اخر الاخبار

تتحرك قوى داخل "الإطار التنسيقي" العراقي لإعادة بناء مركز القرار السياسي قبل الموعد المفصلي لحصر السلاح في 30 سبتمبر/أيلول، عبر الدفع باتجاه إنشاء ما يسمى "مجلس قيادة الدولة"، في خطوة تقول مصادر سياسية عراقية إنها تتجاوز محاولة منع تفكك الإطار إلى بناء مرجعية سياسية قادرة على تقييد حركة رئيس الوزراء علي الزيدي إذا قرر الانتقال من التفاوض مع الفصائل إلى مواجهتها.

وقال مصدر سياسي عراقي مقرب من "الإطار التنسيقي" لـ"إرم نيوز" إن قوى شيعية بدأت تبحث في الكواليس عن "صيغة تنظيمية جديدة يمكن استخدامها إذا اصطدم الزيدي بالفصائل المسلحة"، موضحاً أن النقاش اكتسب زخماً أكبر مع اقتراب نهاية سبتمبر، وظهور مجموعات مسلحة صغيرة تعمل خارج الهياكل المعروفة للفصائل التقليدية.

وبحسب المصدر، تبدأ الخطة بتشكيل "مجلس قيادة" يشبه من حيث فكرة مركزية القرار نموذج "مجلس قيادة الثورة" في النظام السابق، لكن تحت مظلة الإطار التنسيقي، على أن يتحول تدريجياً إلى مرجعية للقضايا الكبرى بدلاً من بقاء الإطار تجمعاً فضفاضاً للقوى الشيعية.

ويضيف المصدر أن "المسألة لا تتعلق بإعادة تنظيم الإطار فقط"، محذراً من أن منح المجلس سلطة فعلية لمتابعة الحكومة سيؤدي إلى "تقليص دور رئيس الوزراء وتحويله من صاحب القرار التنفيذي إلى منفذ لقرار سياسي يصنع في مكان آخر".

 

الخطة خرجت من الغرف المغلقة

ولا تقف فكرة المجلس عند حدود التسريبات. فقد أعلن رئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي في أغسطس/آب أن الإطار يتجه إلى العمل بصيغة "مجلس قيادة للدولة"، عبر تشكيل لجان وفرق متخصصة تتابع عمل الحكومة وتصوغ رؤى في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.

وتزداد أهمية السؤال في الملف الأمني تحديداً. فالمادة 78 من الدستور العراقي تنص على أن رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة والقائد العام للقوات المسلحة، بينما تمنح المادة 80 مجلس الوزراء صلاحية تخطيط وتنفيذ السياسة العامة والإشراف على مؤسسات الدولة. ولا يتضمن البناء الدستوري العراقي مؤسسة باسم "مجلس قيادة الدولة".

ويلفت المصدر في هذا السياق إلى أن وجود مجلس سياسي داخل تحالف حزبي لا يثير مشكلة دستورية بحد ذاته، لكن الإشكالية تبدأ إذا تحولت قراراته إلى توجيهات ملزمة للسلطة التنفيذية أو امتدت إلى الصلاحيات الأمنية للقائد العام للقوات المسلحة.

 

 من التحالف إلى الوصاية

في تعليقه على هذا التطور، يرى رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، أن الإطار التنسيقي تجاوز تدريجياً حدود وظيفته بوصفه تحالفاً سياسياً، بعدما أصبح القوة التي يأتي منها رئيس الوزراء ونحو نصف أعضاء الحكومة، واتجه إلى ممارسة دور أقرب إلى الوصاية السياسية على الحكومة وقراراتها.

ويشير الشمري في تعليق لـ "إرم نيوز" إلى أن المشكلة مع "مجلس قيادة الدولة" لا تكمن في اجتماع قادة الإطار أو اتفاقهم على برنامج سياسي، وإنما في انتقال هذه التفاهمات إلى مستوى صناعة القرار التنفيذي وفرض اتجاهات على الحكومة.

وبحسب قراءته، فإن تحويل المجلس إلى مركز يحدد السياسات والاتجاهات العامة، بينما تترك للحكومة مهمة التنفيذ، من شأنه أن يخلق مركز قرار موازياً للسلطة التنفيذية، ويثير تساؤلات دستورية بشأن حدود صلاحيات التحالفات السياسية وعلاقتها بالحكومة والمؤسسات الرسمية.

