تعمل فصائل عراقية مسلحة على تجهيز نموذج بديل يسمح بالاحتفاظ بجزء من قدراتها العسكرية خارج أي اتفاق مقبل لحصر السلاح بيد الدولة، عبر تحويل جماعات واجهة مثل "أصحاب الكهف" إلى شبكات صغيرة لا تمتلك مقرات أو معسكرات أو مخازن مسجلة باسمها، ويمكن تشغيلها عند الحاجة بأسلحة وعناصر توفرها الفصائل الكبرى.
وكشف مصدر أمني عراقي لـ"إرم نيوز" أن هذا النموذج يجري إعداده بالفعل بالتزامن مع المفاوضات الجارية بشأن "تنظيم السلاح"، باعتباره أحد الخيارات التي تسمح للفصائل بالتخلي ظاهرياً عن مقرات وأسلحة معروفة، مع الاحتفاظ بشبكة عسكرية موازية يصعب إخضاعها لأيّ عملية جرد حكومية.
وقال المصدر إن "أصحاب الكهف" يمثلون النموذج الأكثر وضوحاً لهذا النوع من التنظيمات، إذ لا يوجد عملياً جيش مستقل يحمل هذا الاسم بالمعنى التقليدي، ولا قيادة علنية أو قواعد ومخازن خاصة به، وإنما شبكة تستخدم عناصر وأسلحة وبنية لوجيستية تعود أساساً إلى فصائل أكبر.
وصنّف المصدر "أصحاب الكهف" ضمن جماعات الواجهة المستخدمة من قبل الحرس الثوري الإيراني لإخفاء هوية الجهات الحقيقية المنفذة للهجمات، مشيراً إلى ارتباطها بحركة النجباء. كما أشار إلى أن التنظيم تخلى في مارس/آذار 2026 عن اسم "كتائب صرخة القدس"، الذي استخدمه منذ 2024، وعاد إلى اسم "أصحاب الكهف" مع عودة تركيز عملياته إلى الساحة العراقية.
فصيل بلا جيش
بحسب المصدر، تقوم الآلية على ما يمكن وصفه بـ"الاستدعاء التكتيكي"، حيث يُنتدب عناصر من تشكيلات مرتبطة خاصةً بحركة النجباء وكتائب حزب الله لتنفيذ مهمة محددة، ويتسلمون السلاح والمعدات قبل العملية، فيما يظهر اسم "أصحاب الكهف" في مرحلة التبني الإعلامي.
ولا تحتاج هذه الآلية إلى إنشاء ترسانة مستقلة يمكن للأجهزة العراقية اكتشافها أو إدراجها على قوائم حصر السلاح؛ لأن الأسلحة الثقيلة والمسيّرات والصواريخ تبقى موزعة بين مخازن الفصائل الأم وشبكات لوجيستية سرية.
ويقول المصدر: إن جرف الصخر شمال بابل يمثل أحد أهم أعماق هذه الشبكة، وتوجد فيه مستودعات وورش ومواقع مرتبطة بالفصائل المسلحة، فيما تنتشر حول بغداد مخازن تكتيكية أصغر تستخدم لنقل الأسلحة وتجهيز العمليات.
وتحدث المصدر عن شبكة تمتد إلى أطراف أبو غريب والراشدية ومناطق من حزام بغداد، إضافة إلى مواقع في ديالى وصلاح الدين، بينما تؤدي المناطق الممتدة باتجاه القائم والحدود السورية وظيفة مختلفة مرتبطة بحركة الأسلحة والقدرات بعيدة المدى.
من المخزن إلى "النقطة الميتة"
يشرح المصدر أن الخلية المنفذة لا تحتاج، وفق هذا النموذج، إلى معرفة مكان المستودع الرئيس أساساً، إذ يمكن نقل السلاح إلى مخزن عبور، ثم إلى نقطة تسليم متفق عليها قبل العملية.
ويضيف أن الفصل المعلوماتي بين حلقات الشبكة يمثل إحدى وسائل حمايتها؛ فالعنصر المسؤول عن التخزين قد لا يعرف أفراد مجموعة التنفيذ، بينما يمكن تسليم المعدات عبر وسيط أو رمز أمني، ثم تفكيك الخلية أو إعادة عناصرها إلى تشكيلاتهم بعد انتهاء المهمة.
