العربي الجديد
يسوّق الرئيس الأميركي دونالد ترامب "مشروع الحرية" (Project Freedom) الذي تقوم به البحرية الأميركية لفتح مضيق هرمز، بوصفه مشروعاً إنسانياً يهدف لفتح الممر المائي لخروج مئات الناقلات المحاصرة وعلى متنها آلاف من أفراد طواقمها. لكن شركات الشحن والمحللين لهم رأي آخر. فحتى الآن لم تتمكن سوى ناقلة واحدة تابعة لشركة ميرسك، ترفع العلم الأميركي من عبور المضيق في حماية البحرية الأميركية، أما بقية الناقلات والسفن، فآثرت السلامة بعد الردّ الإيراني خشية وقوعها في مصيدة نيران الجانبَين.
وأفادت بلومبيرغ صباح اليوم بأن مئات السفن بدأت تبتعد عن المضيق لتتجمع قرب ساحل دبي تخوفاً من إعلان إيران توسيع نطاق سيطرتها في مياه الممر المائي، وحسب الوكالة فإن 60 سفينة أبحرت نحو مياه دبي، ليرتفع عدد السفن المنتظرة هناك من 294 ناقلة إلى 363 ناقلة خلال أيام قليلة. وتقول الوكالة إنّ سبب لجوء الناقلة إلى ساحل دبي، هو وقوعه خارج منطقة السيطرة الجديدة التي حددتها طهران في هرمز، والتي تمتد جنوباً من المضيق حتى أم القيوين على طول ساحل الإمارات وداخل الخليج.
وازداد التكدس أمس الاثنين، مع تقارير من أطقم السفن عن رسائل لاسلكية تحذر من حدود جديدة داخل المياه يسعى الحرس الثوري الإيران إلى فرضها بالقوة. وفي الوقت نفسه، أكدت الهجمات على ميناء الفجيرة في خليج عمان اتساع نطاق السيطرة الإيرانية، ما أبقى المضيق شبه خالٍ من الحركة حتى صباح الثلاثاء.
ولا يقتصر الأمر على ذلك حتى الآن، فمن الواضح أن شركات الشحن قد أصبحت أكثر حذراً بسبب مبادرة ترامب بعدما أعلنت شركة أدنوك أن ناقلتها العملاقة "بركة" تعرضت لهجوم بطائرات مسيّرة أثناء وجودها في هرمز، فيما أعلنت كوريا الجنوبية أن إحدى سفنها تعرضت للاستهداف لأول مرة خلال الحرب. في المقابل، تمثل النجاح الوحيد لدعوة ترامب، فيما أعلنته شركة الشحن الدنماركية ميرسك أن إحدى سفنها، "ألاينس فيرفاكس" التي ترفع العلم الأميركي، تمكنت من عبور مضيق هرمز بنجاح تحت مرافقة عسكرية أميركية، بعد أن كانت عالقة في الخليج منذ اندلاع الحرب في نهاية فبراير/شباط الماضي.
بحساب بسيط، يبدو أن خسائر الخطوة الأميركية، على الأقل في أول يومين، جاءت أكبر من مكاسبها، فقطاع الشحن لن يتحمل قيام الولايات المتحدة باستعراض عسكري في مياه المنطقة يستتبعها ردّ إيراني يطاول الناقلات المتكدسة أو اعتداء مثل الهجوم على الفجيرة. فالهدف الرئيسي للخطوة الأميركية كان "احتواء" التهديد لا مفاقمته، كما يرى تيم وولكينز المدير العام لرابطة "إنترتانكو"، التي تضم ملاك ومشغلي الناقلات، وتتخذ من لندن مقراً لها.
وأعرب وولكينز في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، صباح الثلاثاء، عن مخاوفه من أن الخطر لا يزال قائماً على حركة الشحن في مياه المنطقة بعد يوم كامل من بدء العملية الأميركية. وقال الخبير البريطاني "لا يوجد التزام واضح من الولايات المتحدة بمرافقة الناقلات في عبور المضيق، أو حتى وعد بالتدخل في حال تعرض سفينة لهجوم إيراني، لذلك لم يتغير الموقف كثيراً ولا تزال كثير من الأسئلة دون إجابة من الجانب الأميركي".
ويرى الخبير البريطاني أن ما تقوم به الولايات المتحدة هو مناورة "إجرائية" لأنها لم تضع بروتوكولاً حول كيفية عبور السفن العالقة أو مهام التواصل بها لتسهيل العبور، "والأهم أنها لم تحدد ما إذا كانت ستتولى حمايتها من النيران الإيرانية.
وتحول مضيق هرمز، الذي يمر عبره خمس احتياجات العالم من النفط، والغاز الطبيعي المُسال إلى أداة لكسر الإرادة بين واشنطن وطهران في الحرب المستمرة منذ تسعة أسابيع، فقد دفع إعلان الحرب إيران لاستخدام سيطرتها على المضيق كسلاح فاعل أدى لأزمة طاقة عالمية، وأدى شبه إغلاقه الفعلي الى تراجع حركة عبور الناقلات من 135 سفينة يومياً قبل الحرب إلى معدل صفر تقريباً في الوقت الراهن.
أصداء السوق
على مستوى الأسواق أيضاً، لم يأت "مشروع الحرية" سوى بمزيد من المخاوف، فعلى إثر المواجهة المحدودة ارتفعت أسعار النفط يوم أمس إلى 114 دولاراً للبرميل، فيما سرت توقعات في الأسواق بأن الهدنة الهشة في المواجهة المفتوحة توشك على الانهيار.
وسط كل ذلك، يواصل الرئيس الأميركي تأكيده أنّ إيران تستجيب للضغوط وأنها ستقبل بالشروط الأميركية في نهاية المطاف. أما طهران فلا تفوت فرصة لتذكير إدارة ترامب بأن الجغرافيا منحتها اليد العليا في النزاع، والدليل على ذلك أن الإدارة الأميركية تسعى بكل الوسائل لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أي ما قبل تاريخ الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي، حين كان المضيق مفتوحاً بشكل طبيعي وكان العالم يعاني وفرة المعروض من النفط الخام والتضخم قيد التحكم من البنوك المركزية.
ونشرت إيران أمس، خريطة لمنطقة بحرية موسعة قالت إنها باتت تحت سيطرتها، تمتد إلى ما بعد المضيق لتشمل أجزاء واسعة من سواحل الإمارات. وشملت الخريطة ميناءي الفجيرة وخورفكان، الواقعين على خليج عمان، واللذين تعتمد عليهما الإمارات منذ بداية الصراع لتجاوز إغلاق المضيق. وإذا تمكنت إيران من فرض السيطرة على الوصول إلى هذه الموانئ، فسيعني ذلك حصاراً لصادرات النفط الإماراتية، وهو أمر لن تقبله بقية دول الخليج التي أعربت عن تضامنها مع أبوظبي أمام تجدد الغارات الإيرانية.