العربي الجديد
يشهد ملف المحتجزين السوريين المنقولين من شمال شرقي سورية إلى السجون العراقية تعقيدات بالغة، لا سيما بعد رفض الحكومة العراقية طلباً رسمياً تقدمت به دمشق لاسترداد نحو 4 آلاف معتقل سوري من العراق كانوا محتجزين في سجون كانت تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) قبل تسلم الحكومة الجديدة في دمشق تلك المقار مطلع العام الحالي.
وتعود جذور الأزمة بين العراق وسورية إلى عمليات النقل والتسليم واسعة النطاق التي جرت على مراحل متعاقبة منذ عام 2019 وحتى ذروتها مطلع عام 2026 بالتزامن مع الهجوم الذي شنّته الحكومة السورية لاستعادة السيطرة على شمال شرقي البلاد، حيث شملت تلك العمليات، وفقاً لتقارير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، ما لا يقل عن 6547 محتجزاً، بينهم 4743 مواطناً سورياً (من ضمنهم عشرات الأطفال واليافعين)، فضلاً عن 1804 محتجزين أجانب ينتمون إلى نحو 61 جنسية، وسط إشراف وتمويل جزئي من التحالف الدولي والولايات المتحدة من سجون بارزة كـ"سجن الصناعة (غويران) و"سجن علايا" و"الكامب الصيني".
وفي هذا السياق، كشف مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم العبودي، في تصريحات لوكالة "أسوشيتد برس"، الخميس (8 أكتوبر/تشرين الأول)، عن عقد اجتماع جمع مسؤولين عراقيين وسوريين بحضور أطراف أميركية، مبيناً أن سورية طلبت رسمياً تسليم أربعة آلاف سجين سوري لمحاكمتهم داخلياً، إلا أن بغداد رفضت الطلب، مع الإشارة إلى إعادة نحو 50 معتقلاً سورياً ثبت عدم انتمائهم لتنظيم "داعش"، وبقاء نحو 400 محتجز يُعتقد أنهم من كبار قيادات التنظيم، بينما يستكمل القضاء العراقي (عبر محكمة تحقيق الكرخ الأولى) إجراءات ملفات آلاف المحتجزين تمهيداً لإحالتهم إلى محكمة الموضوع (الجهة المختصة بالنظر والفصل في الدعوى)، وسط تحذيرات حقوقية واسعة من منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" والشبكة السورية لحقوق الإنسان من تعرض المحتجزين لخطر التعذيب والمحاكمات غير العادلة وعقوبة الإعدام.
أساس قانوني للمطالبة
وفي ظل هذا المشهد، تبرز آراء الخبراء والمختصين كركيزة أساسية لفهم الأبعاد القانونية والسياسية للملف. ويرى الخبير القانوني المعتصم الكيلاني، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن مطالبة سورية بتسليم المعتقلين السوريين الموجودين في العراق لمحاكمتهم أمام قضائها تستند إلى أساس قانوني معتبر، متى تعلقت بأفعال ارتكبت على الأراضي السورية وتوافرت شروط الملاحقة والتسليم، مبيناً أن الاختصاص الإقليمي للقضاء السوري، إلى جانب الاختصاص المستند إلى جنسية المتهم، يدعم هذه المطالبة مع وجوب احترام مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وعدم تطبيق أحكام جزائية أشد بأثر رجعي.
ويقتضي تنفيذ هذا المسار تعاوناً قضائياً رسمياً بين سورية والعراق، وفقاً للاتفاقيات النافذة، يقوم على دراسة ملف كل معتقل بصورة فردية، وتحديد الوقائع والتهم والأدلة وأساس الاختصاص، وتسوية أي تزاحم بين اختصاص القضاء في البلدين، دون إهدار حق الضحايا في العدالة أو حقوق المتهمين في الدفاع والمحاكمة العادلة.
ويشير الكيلاني إلى أن تولي هذا الملف مهمة بالغة الخطورة والمسؤولية لما تنطوي عليه من قرارات تمسّ حرية آلاف الأشخاص وسلامتهم وحقوق ضحايا انتهاكات جسيمة ومصداقية العدالة السورية، محذراً من أن أي إخفاق في إدارة هذه المهمة قد يؤدي إلى احتجاز تعسفي أو إدانة أبرياء أو إفلات مسؤولين عن الانتهاكات من العقاب. ولذلك، يجب أن يقترن دعم التسليم بتوافر ضمانات قانونية ومؤسسية فعلية قبل تنفيذه، تشمل قضاءً مستقلاً ومحايداً ومختصاً ومنشئاً بحكم القانون، وإجراءات شفافة تخضع للرقابة، واحترام قرينة البراءة، وحق الاستعانة بمحامٍ والطعن في الاحتجاز والأحكام، والتحقيق في ادعاءات التعذيب واستبعاد الأقوال المنتزعة به، وحماية الضحايا والشهود، وضمان عدم تعريض أي شخص لخطر التعذيب عند نقله، إضافة إلى الإفراج عمن لا يوجد سند قانوني لاستمرار احتجازه ومراعاة الضمانات الخاصة بالأطفال.
