اخر الاخبار

العربي الجديد

رغم تكرار أكثر من مسؤول عراقي بارز في بغداد، خلال الفترة الأخيرة، الحديث عن رؤية "الأمن الخليجي المشترك"، التي اصطلح عليها 6+2، في إشارة إلى دول مجلس التعاون الخليجي الستة إلى جانب العراق وإيران، وهي الدول المطلة على مياه الخليج، إلّا أنّ أي تفاعل لم يُسجل بشأنها من خارج العراق.

الرؤية التي كشف عنها المستشار الأمني في الحكومة العراقية، قاسم الأعرجي، الأسبوع الماضي، تتضمن منظومة أمن خليجية تقوم على "احترام سيادة الدول"، وتهدف إلى "معالجة أزمة الثقة"، بين دول الخليج وإيران. وقال الأعرجي في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي العراقي، إنه "من هذا المنطلق، يؤكد العراق مسؤوليته في ترسيخ سيادة الدولة واستقلال قرارها، وحصر السلاح وقرار السلم والحرب بيدها، ومنع استخدام أراضيه لتهديد دول الجوار، مع انتهاج سياسة خارجية متوازنة تسهم في خفض التصعيد واحتواء الأزمات".

ولم تتبنَّ الحكومة العراقية رسمياً هذه المبادرة، أو وثيقة توضح بنودها، والتي تؤكّد مصادر سياسية في بغداد، أنها طُرحت الشهر الماضي في اجتماع الائتلاف الحاكم "الإطار التنسيقي"، بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي، بوصفها مبادرة عراقية لإيجاد تفاهمات أمنية مع دول الخليج وإيران. غير أنّ مشكلة رئيسة في هذه المبادرة، قد تكون وراء عدم التجاوب معها، إذ إنها تركز على التزام الدول الثمانية المطلة على الخليج بعدم استخدام أراضيها للاعتداء على الدول الأخرى، وهو مطابق للسردية الإيرانية في سياق ذرائع متكرّرة بعد كل اعتداء لها على دول الخليج، بأنها لا تستهدف دول الخليج، بل تستهدف قواعد أميركية موجودة في أراضي هذه الدول وتُستخدم لمهاجمتها، وهو ما تنفيه بطبيعة الحال دول الخليج وكذلك الأردن، دون أن تقدم طهران أي أدلة على هذه المزاعم.

وقال عضو بارز في البرلمان العراقي بالعاصمة بغداد، عن كتلة "الإعمار والتنمية"، أحد مكونات "الإطار التنسيقي"، إن المبادرة العراقية قائمة على مبدأ الحياد في الحرب الحالية على إيران، كاشفاً عن أنها تحظى بقبول قادة الائتلاف الحاكم، لكنها بطبيعة الحال "تفتقر إلى الضامن"، الذي يجعل أي اتفاق قابلاً للاستمرار والالتزام به، خاصة بالنسبة للإيرانيين.

وأضاف النائب الذي طلب عدم الكشف عن هويته، لـ"العربي الجديد"، أنّ المبادرة أو الرؤية العراقية لم تلقَ أي تجاوب من دول الخليج الستة، لكن رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، رحب بـ"أي مبادرة تهدف إلى تخفيف حدة التوتر الحالية".

وأمس الأول الأربعاء، عاد الأعرجي لتقديم المبادرة ذاتها بالقول إن مبادرة "أمن الخليج 6+2"، التي تشمل السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عُمان، إلى جانب العراق وإيران، تقوم على مبدأ "عدم استخدام أراضي أي دولة لتهديد الدول المجاورة"، مشدداً على أنّ بلاده قادرة على "منع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لتنفيذ اعتداءات على دول الجوار".

