اخر الاخبار

كشف تقرير ديوان الرقابة المالية النقاب عن 530 ملفاً مختلفاً من المخالفات المالية؛ تراوحت بين العجز المحاسبي، وعدم تطابق الأرقام، وصولاً إلى الغموض في عقود البيع والشراء، والتي بدأت قيمتها من 500 ألف دينار وتصاعدت لتصل إلى 27 تريليون دينار.

وفقاً للتقرير، سجلت وزارة النفط أكبر عدد من الملاحظات المالية بـ 42 ملفاً وبقيمة بلغت 27.5 تريليون دينار. وجاءت وزارة الكهرباء في المرتبة الثانية بـ 20 ملفاً وبقيمة 5.7 تريليون دينار، بينما حلت محافظة واسط في المرتبة الثالثة بـ 49 ملفاً وبقيمة 2.1 تريليون دينار.

رصد التقرير الصادر عن ديوان الرقابة المالية الاتحادي لعام 2025، المكون من 713 صفحة، أكثر من 4,728 مؤسسة في 23 وزارة و15 محافظة. ومن بين إجمالي النتائج المالية، تم العثور على 530 ملفاً لمخالفات تسببت في أضرار مالية، حيث وصل إجمالي المبالغ المرصودة إلى 39 تريليون دينار (حوالي 30 مليار دولار).

نسلط الضوء هنا على تفاصيل التقرير الخاصة بالوزارات والمحافظات والمؤسسات، مع التركيز على عينة من المخالفات المالية في وزارة النفط، والتي تشكل وحدها 70% من إجمالي قيمة المخالفات المسجلة في تقرير عام 2025.

 

المخالفات المالية حسب الوزارات والمحافظات والمؤسسات

سُجلت مخالفات في معظم الوزارات والمؤسسات والمحافظات العراقية، لكن مستوياتها تفاوتت. فمن حيث حجم الأموال المهدورة، تأتي وزارة النفط أولاً، أما من حيث عدد الملاحظات والمخالفات الإدارية، فقد جاءت وزارة الصحة في الصدارة.

وزارة الدفاع (صفحة 185): يشير التقرير إلى مخالفة بقيمة 84 مليار دينار (حوالي 64 مليون دولار) في عقود الوزارة. حيث وقعت الوزارة عدة عقود في يوم واحد مع الشركة نفسها بقيمة إجمالية بلغت 84.1 مليار دينار، في حين أن الدخل السنوي لتلك الشركة في عام 2023 كان 34.1 مليار دينار فقط؛ وذكر التقرير أن "هذا الفارق الكبير يثير شكوكاً جدية حول القدرة المالية للشركة".

وزارة الخارجية (صفحة 202): تواجه ملفين بقيمة تتجاوز 244 مليار دينار. حيث تم توزيع البعثات الدبلوماسية العراقية في الخارج بشكل خاطئ ضمن مجموعات الرواتب (على سبيل المثال، أُدرجت بعض المدن التي لا تقع في منطقة اليورو ضمن مجموعة اليورو)، مما أدى إلى صرف رواتب غير مستحقة للخدمة الخارجية.

وزارة الكهرباء (صفحة 232): تتعلق بدفع مبالغ الكهرباء لإيران بقيمة 2.8 تريليون دينار (2.2 مليار دولار)، مع الإشارة إلى وجود غموض وشكوك في حسابات المصرف العراقي للتجارة  (TBI).

وزارة الصحة (صفحة 319): تتعلق بشراء أدوية السرطان. حيث تم توقيع عقد لتوريد 10,401 عبوة دواء بسعر يزيد بنسبة 8% عن السعر التخميني. وفي هذا العقد البالغة قيمته 28 مليار دينار، تم دفع حوالي 2.2 مليار دينار زيادة عن السعر الحقيقي.

وزارة الزراعة (صفحة 413): من بين 11 ملفاً، كان الأبرز هو عدم استرداد القروض الزراعية. حيث يدان مزارعون في محافظة ذي قار بمبلغ 4.6 مليار دينار مقابل معدات زراعية تسلموها منذ سنوات ولم تُسترد المبالغ حتى نهاية 2024، وهو ما يخالف قانون تحصيل الديون الحكومية.

وزارة الشباب والرياضة (صفحة 458): تم العثور على فرق قدره 14.5 مليار دينار في المصروفات. استلمت الوزارة مبلغ 62.1 مليار دينار من وزارة المالية كمنح للرياضيين الأبطال، لكن المصروف الحقيقي كان 47.6 مليار دينار فقط، ولم يتم توضيح مصير المبلغ المتبقي.