ويرى الكيلاني أن أهلية القضاء السوري لتولي هذه المسؤولية تحتاج إلى بناء مؤسسي جاد، وتأهيل علمي وقانوني متخصص، وقدرات للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة وحفظ الأدلة وتقييمها، لافتاً إلى أن الذين صدرت بحقهم أحكام عراقية نهائية تختلف أوضاعهم قانونياً، وقد يتطلب نقلهم إلى سورية اتفاقاً أو ترتيباً ثنائياً يتيح تنفيذ بقية العقوبة هناك، مع ضرورة التحقيق في ادعاءات الاعتقال الكيدي أو التعذيب وضمان حق المتهمين في الاطلاع على ملفاتهم والطعن في قانونية توقيفهم.
انتظار التفاهمات بين العراق وسورية
من جهته، يعرب المحلل السياسي فراس علاوي عن اعتقاده بأن الرفض العراقي إذا لم يكن مناورة سياسية أو ورقة ضغط، يشير إلى عدم الوصول إلى تفاهمات أمنية بين الحكومتين السورية والعراقية، كما يشير إلى أن لدى الجانب العراقي مطالب من الجانب السوري ويستخدم ورقة المعتقلين السوريين للضغط على الحكومة السورية. وبحسب علاوي، في حديثه مع "العربي الجديد"، فإن عدداً لا بأس به من المعتقلين السوريين هم أبرياء وجرى اعتقالهم لأسباب تتعلق بطبيعة المنطقة التي اعتقلوا فيها والقوى التي اعتقلتهم والظروف المحيطة بذلك المتعلقة خاصة بعمليات الانتقام نتيجة تعاقب السيطرات حيث تقوم كل قوة مسيطرة جديدة بالانتقام من شخصيات محسوبة على القوى المسيطرة السابقة، إضافة إلى الخلافات في المنطقة أو بسبب وشايات كيدية أو لمواقف المعتقلين السياسية المعارضة لقسد.
في السياق ذاته، يرى الباحث في مركز جسور وائل علوان أن ملف المعتقلين المتهمين بالانتماء إلى "داعش" يمثل معضلة كبيرة، لكن التطورات التي شهدتها المنطقة، ومنها مسار دمج "قسد" بالحكومة السورية وانضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب، يمكن أن توفر مدخلاً لمعالجة الملف، موضحاً أن الحكومة السورية يفترض أن تكون الجهة السيادية المسؤولة عن التحقيق مع مواطنيها بالتنسيق مع التحالف الدولي، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى وجود حاجة لإعادة التحقيق في بعض الملفات لأن اعتقال الشخص من جانب "قسد" وإدراجه ضمن قوائم المتهمين لا يعني بالضرورة ثبوت انتمائه إلى التنظيم.
ويتزامن هذا الجمود السياسي والقضائي مع احتجاجات وضغوط من جانب أهالي المعتقلين والتحقيقات الاستقصائية والتقارير الحقوقية التي كشفت عن انتهاكات وعمليات نقل تمّت دون مراجعة قضائية فردية. فقد نظّم أهالي المعتقلين وممثلو المغيبين قسراً عشرات الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية للمطالبة بالكشف الكامل عن قوائم المعتقلين وأماكن احتجازهم والسماح للجان الدولية بزيارتهم، مؤكدين أن غياب المعلومات يضاعف مأساة عائلات أمضى أبناؤها سنوات في الاحتجاز دون تهم واضحة.
كما وثّق التحقيق الاستقصائي الذي أعدته وحدة "سراج" والتقارير الصادرة عن "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" حالات مأساوية عديدة لمعتقلين كيدياً أو سياسياً أو من المدنيين والأطفال الذين أُدرجوا زوراً ضمن قوائم المتهمين بالإرهاب؛ مثل الفتى حسين الحميد (16 عاماً) من دير الزور الذي اعتقل على خلفية خلاف عائلي تحول إلى بلاغ كيدي بانتمائه لـ"داعش" قبل أن يُفاجأ والده بنقله إلى العراق عبر الصليب الأحمر، ومثل شقيق محمد سومر الذي كان يعمل صيدلياً في سجن الصناعة واعتُقل دون تهمة واضحة عقب العصيان، وأقارب إبراهيم عباس المعتقلين منذ عام 2017 لمجرد معارضتهم السياسية، فضلاً عن حالات لعائدين من تركيا وأشخاص محسوبين على فصائل معارضة حاربت "داعش" أصلاً.
وتؤكد هذه الشهادات، إلى جانب تحذيرات الحقوقيين من ضياع الأدلة وانقطاع سلسلة التحقيق وتعرّض المحتجزين للتعذيب الممنهج وقسوة قانون مكافحة الإرهاب العراقي، أن أي حلّ حقيقي يجب أن يتجاوز المناورات السياسية ويرتكز على إنشاء سجل وطني مركزي، وتشكيل لجان قضائية مشتركة ومستقلة تفصل بدقة بين عناصر التنظيم الإرهابي الفعليين وبين المدنيين والأبرياء، لضمان إنصاف الضحايا وصون حقوق الإنسان الأساسية.