 

العراق جسراً للحوار

وتهدف بغداد، من خلال المبادرة، إلى إعادة تقديم العراق بوصفه جسراً للحوار بين إيران ودول الخليج، وفقاً للخبير بالشأن الأمني العراقي، أحمد النعيمي الذي أوضح أن المبادرة قُدمت ضمن قنوات اتصال بين العراق ودول خليجية عدة، لكن لم يحصل التجاوب المنتظر معها، عازياً ذلك إلى أسباب عدة، أبرزها أن المبادرة تقوم على مبدأ عدم مهاجمة الدول بعضها بعضاً انطلاقاً من أراضيها، وهو ما تعتبره دول الخليج العربي سردية إيرانية مضللة، للتغطية على الهجمات المتكررة عليها، تحت عنوان استهداف القواعد الأميركية.

ولفت النعيمي لـ"العربي الجديد"، إلى أن هذه الرؤية التي يظهر أنها مدعومة من شخصيات حليفة لإيران داخل العراق، تبدو موجهة ضد الولايات المتحدة، مضيفاً: "لا تريد أي من دول الخليج الخروج من الموقف المستقر نسبياً في هذه الحرب، وهو النأي بالنفس وعدم الاصطفاف مع أي من الجانبين".

من جانبه، قال السياسي العراقي الكردي علي شنكالي، إن ما أعلنه العراق حتى الآن غير مكتمل الملامح، إذ لم يُكشف عن أي وثيقة رسمية تتضمن نقاط أو مبادئ هذه المبادرة، كما أن وزارة الخارجية لم تتحرك بشأنها لغاية الآن، وأوضح شنكالي لـ"العربي الجديد"، أن العراق ذاته، ما زال يواجه مشكلة في تمرير شحنات نفطه عبر مضيق هرمز، وكذلك الهجمات المتكررة على أربيل والسليمانية التي ينفذها الحرس الثوري الإيراني بين وقت وآخر، تجاه مصالح أميركية، أو جماعات كردية معارضة لطهران، إلى جانب تقوية إيران مواقف الفصائل العراقية المسلحة التي ترفض التجاوب مع الدولة العراقية في تسليم سلاحها، وهو ما يجعل أي مبادرات، حتى لو لاقت تجاوباً من الدول الأخرى، غير مضمونة التنفيذ.

وهذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها العراق المبادرة ذاتها، إذ قال وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، نهاية يونيو/حزيران الماضي، إن بلاده اقترحت عقد اجتماع ثماني يجمع كل من دول مجلس التعاون الخليجي والعراق وإيران لبحث ملف الأمن في منطقة الخليج. وذكر حسين في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الايراني عباس عراقجي ببغداد، أن "أمن المنطقة يجب أن يكون من مسؤولية دولها ومن الممكن تشكيل أطر مختلفة لحماية تلك الدول"، مؤكداً استعداد العراق لاستضافة مثل هذا الاجتماع للبحث في هذا الملف فضلاً عن العلاقات الاقتصادية بين دول المنطقة.

ورحب وزير الخارجية الايراني بالمقترح العراقي في المؤتمر الصحافي قائلاً إنّه "يجب إعادة النظر في قضية أمن منطقة الخليج وإيجاد إطار جديد يشمل جميع دول المنطقة دون تدخل أي دولة من خارجها".

وقال عضو البرلمان العراقي السابق محمد الدراجي لـ"العربي الجديد"، إنّ الكثير من الرؤى والمبادرات طرحت في الفترة الأخيرة على مستوى المشهد السياسي العراقي، لا تتجاوز كونها للتداول الداخلي، وليس لها محلّ بالصراع والحسابات السياسية والأمنية بالمنطقة، موضحاً أن قدرة العراق على الاضطلاع بأي دور أمني إيجابي في المنطقة، ستبقى "مرهونة بقدرة الحكومة على ضبط الجماعات المسلحة ومنعها من استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول أخرى، مثل السعودية والأردن والكويت"، واعتبر أن عدم صدور موقف خليجي حول الرؤية العراقية، قد يعود لعدم إيصالها رسمياً، أو "أنهم يرونها محاولة لجعلهم طرفاً في أزمة، لم يكونوا سبباً فيها".