أعادت بغداد، خلال الأيام الأخيرة، ترتيب أولويات حماية منشآت النفط ومسارات التصدير البديلة، بعد استكمال خروج القوات الأمريكية من العراق نهاية سبتمبر/أيلول الماضي.
جاء ذلك بالتزامن مع تصاعد الهجمات على الملاحة في مضيق هرمز، وزيادة أهمية الممر الشمالي عبر كركوك وتركيا بالنسبة إلى الصادرات العراقية.
ورفعت التطورات الأخيرة حساسية ملف الطاقة العراقي، بعدما كثفت إيران، خلال الأسبوع الجاري، عملياتها ضد السفن في هرمز، ووسعت نشاطها إلى مناطق قريبة من خليج عُمان، فيما صنفت البحرية الأمريكية مستوى التهديد للملاحة التجارية بأنه "شديد".
وتزامن ذلك مع عودة الإنتاج العراقي في سبتمبر/أيلول إلى نحو 4.4 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى خلال 2026، مع استمرار اعتماد الجزء الأكبر من الصادرات على الخليج.
بغداد تعيد توزيع المسؤوليات الأمنية
يقول مصدر أمني عراقي رفيع، مطلع على ترتيبات قيادة العمليات المشتركة، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن السلطات وسعت نطاق حماية المنشآت النفطية في البصرة وكركوك، إلى جانب محطات الضخ وخزانات التجميع المرتبطة بالطريق الذي ينقل خام الجنوب شمالًا نحو منظومة كركوك - جيهان.
ويشير المصدر إلى أن الخطة الجديدة تمنح شرطة الطاقة والجيش وقيادات العمليات المحلية مسؤوليات أوسع حول موانئ التصدير في البصرة، ومحطات التحميل البرية، والممرات التي تستخدمها صهاريج نقل الخام، مع زيادة التنسيق بشأن تهديدات الطائرات المسيّرة، والصواريخ، ومواقع الإطلاق المحتملة في المناطق الصحراوية والريفية.
وسبق للعراق أن عزز انتشار قواته في محيط حقول البصرة، خلال يونيو/حزيران، بعد هجمات بطائرات مسيرة، وركزت الإجراءات، آنذاك، على المناطق المفتوحة التي يمكن استخدامها لإطلاق طائرات أو صواريخ باتجاه منشآت الطاقة والشركات الأجنبية.
خط الشمال أكثر أهمية
وتضاعفت أهمية كركوك مع بدء العراق، في سبتمبر/أيلول، تجربة نقل خام الجنوب بالشاحنات إلى منشآت التخزين في الشمال، بهدف زيادة التصدير عبر ميناء جيهان التركي، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
ونقلت العملية التجريبية أكثر من 6 ملايين لتر خلال يومين بواسطة 209 صهاريج، فيما كانت الصادرات عبر جيهان تدور قرب 200 ألف برميل يوميًا.
ويذكر المصدر الأمني أن بغداد أضافت بعض محطات التخزين والطرق المرتبطة بكركوك إلى قائمة المواقع ذات الأولوية العالية، مع تشديد حماية نقاط التحميل والتفريغ والمقاطع التي تستخدمها الصهاريج القادمة من الجنوب، لأن أي تعطيل فيها سيؤثر مباشرة بقدرة العراق على استخدام المسار التركي إذا ازدادت المخاطر في الخليج.
ويكتسب هذا المسار وزنًا إضافيًا بعدما أظهرت بيانات رسمية سابقة أن العراق كان يصدر نحو 93 مليون برميل شهريًا عبر هرمز قبل الحرب، ثم تراجعت الكمية في أبريل/نيسان إلى نحو 10 ملايين برميل فقط، ما دفع وزارة النفط إلى زيادة استخدام الطريق الشمالي، والتخطيط لرفع صادرات جيهان إلى 500 ألف برميل يوميًا.
ويؤكد المصدر العراقي أن الحكومة بدأت مراجعة انتشار بعض التشكيلات المسلحة قرب منشآت الطاقة والطرق الإستراتيجية، خاصة الوحدات التي تجمع بين وضع رسمي وعلاقات سياسية أو تنظيمية مع فصائل موالية لإيران، بهدف حصر المسؤولية الأمنية في التشكيلات الخاضعة لسلسلة قيادة حكومية واضحة.
وتشمل المراجعة، وفق المصدر، مناطق في البصرة، وديالى، وكركوك، ومحاور تربط حقول الجنوب بالشمال، مع تجنّب تسليم حماية منشآت أو خطوط ذات أهمية دولية إلى وحدات يمكن أن تتأثر بقرارات فصائلية خارج التسلسل العسكري الرسمي.
وجاءت هذه الترتيبات بعد مغادرة آخر القوات الأمريكية العراق في نهاية سبتمبر/أيلول، في خطوة أنهت وجودًا عسكريًا امتد أكثر من عقدين، فيما حذّر مسؤولون وخبراء عراقيون، آنذاك، من احتمال توسع نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران بعد الانسحاب.
واشنطن تُبقي قناة أمنية من الخارج
ويفيد مصدر في وزارة الدفاع الأمريكية، مطلع على ترتيبات التعاون الأمني مع العراق، لـ"إرم نيوز"، بأن واشنطن أبقت قنوات لتبادل المعلومات والإنذار المبكر مع بغداد بعد خروج القوات، تشمل رصد تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ، ومتابعة الأخطار التي تمس منشآت الطاقة والقوات العراقية.
ويضيف المصدر أن الجانب الأمريكي يركز على حماية البنية التي تخدم الاستقرار الاقتصادي والإقليمي، مع اهتمام خاص بممرات تصدير النفط وشركات الطاقة الأمريكية والأجنبية، ويشجع بغداد على إبقاء مسؤولية الحماية بيد المؤسسات الرسمية، وعدم منح جماعات مرتبطة بإيران نفوذًا مباشرًا حول المواقع الحساسة.
وتأتي هذه الحسابات مع ارتفاع قيمة طرق التصدير البديلة يومًا بعد آخر، إذ دفع تصاعد هجمات إيران في مضيق هرمز شركات شحن إلى تقليص المرور، ورفع أهمية أي مسار يستطيع نقل الخام العراقي إلى البحر المتوسط بعيدًا عن الخليج.
وتضع التطورات الأخيرة بغداد أمام معادلة أمنية جديدة، تجمع بين خروج القوات الأمريكية، وزيادة حساسية منشآت النفط، وارتفاع قيمة خط كركوك - جيهان، مع سعي الحكومة إلى منع الفصائل المرتبطة بطهران من تحويل وجودها قرب المنشآت والممرات الإستراتيجية إلى نفوذ أمني دائم.