اخر الاخبار

يكبر الاولاد وهم ينتظرون مواجهة الاب السجين بدل الأعياد

الأب، المعلّم الشاب، الفنان، يقضي سنوات من عمره خلف قضبان سجن الكوت، لأنّه آمنَ بفكرة. يا لسخرية البلاد: النظام الذي هتف له ذات صباح من تموز في زمن الزعيم، هو نفسه الذي ساقه إلى الزنزانة بعد ذلك، بتهم ملفّقة وزائفة. كأنّ الأنظمة العسكرية تضحك على أبنائها حين يصدقونها أكثر من اللازم.

كان الأب واحداً من أولئك الذين يعتقدون أنّ الإنسان بلا قضية يشبهُ شجرةً بلا جذور. غير أنّ المبادئ العظيمة كانت دائماً قاسية على العائلات. في لحظة وعي متقدم، كنت أتساءل: لماذا يختار الإنسان السجن من أجل فكرة، مهما كانت نبيلة؟ هنا يتمثل جوهر المأساة الوجودية.

كيف يمكن لفكرةٍ أن تُخيف دولة؟ وهل تستحقُّ القضيّة أن يكبر الأطفال وهم ينتظرون مواجهة الأب السجين بدل الأعياد؟

ما ذنب الأولاد حين يتحوّل الأب إلى صورة بعيدة لا يرونها إلا مرّةً واحدة كلَّ شهر؟ لكنّني، كلّما كبرتُ، فهمتُ شيئاً آخر. بعض الرجال لا يستطيعون خيانة أصواتهم الداخلية، حتى لو دفعوا أعمارهم ثمناً لذلك.

في الليلة التي تسبق يوم مواجهة السجناء، يتوافق عادة مع أول يوم من الشهر.

كنتُ أراقب أمّي، هي التي لم تقرأ كتابًا، ولم تتعلم القراءة، لكنها تحفظ دروساً عن ظهر قلب، أعظمَ من السياسة كلّها. أولها درس التضحية. امرأةٌ لو أدركت الفرح الذي شغل العيون عن البكاء، لما اقتفت أثر السراب. من أنت أيتها المقيمة في داخلي؟ لا خبر يسر، ولا صدى يحكي. ما الذي استوقفك هذه الليلة؟ وأنت تعدّين سلّة الطعام لـ (أبو الأولاد) بقلب لا ينكسر. كانت تعرف أنّ الصباح لن يمنحها زوجاً يعود معها، بل دقائق قصيرة خلف القضبان.

في آخر الليل تعجنين بيدين متشقّقتين، وتخبزين أرغفةً صغيرةً كأنّها مُعدّة لأول أيام العيد.

في صباح الرحلة، كانت الأم تحمل أصغرنا فلاح على كتفها، وهي حبلى بوليد مقبل، تشدّ بيدها اليسرى صفاء، وفي اليمين تسحل بأديب، بينما تتدلّى السلّةُ الثقيلةُ على ظهر ابنها البكر، ممتلئةً بالطعام والحنين والدموع. هي غير قادرة مادياً أن تأخذ الأولاد والبنات معها للمواجهة، فتمنح البقية فرصة أخرى على شكل دفعات بين شهر وآخر.

 السفر من بغداد إلى الكوت، رحلة شاقة في سيارة خشبية، بدأت رحلتها من ساحة الأمين (خلف تمثال الرصافي) تئنُّ كأنّها عجوز تعاني من آلام الظهر، تهتزّ عند كل حفرة، أصوات ألواحها المتآكلة تختلط بأزيز المحرك. جلسنا متلاصقين فوق المقاعد الخشنة: عمال، موظفون صغار عابرون أنهكتهم الحياة، فلاحون اسودّت أسنانهم من كثرة التدخين، وأصابعهم مصبوغة بلون التبغ، فيما تتصاعد من أفواههم زفرات ثقيلة ممزوجة برائحة السكائر الرخيصة.

الغبار يدخل أفواهنا، يحيل الركاب إلى أشباح متشابهة بلون الأرض. والريح تعبث بوجوه الأطفال، تنقل التراب إلى كل فجوة في أجسامهم.

