العراق تشكل عبئاً إضافياً على الدولة والاقتصاد والمواطن لأننا عندما نجمع أيام العطلات الرسمية مع يومي الجمعة والسبت يكون لدينا 104 أيام من أصل 365 يوماً. ومع وجود عطل أخرى مثل الأعياد والمناسبات الدينية نحن أمام نحو 170 يوماً من العطلات. وينفق العراق نحو 190 مليار دينار (140 مليون دولار) يومياً على رواتب الموظفين والعاملين في الدولة، وهو ما يخسره في أي يوم يشهد عطلاً وعدم الانتاجية".
ويلفت المشهداني إلى أن "الخسائر تتراكم لدى المصارف حين تتأخر الحوالات والمعاملات التجارية، وأيضاً الدوائر الخدماتية التي تخسر الإيرادات التي تُستحصل من المواطنين، كما تخسر وزارة التربية والتعليم العالي خصوصاً أن مدارس وجامعات لا تستطيع أحياناً أن تُكمل المناهج الدراسة. وفي العادة يغطي النفط كل عيوب الاقتصاد العراقي، وتوزع الرواتب من خلاله، لكن إذا طرأت تغيرات عليه فقد تكون الحكومة من دون إيرادات ما يُربك إيصال الرواتب إلى المستفيدين".
من جانبها، تتحدث الخبيرة في الشأن الاقتصادي سلام سميسم لـ"العربي الجديد" عن أن "الاقتصاد العراقي لا يستطيع من الناحية المالية أن يتحمّل كلفة العطلات الرسمية وغير الرسمية بحكم طبيعته الريعية، وتراكم العطل يشكل عبئاً واضحاً على الاقتصاد الذي يعاني أصلاً من ضعف الإنتاجية". تضيف: "منح المحافظين صلاحيات إقرار العطلات أدى إلى تضخم فعلي في عدد أيام التوقف عن العمل داخل دوائر الدولة ومؤسساتها".