محافظة واسط (صفحة 535): تم العثور على تضارب في مشروع للتطوير العمراني في "حي الجامعة" بقيمة 26.8 مليار دينار، بين تقرير المهندس المقيم حول مشاكل التنفيذ وما ذكرته الجهة المستفيدة.

محافظة بابل (صفحة 588): جاءت في المرتبة الرابعة بـ 15 ملفاً وبقيمة 510 مليار دينار. أحد هذه الملفات يتعلق بإنشاء جسر دون الحصول على إجازة توفير الأرض للطرق الرابطة. وقد أظهرت الزيارة الميدانية لفريق الرقابة المالية أن الجسر ليس له أي فائدة حقيقية، حيث بُني في منتصف أرض زراعية دون طرق مؤدية إليه وتم تركه مهجوراً.

 

وزارة النفط: 42 ملفاً تتجاوز 27.5 تريليون دينار

من أصل 530 ملف مخالفة، هناك 42 ملفاً بقيمة 27.5 تريليون دينار (حوالي 21 مليار دولار) تخص وزارة النفط وحدها، أي ما يعادل 70% من القيمة الإجمالية للمخالفات.

غموض أرصدة الحسابات (صفحة 270): الملاحظة الأبرز هي الغموض في الحجم الكلي لحسابات الوزارة التي بلغت 9.8 تريليون دينار (7.5 مليار دولار) في أرصدة حسابات المدينين العامين، مقابل المؤسسات المستخدمة للنفط الخام دون وثائق قانونية. كما أن 88% من هذه الديون لا تملك تأكيدات قانونية في سجلات الشركات المجهزة.

ضعف شروط الشركات (صفحة 275): مُنح عقد بقيمة 10.6 مليار دينار لشركة لنقل المنتجات النفطية لحساب شركة (سومو)، وقد قدمت الشركة وثيقة قدرة مالية من أحد البنوك رغم عدم امتلاكها حساباً بنكياً خاصاً بها.

فوارق الدفع الإلكتروني (صفحة 266): تم العثور على فرق قدره 1.97 مليار دينار بين مبيعات المنتجات النفطية عبر الدفع الإلكتروني والمبالغ المحولة من قبل شركة البطاقة الذكية، دون أي توضيح لمعالجة هذا الفرق.

منح شهادات إنجاز وهمية (صفحة 264): تم منح شهادة إنجاز مشروع لشركة ما، في حين أن سجلات لجنة التنفيذ نفسها تشير إلى أن 66% فقط من المشروع قد اكتمل.

خسائر قضائية وتعويضات (صفحة 276): أُجبرت شركة نفط البصرة على دفع 2.5 مليون دولار لشركة هولندية بعد خسارة قضية في دبي تتعلق بنزاع حول اتفاقية تسوية مرتبطة بعقد سابق.

 

خاتمة

من بين 530 ملف مخالفة مسجل، هناك 239 ملفاً ترتبط مباشرة بعمليات التعاقد والشراء، بينما صُنفت الملفات الأخرى كمخالفات إدارية وغموض في الحسابات. والمثير للاهتمام هو أن 3 ملفات فقط تم تشخيصها صراحة كقضايا فساد ورشوة.

تقرير عام 2025 سجل ملاحظات على قرابة 39.5 تريليون دينار، وهو ما يمثل حوالي 28% من إجمالي نفقات الحكومة العراقية في ذلك العام التي بلغت 141 تريليون دينار، مما يعد مؤشراً خطيراً على حجم التقصير والهدر المالي في مؤسسات الدولة.

تُعرّف منظمة الشفافية الدولية الفساد بأنه "إساءة استخدام السلطة المؤتمنة لتحقيق مكاسب خاصة". وتؤدي هذه الظاهرة إلى تآكل الثقة العامة، وإضعاف ركائز الديمقراطية، وعرقلة النمو الاقتصادي، وتعميق الفوارق الاجتماعية والفقر. وكل هذه التعريفات والنتائج السلبية تتجسد بشكل واضح في الوضع الحالي للعراق.

في الختام، ركزنا هنا فقط على تقييم الأبعاد المالية والإحصائية، وإلا فإن هناك مجموعة من المخالفات والمخاطر الاستراتيجية طويلة الأمد مثل: ضياع الأراضي بسبب النزاعات، تفشي أحواض الأسماك غير المجازة، عدم جباية الرسوم وأجور الكهرباء، تعطل الأنظمة الإدارية، وتراكم الديون الحكومية بذمة المواطنين. كل هذه العوامل مجتمعة تشكل تهديداً جدياً وتدفع بمستقبل البلاد السياسي والاقتصادي نحو اتجاه مجهول.