أثار تصويت البرلمان العراقي، مساء الخميس، على ثلاثة من أصل أربعة مرشحين لمناصب نواب رئيس الوزراء علي الزيدي جدلاً سياسياً وشعبياً بشأن جدوى هذه المناصب وصلاحيات شاغليها، وسط اتهامات للقوى المشاركة في الحكومة بالسعي إلى توسيع نفوذها داخل السلطة التنفيذية. ولم ينهِ إعلان الزيدي أن نوابه سيعملون "بلا رواتب ولا مخصصات مالية" الجدل، إذ حذر نواب من أن تعدد مراكز القرار قد يقيّد عمل رئيس الوزراء ويزيد صعوبة إدارة الحكومة، في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً اقتصادية تستدعي ضبط الإنفاق العام.
وصوت البرلمان العراقي أمس على ثلاثة مرشحين لشغل مناصب نواب رئيس الوزراء، هم محسن علي أكبر المندلاوي وليث الخزعلي ومحمد علي تميم، فيما لم يشمل التصويت المرشح الرابع فارس البريفكاني، وسط خلافات سياسية بشأن اختياره. وتعود الخلافات بشأن البريفكاني إلى عدم التوافق على ترشيحه، نظراً إلى انتمائه للحزب الديمقراطي الكردستاني، إذ ترى بعض الأحزاب الشيعية أن الحزب حصل على استحقاقه من المناصب.
وشهدت الجلسة التصويت على 11 وزيراً، بعدما توصلت الأحزاب السياسية خلال الأيام الماضية إلى تفاهمات شملت استحداث مناصب جديدة، بينها وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة والعلوم والتكنولوجيا، ووزارة السياحة بعد فصلها عن وزارة الثقافة، إلى جانب منصب وزير دولة، في خطوة اعتبرها منتقدون وسيلة لإرضاء القوى السياسية المشاركة في الحكومة.
وكان الزيدي قد أكد قبيل انعقاد الجلسة أن نوابه لن يتقاضوا أي رواتب أو مخصصات مالية، وأنهم سيكونون ميدانيين، وسيعملون حسب توجيهاته، كل وفق اختصاصه، سواء في الخدمات أو الطاقة أو الاقتصاد. غير أن تعهد الزيدي بعدم تحميل الموازنة المالية أي نفقات إضافية بسبب تلك المناصب لم يحسم الجدل بشأن التكاليف الإدارية والسياسية لاستحداثها، ولم يجب عن التساؤلات المتعلقة بكيفية توزيع المسؤوليات وآليات منع التضارب في القرارات.
ضغوط سياسية وتقاسم للنفوذ
ووفقاً لمصدر حكومي مطلع، فإن الزيدي تعرض في الفترة الأخيرة لضغوط سياسية كبيرة مارستها القوى المشاركة في تشكيل الحكومة، وأجبرته على القبول بتلك المناصب. وأوضح المصدر لـ"العربي الجديد"، طالباً عدم كشف هويته، أن "رئيس الوزراء يدرك أن هذه القوى لا تطمح بالتمثيل الشكلي فحسب، بل تسعى إلى بناء نفوذ وحضور في القرار السيادي والتنفيذي، لذا فقد قبلت بمناصب من دون رواتب ولا مخصصات مالية"، مشيراً إلى أن "ضغط التوازنات أجبر الزيدي على القبول باستحداث تلك المناصب".
من جهته، أكد النائب المستقل عامر عبد الجبار أن الزيدي مرر الترشيحات للمناصب والوزارات المستحدثة تحت ضغوط الكتل السياسية لإرضاء الأحزاب والمحاصصة، وحذر في تصريح متلفز من أن "هذه المناصب قد تقيد عمله وتحدث خللاً في إدارة الدولة"، وأضاف أن "الكتل السياسية جاءت برئيس الوزراء وخنقته اليوم باستحداث مناصب نواب 4 له. نحن قبلنا بإكمال الكابينة الوزارية الفعلية وليس مناصب مستحدثة، في وقت يعاني والبلد فيه من أزمة اقتصادية"، مؤكداً أنه "في الدورة البرلمانية لعام 2010 كان هناك نواب اثنان لرئيس الوزراء، ومشاكلهم يومية، كيف الآن؟".