 

عقدة اسمها 30 سبتمبر

تشير معلومات المصدر السياسي إلى أن توقيت إعادة ترتيب الإطار ليس منفصلاً عن العد التنازلي لمهلة حصر السلاح. فقد كشفت رويترز في 9 سبتمبر/أيلول أن الزيدي تعهد خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمعالجة سلاح الفصائل المسلحة بحلول 30 سبتمبر، بالتزامن مع انسحاب ما تبقى من قوات التحالف الدولي، لكن عدداً من أقوى الفصائل المتحالفة مع إيران يرفض تسليم سلاحه.

وتقدر مصادر أمنية تحدثت إلى الوكالة قوام ما يُسمى "المقاومة الإسلامية في العراق" بنحو 50 ألف مقاتل، مع امتلاكها صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيرة وقدرات عسكرية تجعل فرض عملية نزع سلاح بالقوة خياراً بالغ الخطورة.

والأخطر أن اختبار سلطة الدولة بدأ قبل انتهاء المهلة. ففي الأيام الماضية، أثبت التحقيق العراقي أن طائرات مسيرة استهدفت السعودية انطلقت من الأراضي العراقية، وأقال الزيدي قائداً عسكرياً مسؤولاً عن العمليات في ميسان ضمن الإجراءات التي أعقبت الهجمات، كما اتخذت السلطات إجراءات أمنية إضافية على الحدود مع إيران.

وتضع هذه الإجراءات سيناريو ما بعد 30 سبتمبر في صورة أكثر وضوحاً، ذلك أن رئيس الحكومة علي الزيدي يحاول استخدام المؤسسات الأمنية لمنع نشاط مسلح عابر للحدود، مقابل قوى مسلحة وسياسية تخشى أن تتحول المهلة إلى بداية تفكيك منظومة السلاح التي تشكلت خلال العقدين الماضيين.

 

سلاح خارج السيطرة التقليدية

يشير المصدر السياسي خلال حديثه لـ"إرم نيوز" إلى أن أحد دوافع التحرك داخل الإطار هو القلق من ظهور مجموعات مسلحة جديدة لا تعمل بالضرورة ضمن التسلسل القيادي التقليدي للفصائل؛ ما يجعل أي حادث أمني قادراً على جر الحكومة إلى مواجهة لا تستطيع القيادات السياسية الشيعية احتواءها بالطريقة القديمة.

وتدعم ذلك معلومات سبق أن كشفها "إرم نيوز" استناداً إلى مصادر عراقية، عن إنشاء الحرس الثوري الإيراني خلايا صغيرة وسرية داخل العراق، يعمل بعضها خارج التسلسل القيادي للفصائل التقليدية وترتبط مباشرة بالحرس الثوري.

وتزداد خطورة هذا السيناريو مع الهجمات الأخيرة المنطلقة من الأراضي العراقية؛ إذ يصبح السؤال ليس فقط ما إذا كانت الفصائل الكبرى ستوافق على تسليم أسلحتها، وإنما أيضاً من يسيطر فعلياً على الشبكات الصغيرة القادرة على تنفيذ عمليات بالمسيّرات.

وهنا، وفق المصدر، تظهر إحدى الوظائف المحتملة لـ"مجلس القيادة"، عبر إنشاء مركز سياسي شيعي قادر على التدخل قبل أن يتحول أي قرار يتخذه الزيدي ضد مجموعة مسلحة إلى مواجهة واسعة بين الحكومة والفصائل.

 

من يملك القرار؟

وبحسب المصدر المقرب من الإطار، فإن الخلاف أعمق من مستقبل الفصائل؛ لأنه يتعلق بمن يملك القرار النهائي داخل النظام السياسي.

ويقول إن إنشاء مجلس يملك حق رسم السياسات الأمنية أو فرضها على الحكومة "سيكون استهدافاً لصلاحيات الزيدي وللتفاهمات التي قامت عليها علاقته بواشنطن"، خاصةً في ملف حصر السلاح ومنع استخدام العراق منصة لشن هجمات على دول الجوار.

وتزداد دلالة المشروع مع الانتقال من مجرد الحديث عن "مجلس قيادة" إلى تشكيل فرق سياسية واقتصادية وأمنية داخله، ولا سيما أن الفريق الأمني يفترض أن يتابع ملفات ترتبط بالقوات المسلحة والأمن، وهي ملفات تقع دستورياً في صلب اختصاصات الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة.

وهكذا قد يتحول يوم 30 سبتمبر من مجرد نهاية مهلة لمعالجة ملف السلاح إلى بداية اختبار آخر داخل بغداد. فإذا مضى الزيدي في استخدام صلاحياته التنفيذية والأمنية ضد الفصائل أو المجموعات المسلحة الجديدة، فقد لا يجد أمامه القوى المسلحة وحدها، وإنما يجد صراعاً سياسياً حول حدود سلطته نفسها.