تصاعد الجدل السياسي والقانوني في العراق بشأن ملف تعويضات ضحايا الإرهاب، بعد تبادل اتهامات بين مسؤولين في "مؤسسة الشهداء" و"مجلس محافظة الأنبار"، وسط حديث عن وثائق ومعاملات يشتبه في تزويرها للحصول على رواتب ومستحقات مالية من الدولة دون وجه حق.
وتضع الاتهامات الجديدة واحدا من أكثر ملفات التعويضات حساسية أمام اختبار قانوني ورقابي، لا سيما مع حديث مسؤول محلي عن امتلاكه وثائق تثبت وجود تلاعب في بعض المعاملات.
وفي حين يؤكد خبير قانوني لـ"إرم نيوز" أن ثبوت تزوير المستندات أو استخدام وثائق غير صحيحة قد يقود المتورطين إلى عقوبات مشددة، فضلا عن إمكانية تدخل هيئة النزاهة وإحالة الملفات المشبوهة إلى القضاء.
وثائق واتهامات بالتزوير
وبدأت الأزمة تتصاعد عقب تصريحات لمدير "مؤسسة شهداء الأنبار" رهيب الهايس، قال فيها إن بحوزته وثائق رسمية تثبت تورط مسؤولين محليين في تمرير معاملات مزورة بهدف الحصول على رواتب ومستحقات مالية بصورة غير قانونية.
واتهم الهايس، في مقطع مصور متداول على وسائل التواصل الاجتماعي، بعض المسؤولين الذين ينتقدون إدارته بالتورط مباشرة في تمرير ملفات وصفها بالمشبوهة.
واستشهد بحالة ثلاث شقيقات لأحد المسؤولين المحليين البارزين في المحافظة، قائلا إن المؤسسة أوقفت رواتبهن ومستحقاتهن وألغت القرارات الخاصة بهن، بعدما كشفت عمليات التدقيق، بحسب روايته، وجود تزوير وتلاعب في تقارير طبية أولية استخدمت ضمن معاملاتهن.
وتأتي هذه الاتهامات في خضم خلاف سابق بين الهايس ومجلس محافظة الأنبار، الذي صوت أعضاؤه بالإجماع، في 7 يوليو الماضي، للمطالبة بإعفائه من منصبه.
مجلس الأنبار يصعد
وفي المقابل، نقل رئيس مجلس محافظة الأنبار حميد العلواني المواجهة إلى مستوى آخر، موجها انتقادات حادة إلى رئيس مؤسسة الشهداء في بغداد عبد الإله النائلي.
وخلال وقفة تضامنية مع ذوي المختفين قسريا نظمتها مؤسسة "الحق لحقوق الإنسان" بمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، اتهم العلواني النائلي بـ"الطائفية" و"سرقة الأمانة"، محملا إدارة المؤسسة مسؤولية حرمان أموات وجرحى وذويهم من مستحقات يقول إنها مقررة لهم قانونا.
كما أعلن تقديم شكوى إلى رئيس الوزراء العراقي، مطالبا بالتدخل لإعفاء النائلي من منصبه وإعادة هيكلة مؤسسة الشهداء، بما يضمن، وفق قوله، وصول الحقوق والتعويضات إلى مستحقيها.
وتكشف المواجهة المتصاعدة بين الطرفين أن الخلاف تجاوز حدود إدارة ملف التعويضات إلى تبادل اتهامات تتعلق بالنزاهة والتلاعب بالاستحقاقات المالية، ما يفتح الباب أمام تحرك الجهات الرقابية والقضائية للتحقق من صحة الادعاءات المتبادلة.
القانون يدخل على الخط
وفي ظل تصاعد الاتهامات، قال الخبير القانوني علي التميمي لـ"إرم نيوز" إن الإجراءات المنصوص عليها في قانون "مؤسسة الشهداء" المعدل لعام 2016 تتضمن سلسلة من مراحل التدقيق والموافقات التي تجعل تمرير المعاملات بصورة مخالفة أمرا صعبا في الظروف الطبيعية.
وأوضح أن إنجاز المعاملة يتطلب المرور بإجراءات تحقق وموافقات متعددة، من بينها تدقيق قاض مختص ومخاطبة عدد من الجهات الرسمية للتثبت من الواقعة التي تستند إليها المطالبة بالتعويض.
لكن التميمي أشار إلى أن صرامة الإجراءات لا تمنع احتمال وقوع خروقات عبر التحايل أو تقديم وثائق ومستمسكات غير صحيحة أو الإدلاء بمعلومات كاذبة، مؤكدا أن مثل هذه الأفعال، متى ثبتت قضائيا، تدخل في نطاق جرائم التزوير.
السجن يصل إلى 15 عاما
وأوضح التميمي أن قانون العقوبات العراقي يتضمن عقوبات مشددة على جرائم تزوير المحررات واستعمال الوثائق المزورة، وقد تصل العقوبة، بحسب طبيعة الواقعة والتكييف القانوني لها، إلى السجن لمدة 15 عاما.
وأشار إلى أن الملفات التي تحوم حولها شبهات فساد أو تزوير يمكن أن تخضع لتحقيق هيئة النزاهة، التي تستطيع إحالة المعاملات المشبوهة إلى محكمة التحقيق المختصة للفصل في مدى صحة المستندات وتحديد المسؤوليات القانونية.
وبذلك لم يعد الخلاف في الأنبار مقتصرا على من يدير مؤسسة أو من يستحق التعويض، بل تحول إلى ملف يمس نزاهة منظومة كاملة تتعامل مع أموال عامة وحقوق عائلات تضررت من سنوات العنف والإرهاب.
وتبقى مهمة القضاء والجهات الرقابية حاسمة في التحقق من الاتهامات المتبادلة، والفصل بين المستحقين الفعليين وبين أي معاملات قد تكون مرت عبر التزوير أو التحايل، بما يحمي حقوق الضحايا من جهة والمال العام من جهة أخرى.