وتشير هذه الخطوة إلى أن الاختبار الفعلي للزيدي أمام تلك المناصب لا يتعلق بقدرته على إدارة فريق حكومي موسع فحسب، وإنما أيضاً بمدى قدرته على الحفاظ على صلاحياته وسلطة القرار بيده، في ظل حكومة تشكلها تفاهمات حزبية ومكوناتية، وهو ما يفتح الباب أمام التأثير في القرار الحكومي.
اعتراضات على دستورية المناصب وصلاحياتها
أما النائب عن كتلة "إشراقة كانون"، محمد الخفاجي، فأكد أنّ تلك المناصب غير دستورية، وأنها تكبّل قرارات الزيدي، مبيناً في إيجاز صحافي أن "مناصب نواب رئيس الوزراء، فضلاً عن عدم دستوريتها وعدم وجود سند قانوني لها، إذ لا يوجد أي نص يجيز أن يكون هناك نواب لرئيس الوزراء باستثناء الدورة البرلمانية الأولى، نائبان فقط"، مستغرباً زيادة المناصب وإضعاف موقع رئيس الوزراء.
وأكد أن "الغاية من تلك المناصب هو إضعاف الدولة وتشتيتها"، مضيفاً "نحن نحتاج قرارات حازمة وشجاعة، وأن القرار عندما يكون بيد واحدة يكون حازماً. تكبيل رئيس الوزراء بالنواب ومن مختلف المكونات هو إضعاف للدولة".
وأثارت النائبة هيام الياسري تساؤلات بشأن تعيين نواب لرئيس الوزراء "من دون رواتب"، متسائلة عن مهامهم وصلاحياتهم والسند القانوني لعملهم، ومعتبرة أن "القوى السياسية تقاسمت المناصب، وأن تعيين أربعة نواب لرئيس الوزراء يخالف المادة 139 من الدستور".
وتنص المادة 139 من الدستور العراقي على وجود نائبَين لرئيس الوزراء خلال الدورة الانتخابية الأولى، فيما سبق للمحكمة الاتحادية العليا أن أصدرت قراراً في 16 مايو/أيار 2011، اعتبرت فيه أن تعيين ثلاثة نواب لرئيس الوزراء لا يشكل مخالفة دستورية، وأن تحديد عدد النواب في الدورات اللاحقة يعود إلى تقدير رئيس الحكومة، وفق متطلبات برنامجه الوزاري وصلاحياته الدستورية.
وتتصل هذه الانتقادات بمخاوف أوسع من أن تتحول المناصب العليا إلى أدوات لتثبيت نفوذ الأحزاب داخل الحكومة، بدلاً من أن تكون وسيلة لتحسين الأداء والعمل. وفي ظل الضغوط المالية، يبقى التحدي أمام حكومة الزيدي في إثبات أن توزيع الحقائب والمناصب يخدم متطلبات الإدارة العامة، لا مصالح القوى المشاركة فيها، وأن تشمل إجراءات ضبط الإنفاق امتيازات المسؤولين ونفقات مؤسسات الدولة، وألا تقتصر على إجراءات قد تزيد الأعباء المالية على العراقيين.
ضوء أخضر أميركي
في غضون ذلك، قال مصدران دبلوماسيان لوكالة فرانس برس إن الزيدي أنجز تشكيلة حكومته بضم أعضاء مرتبطين بفصائل مسلحة حليفة لطهران بضوء أخضر أميركي. وقال مصدر دبلوماسي في بغداد إن الزيدي "حصل على موافقة أميركية ضمنية خلال زيارته في سبتمبر/ أيلول إلى الولايات المتحدة"، حيث شارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك والتقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأوضح المصدر أن واشنطن غضّت الطرف عن مشاركة فصائل مقرّبة من إيران في الحكومة "بعدما وعد رئيس الوزراء بالمضي قدماً في خططه لنزع السلاح، وقدّم ضمانات بأن تلك المجموعات لن تهاجم المصالح الأميركية في العراق"، وشدد على أن "واشنطن تريد مساعدته (الزيدي) في المضي قدماً في خططه".