كشف مصدر سياسي عراقي مطلع أن رئيس الوزراء علي الزيدي لوح خلال الأيام الماضية بتقديم استقالته إلى مجلس النواب، في حال استمرار "التدخلات السياسية" في عمل الحكومة، وعدم توفير الغطاء اللازم لتنفيذ برنامجه الحكومي، ولا سيما في ملفات مكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة.
وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن "الزيدي أبلغ عددًا من قادة القوى السياسية، وفي مقدمتهم أطراف داخل الإطار التنسيقي، أن استمرار الضغوط الحزبية على التعيينات والمناصب العليا، ومحاولات عرقلة الإجراءات الحكومية، بات يهدد قدرة حكومته على تنفيذ تعهداتها".
وأشار المصدر لـ"إرم نيوز" إلى أن "رئيس الوزراء أكد أنه لن يكون واجهة لحكومة لا تمتلك حرية القرار".
وأضاف المصدر أن "الزيدي يرى أن حملته لمكافحة الفساد وصلت إلى ملفات وشخصيات نافذة، الأمر الذي ولد مقاومة سياسية متزايدة، بالتزامن مع تعثر مسار حصر السلاح بيد الدولة نتيجة تباين مواقف بعض القوى، فضلًا عن ضعف الدعم السياسي للحكومة في مواجهة هذه التحديات، وهو ما دفعه إلى رفع سقف موقفه والتلويح بخيار الاستقالة إذا بقيت الأوضاع على حالها".
أزمات متتالية
ويأتي هذا التطور في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ تشكيلها، إذ تتقاطع أمامها ملفات أمنية واقتصادية وسياسية معقدة، تتطلب توافقًا واسعًا بين القوى الحاكمة.
وتبدو العلاقة بين رئاسة الوزراء وعدد من الأطراف السياسية أقل انسجامًا مقارنة بالأشهر الأولى من عمر الحكومة.
وخلال الأشهر الماضية، دفع الزيدي باتجاه إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية، وإجراء تغييرات واسعة في مواقع قيادية، إلى جانب إطلاق مسار حصر السلاح بيد الدولة، باعتباره أحد أبرز تعهداته الحكومية.
وواجه هذا المسار عقبات متكررة، سواء بسبب تباين مواقف القوى السياسية أم حساسية الملف على المستوى الداخلي والإقليمي.
وفي موازاة ذلك، كثفت الحكومة إجراءاتها في ملفات الفساد، عبر فتح تحقيقات وملاحقات طالت مسؤولين وموظفين كبارًا، واستعادة عدد من الأموال والأصول، وهو ما اعتبرته أوساط سياسية بداية لمرحلة جديدة.
ورأت أطراف أخرى أن استمرار هذه الإجراءات قد يصطدم بمراكز نفوذ سياسية وحزبية تمتلك تأثيرًا داخل مؤسسات الدولة.
كما واجهت الحكومة ضغوطًا متزايدة بسبب الأزمة المالية التي انعكست على تأخر إطلاق بعض المستحقات المالية، فضلًا عن التحديات الأمنية المرتبطة بمنع استخدام الأراضي العراقية في أي صراعات، وهي ملفات وضعت السلطة التنفيذية أمام اختبارات متزامنة تحتاج إلى غطاء سياسي متماسك.
وتشير أوساط سياسية إلى أن العلاقة بين الزيدي وعدد من القوى الداعمة لحكومته لم تعد بالمستوى ذاته الذي رافق مرحلة تشكيلها.
في هذا السياق برزت خلافات بشأن آلية إدارة المناصب العليا، وحدود تدخل الأحزاب في القرار التنفيذي، فضلًا عن اختلاف الرؤى بشأن سرعة تنفيذ بعض الإصلاحات، الأمر الذي انعكس على وتيرة التنسيق السياسي خلال الأسابيع الأخيرة.
رسائل سياسية
بدوره، قال الباحث في الشأن السياسي عبد الله الركابي، إن "تلويح رئيس الوزراء بالاستقالة لا يمكن اعتباره خطوة شخصية بقدر ما يمثل رسالة سياسية موجهة إلى القوى التي تشكل الحاضنة للحكومة".
وأوضح الركابي لـ"إرم نيوز" أن "الزيدي يحاول إيصال رسالة واضحة مفادها أن استمرار الحكومة مرهون بوجود دعم سياسي حقيقي لتنفيذ البرنامج الحكومي، وليس الاكتفاء بالدعم الإعلامي أو الشكلي، لأن أي رئيس وزراء لا يستطيع تنفيذ إصلاحات جوهرية إذا بقيت مراكز القرار موزعة بين المؤسسات الرسمية والقوى السياسية".
وأضاف أن "ملفات مثل مكافحة الفساد وحصر السلاح وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة تمس مصالح قوى نافذة، ولذلك فإن مقاومتها كانت متوقعة، لكن الوصول إلى مرحلة التلويح بالاستقالة يعني أن رئيس الوزراء يريد رفع كلفة تعطيل هذه الملفات على الأطراف السياسية".
وأشار إلى أن "الاستقالة تبقى خيارًا دستوريًا قائمًا، لكنها ليست السيناريو الأكثر ترجيحًا في الوقت الحالي، لأن جميع القوى تدرك أن دخول البلاد في أزمة حكومية جديدة، وسط الظروف الأمنية والاقتصادية الراهنة، سيزيد تعقيد المشهد الداخلي".
ويجمع مراقبون على أن الأسابيع المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة على مواصلة برنامجها الإصلاحي، إذ إن نجاحها في تجاوز هذه الأزمة سيعزز موقعها السياسي، فيما قد يؤدي استمرار الخلافات إلى إبطاء ملفات تعدها الحكومة أولوية، وفي مقدمتها مكافحة الفساد وحصر السلاح وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة.