كشفت مصادر عراقية مطلعة لـ"العربي الجديد"، عن تقارب بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيال ملف حصر سلاح الفصائل المسلحة الحليفة لإيران في العراق، والمدة الجديدة المقدمة من قبل العراق. والتقى ترامب الزيدي الثلاثاء على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ولا تكمن أهمية اللقاء بمضمونه فحسب، بل بمستوى الحضور الأميركي، حيث شارك فيه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، المسؤول عن العقوبات التي طاولت شخصيات وجهات عديدة بالعراق مرتبطة بإيران، وكبيرة موظفي البيت الأبيض، سوزان وايلز مقابل حضور الزيدي من دون أي عضو من أعضاء الوفد العراقي.
ووفقاً للمتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، فإن لقاء الزيدي مع ترامب وضع ملامح واضحة للمرحلة المقبلة في العلاقة بين بغداد وواشنطن، مبيناً في تصريح لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أن "رئيس الوزراء جدد خلال اللقاء عزم الحكومة وانتظام قرارها في توحيد القرار الأمني وحصر السلاح بيد الدولة، والمضي في استكمال مقومات السيادة وفق الدستور".
وتزامن ذلك، مع تصريحات واضحة لروبيو، جدد تأكيده فيها، دعم بلاده لجهود الزيدي بحصر السلاح تحت سيطرة الحكومة، وقال روبيو، بشأن الاجتماع مع الزيدي "ليس لدينا أدنى شك في التزامه بالقيام بذلك. نحن ندرك أن هذا تحدٍّ هائل وصعب، وأعتقد أنه حقق أموراً معينة". وأضاف "نزعت ثلاث ميليشيات على الأقل سلاحها، وانضمت عملياً إلى الحكومة الوطنية، وهناك عدد آخر، إحداها على الأقل على وجه الخصوص، لم تُبدِ القدر نفسه من التجاوب، ونحن ندرك أن ذلك سيمثل تحدياً حقيقياً سيكون عليه التعامل معه".
وأكد دعم واشنطن للزيدي، قائلاً "كما قلنا له، نريد له أن ينجح. ونعتقد أنه يمنح العالم والعراق أفضل فرصة للنجاح". وأعرب وزير الخارجية الأميركي عن اعتقاده بأن لدى الزيدي "النيات الصحيحة، والدوافع الصحيحة"، ووصفه بأنه "ذكي جداً وشريك مستعد للغاية في هذا الصدد، وسنفعل كل ما في وسعنا لمساعدته على تحقيق نتائج، لأننا نؤمن بشدة بأنه يريد لهذا الأمر أن ينجح، ونحن نريد له أن ينجح".
وأشارت مصادر عراقية إلى أن اللقاء كان إيجابياً، وعكس تقارباً بشأن ملف حصر السلاح، وقال مصدر حكومي مطلع، لـ"العربي الجديد"، طالباً عدم الكشف عن هويته، إن "الزيدي أكد أثناء الاجتماع التزامه بحصر السلاح، فيما أبدى ترامب استعداده لمواصلة دعم جهود الزيدي بإتمام هذا الملف". وأضاف أن "المعلومات تؤكد أن هناك توافقاً بشأن الموعد الجديد المقترح من قبل الزيدي، على أن يكون الموعد نهائياً وحاسماً ولا تمديد آخر له".
وأعلن الزيدي جدولاً زمنياً يمتد حتى 30 يونيو/ حزيران العام المقبل لنزع سلاح الفصائل. وجاء إعلان الزيدي بمثابة إلغاء المهلة المعلنة من جانبه، والتي تنتهي في 30 سبتمبر/ أيلول الحالي، وسط استمرار تعنّت مليشيات حليفة لإيران في التجاوب مع الحكومة في هذا الملف.
وأبدى النائب العراقي عزة الشابندر، تفاؤلاً بشأن مجريات الحوار بين الزيدي وترامب، وقال في بيان، إن "نجاح رئيس الوزراء في تفادي العراق لتهديدات ترامب المرتجلة وكسب الوقت لغاية حزيران 2027 يوفر فرصة ذهبية للقيادات السياسية والميدانية لبدء حوار وطني جاد ومسؤول باتجاه إعادة بناء الدولة على اُسس وطنية سليمة، تحقق السيادة والاستقرار والتطور اللازم لخدمة أبناء شعبنا".
يجري ذلك في وقت تشير فيه تصريحات عراقية الى أن الملف يحتاج إلى وقت لإتمامه، وأن هناك حواراً غير مباشر مع الفصائل لتسليم سلاحها. وتؤشر التطورات إلى أن الاختبار المقبل للزيدي سيكون في الداخل العراقي تحديداً، إذ يتعين عليه هذه المرة الإيفاء بهذا الالتزام وتحويل الدعم الأميركي إلى مساحة وفرصة لتفكيك الملف، وأن يبدأ بخطوات عملية تثبت حسن نيته بإنجاز الملف، ولا سيما أن المجريات تثبت أن واشنطن لا تتعامل مع سلاح الفصائل على أنه مطلب أميركي مؤقت، وإنما جزء أساسي في العلاقة المشتركة بين البلدين.
"بلقنة العراق" لروبيو تثير جدلاً
من جهة أخرى، أثار استخدام وزير الخارجية الأميركي مصطلح "بلقنة العراق"، في سياق تصريحه بشأن تعقيدات ملف حصر سلاح الفصائل، موجة من الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية العراقية، بعدما ربط للمرة الأولى بصورة مباشرة بين استمرار السلاح خارج سيطرة الدولة وبين احتمال تعرض العراق لخطر التفكك، وبينما لم يصدر عن الحكومة العراقية حتى الآن أي تعليق رسمي، تحول التحذير إلى موضوع مثير على منصات التواصل الاجتماعي.
وشدد روبيو أمس على ضرورة نزع سلاح الفصائل لتفادي ما أسماه "بلقنة" العراق، في إشارة إلى احتمال تحول البلاد إلى كيانات متنافسة ومتنازعة على أسس عرقية أو طائفية أو مناطقية. ويرى مراقبون أن خطورة المصطلح لا تكمن في كونه توصيفاً لمشكلة أمنية فحسب، بل في أنه يستحضر تجربة تفكك الدول والحروب التي ترافقت انهيارها، الأمر الذي جعل استخدامه في الملف العراقي يقرأ على اعتباره تحذيراً أميركياً من أن عدم حسم ملف السلاح خارج إطار الدولة، قد يتحول من مشكلة تتعلق بسيادة الدولة إلى أزمة تهدد تماسكها. ويرى الناشط المدني، علي الهاشمي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "عبارة روبيو تضع بغداد أمام اختبار مختلف، فواشنطن لا تتحدث فقط عن إنهاء الهجمات أو تنظيم العلاقة بين الفصائل والمؤسسات الأمنية، بل تربط القضية بصورة مباشرة بمستقبل الدولة العراقية ووحدتها".
وكان الزيدي قد استبق اللقاء بتعهد أطلقه من نيويورك، بإنهاء ملف حصر سلاح الفصائل الموالية لإيران وحلها بحلول يونيو/حزيران 2027، مؤكداً أنه ستكون هناك أولاً فترة مدتها 90 يوماً لا تشن خلالها الفصائل أي هجمات، مقابل تلقيها ضمانات بعدم تعرّضها لهجمات من القوات الأميركية، وبعد ذلك، ستبدأ الفصائل بتسليم أسلحتها على أن ينجز الملف في الموعد المحدد.
وينقل، مصطلح "بلقنة العراق" النقاش حول ملف سلاح الفصائل من مجرد خلاف ومخاوف إلى زاوية أكثر حساسية، تتعلق بمستقبل وشكل البلاد نفسها، وهو ما قد يجعل المهلة التي يسعى الزيدي لتمديدها لإنجاز الملف حاسمة بالنسبة لقدرة الحكومة على إدارة الملف من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.