أمّي لا تتكلّم. تكاد تجفّ على شفتيها غمغمات السؤال. كانت تنظر بصمت عبر النافذة إلى البساتين البعيدة، كأنّها تبحث هناك عن هذا القدر الأعمى الذي قادنا إلى هاوية السنين.

     الليل يسبقنا حال وصولنا المدينة. الكوت، مدينة متعبة، واقفة عند حافة الطريق الواصل بين العاصمة ومدن الجنوب. لكنّها تعرف الأسرار القديمة، وتحتفظ في ليلها بصمت عميق يشبه صمت السجناء. لكنّ السدّة المقامة على نهر دجلة كانت تمنحها شيئاً من الهيبة.

نبيتُ في فندقٍ بائس، رخيص، جدرانه رطبة، ممراته ضيقة، رائحته مزيج من العفن وروائح أسمال مفروشاته الرخيصة، أسرّته تصدرُ صريراً عالياً، أكلها الصدأ.

في الغرفة مصباح واحد أصفر يتدلّى من السقف، بخيط رفيع يكاد ينقطع.

ومع ذلك بقي شيء واحد أكثر رسوخاً في الذاكرة. كانت رائحة السمك البني المقلي، تتسلل إلينا من مطعم (هنيدس*) جوار بناية الفندق. الرائحة تقتحم الغرف، تستولي على المكان والحواس، تدخل خياشيمنا، وتنفذ إلى مساماتنا، تلتصق بثيابنا ووسائدنا. الرائحة تختلط بقلق الانتظار وحرارة الشوق.

  عشرات السنين مرّت، أسماء تلاشت، وجوه غابت، لكن (رائحة هنيدس) بقيت عالقة في مناخرنا، محفورة في الذاكرة، ترافق خطانا.

أمّي لا تنام. تفتح السلّة مراراً، تتفقد الخبز، تعيد ترتيب حبات التمر والمعجّنات من صنع يدها، تمسح قنينة المربّى بطرف عباءتها، ثم تجلس قرب النافذة صامتة.

الكوت في تلك السنوات، مدينة يغلب عليها الغبار أكثر من الضوء، يهبط عليها الليل مبكراً، كأنّه يعرف أن لا شيء يستحق السهر. تنام بعد العشاء بقليل، تخفت الأصوات، وتغلق الدكاكين أبوابها الخشبية، ويفرغ السوق إلا من وقعِ خطواتٍ بعيدة

أو نباحِ كلاب شاردة في الأزقة المعتمة. حتى المقاهي كانت تبدو حزينة، رجال صامتون يشربون الشاي كأنّهم ينتظرون شيئًا لن يأتي.

كنا نسمع خرير الماء عند السدّة، وصفير الحراس البعيد، فنشعر أن المدينة كلّها

ليست سوى ممرّ طويل إلى السجن.

في ساعات الصبح الأولى، حين نهضنا متجهين إلى السجن، كانت الأم تمشي بصعوبة، تخطّ بقدميها، تئن في الطريق مثل امرأة فقدت وليدها للتوّ.

الجميع كان منشغلاً بلحظة المواجهة، يتساءلون مع بعض: كيف سيبدو وجه الأب، هل ضعف؟ هل مرض؟ هل ما زال يحتفظ بابتسامته القديمة؟ هل يحقُّ للأم أن تبكي أمامه، أم يجب أن تتظاهر بالقوة؟

في لحظة المواجهة، ابتسم الأب بتلك الطمأنينة الغريبة التي يمتلكها السجناء أحياناً،

كأنّه هو الحرُّ الطليق الوحيد، بينما البلاد كلّها كانت داخل قفص أكبر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هنيدس: في مناسبة ما ونحن نتذكر وقائع تلك السنوات مع الصديق د. جليل العطية، وأحداث مدينته (الكوت)، أفادني: أن هنيدس انضم إلى (الحرس القومي) بعد انقلاب شباط 63، و(لعب ما لعب).