وبذلك يصبح السؤال الذي تواجهه الحكومة أكثر تعقيداً من مجرد معرفة عدد الصواريخ والمسيّرات الموجودة لدى كل فصيل، وهو كيف يمكن حصر سلاح تنظيم لا توجد مستودعات باسمه، ولا يعرف رسمياً عدد عناصره، وقد لا يكون منفذو عملياته أعضاء دائمين فيه؟
الكعبي يخرج من الظل
وجاء موقف "أصحاب الكهف" هذا الأسبوع ليقدم مؤشراً إضافياً إلى الجهة السياسية والعسكرية الأقرب إليه. ففي 21 سبتمبر/أيلول، أعلن التنظيم أن أي حديث عن تنظيم سلاحه يجب أن يسبقه خروج القوات الأجنبية، بما فيها الأمريكية والتركية، لكنه أنهى بيانه بإعلان "الالتزام التام والثقة المطلقة" بأمين عام حركة النجباء أكرم الكعبي.
ويرى المصدر أن الإعلان لا يمثل انتقالاً جديداً للقيادة إلى الكعبي بقدر ما يمثل إشهاراً لعلاقة قائمة، وجاء توقيته في ذروة الضغط الحكومي على الفصائل ليضع "أصحاب الكهف" ضمن المعسكر الأكثر تشدداً في رفض تسليم السلاح.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية لأن الجماعة لا تعلن قيادة تنظيمية رسمية، رغم ظهور اسمها منذ 2019 وتبنيها أو تهديدها بتنفيذ عمليات ضد مصالح أمريكية وتركية وإسرائيلية.
خطة لما بعد حصر السلاح
الأخطر، وفق المصدر الأمني، أن أهمية النموذج ستزداد إذا اضطرت الفصائل الكبيرة إلى تسليم مقراتها وأسلحتها المعروفة أو دمج جزء من مقاتليها في المؤسسات الرسمية.
ويقول إن الخطة تقوم على إبقاء القدرات الأكثر حساسية ضمن شبكات صغيرة غير مرتبطة إدارياً بالألوية التي ستخضع للجرد، مع نقل ما يلزم من بعض المستودعات المعروفة إلى مواقع أقل ظهوراً قبل اكتمال عملية حصر السلاح.
وتتيح جماعات الواجهة في هذه الحالة طبقة إضافية من الإنكار؛ فالهجوم يمكن أن يظهر باسم "أصحاب الكهف"، بينما لا توجد ثكنة تحمل الاسم يمكن للحكومة إغلاقها أو قيادة معلنة يمكن مساءلتها أو مخزن رسمي يمكن مصادرته.
وتأتي المعلومات في وقت دخل فيه "أصحاب الكهف" فعلياً ضمن ملف المفاوضات المتعلقة بالسلاح، إلى جانب النجباء وكتائب حزب الله وفصائل أخرى، بينما تتمسك الحكومة بأن قرار الحرب والسلم والسلاح يجب أن يكون بيد الدولة.
إعادة إنتاج السلاح لا تسليمه
يرى الباحث السياسي العراقي رعد هاشم أن تجربة "أصحاب الكهف" تقدم نموذجاً على كيفية تعامل الفصائل المسلحة مع الضغوط التي تجعل العمل بأسمائها الأصلية مكلفاً.
ويرفض هاشم اعتبار ظهور هذه الجماعات انشقاقات حقيقية عن القوى التقليدية، ويصفها بأنها "انشطار يصب في خدمة هذه القوى"، عبر إنتاج مسميات مختلفة توفر التمويه وتبعد الشبهات وتسمح باستمرار النشاط من دون تحميل الفصيل الأم المسؤولية المباشرة.
من جهته، يرى الباحث محمد صالح الفتيح أن هذا النموذج يتناسب مع الطريقة التي تعاملت بها إيران تاريخياً مع الضغوط التي تواجه شبكاتها المسلحة، إذ يجري تغيير الشكل التنظيمي مع الحفاظ على القدرة العملياتية.
ويقول الفتيح إن "المشكلة في التعامل مع الفصائل باعتبارها مجموعة ألوية ومقرات ومستودعات يمكن جردها وتسلم مفاتيحها. الشبكات المرتبطة بإيران تستطيع فصل السلاح عن الاسم التنظيمي وفصل المقاتل عن الوحدة التي ينتمي إليها، ثم إعادة جمع الاثنين عند الحاجة. وهنا تصبح جماعات الواجهة مفيدة للغاية؛ لأنها تمنح العملية اسماً من دون أن تكشف بالضرورة بنيتها الحقيقية".
ويختم بأن "نجاح حصر السلاح سيتوقف لذلك على قدرة الدولة على تفكيك سلسلة التمويل والتخزين والقيادة والسيطرة، وليس على عدد المقرات التي تتسلمها. فإذا بقيت هذه السلسلة، يمكن للفصيل أن يختفي على الورق بينما تبقى قدرته العسكرية موجودة في الميدان".