كشفت معلومات من مصدر في الإطار التنسيقي العراقي عن اتساع الخلافات داخل التحالف الحاكم بشأن الضغوط الأمريكية لإغلاق المنافذ الحدودية مع إيران، ووصولها إلى مقاطعة زعيم منظمة بدر هادي العامري اجتماعات التحالف، وسط اعتراضات من قوى سياسية وفصائل مسلحة على إجراءات تعتبرها استجابة لمطالب واشنطن الرامية إلى تضييق الخناق الاقتصادي على طهران.
وقال المصدر لـ"إرم نيوز"إن الخلاف لم يعد مقتصراً على اعتراضات فصائل مسلحة، بل امتد إلى قيادات رئيسة داخل الإطار التنسيقي، بعدما أبلغ رئيس الوزراء علي الزيدي شركاءه السياسيين بتفاصيل مطالب أمريكية تقضي بتقليص المعابر البرية مع إيران إلى منفذين فقط، أحدهما في مناطق الحكومة الاتحادية والآخر في إقليم كردستان.
وأوضح أن واشنطن لم تقدم قائمة رسمية بأسماء المعابر المطلوب إغلاقها، وإنما طرحت تصوراً لتقييد حركة التجارة البرية مع إيران، ضمن إجراءات تستهدف الحد من قدرة طهران على الالتفاف على العقوبات والحصول على العملات الأجنبية.
بحسب المصدر، شكل موقف هادي العامري، قائد منظمة بدر وكتائب في الحشد الشعبي، أحد أبرز مظاهر الأزمة، بعدما امتنع عن حضور الاجتماع الأخير للإطار التنسيقي احتجاجاً على قرار إغلاق منفذ الشيب الحدودي في محافظة ميسان، والتوجه نحو اتخاذ إجراءات مماثلة في منافذ أخرى.
ونقل المصدر عن العامري توجيهه رسالة عتاب إلى قادة التحالف، تساءل فيها: "هل اتفق شيعة الإطار على حصار إيران؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟"، معتبراً أن استمرار هذه الإجراءات يضع القوى المشاركة في الحكم أمام مسؤولية سياسية عن تداعياتها على العلاقة مع طهران.
وأشار المصدر إلى أن الاعتراض يشمل أيضاً عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، اللتين ترفضان تشديد الرقابة على المعابر الحدودية، وتعتبران الإجراءات جزءاً من ضغوط أمريكية أوسع تستهدف تقليص نفوذ القوى الحليفة لإيران داخل العراق.
وأضاف أن التباينات داخل الإطار أفرزت اتجاهين؛ أحدهما يدعم التهدئة ومنح الزيدي مساحة للتعامل مع المطالب الأمريكية تجنباً للعقوبات والتصعيد، والآخر يرفض المساس بالعلاقات التجارية والأمنية مع إيران، ويطالب بموقف سياسي موحد ضد الإغلاقات.
واشنطن تريد منفذين فقط
وتعود جذور الأزمة إلى مطالب أمريكية نقلتها، وفق المصدر، وزارة الخزانة الأمريكية إلى رئيس الوزراء العراقي خلال اجتماعات في نيويورك، وتضمنت تقييد حركة التجارة البرية مع إيران لمنع استخدام المعابر في معاملات قد تخالف العقوبات.
وأوضح المصدر أن بغداد رفضت إغلاق الحدود بصورة شاملة، قبل أن تطرح واشنطن خيار الإبقاء على منفذين فقط، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن المعابر التي ستستمر في العمل.
وتتقاطع هذه المعلومات مع تقارير إعلامية أفادت نقلاً عن مصدر حكومي عراقي أن الزيدي أبلغ قادة الإطار التنسيقي بمطالب وزارة الخزانة الأمريكية، وبمقترح لاحق لتقليص المعابر إلى اثنين.
وأضاف مصدر الإطار أن الضغوط الأمريكية لا تقتصر على العراق، بل تشمل مطالب لدول أخرى مجاورة لإيران، بينها باكستان، بتشديد القيود على التبادل التجاري الحدودي.
غير أن هذه المطالب، وفق المعلومات المتاحة، لم تتحول إلى اتفاق معلن بين بغداد وواشنطن، كما لم تصدر الحكومة العراقية قائمة بالمنافذ التي يمكن أن يشملها الإغلاق.
إغلاق الشيب يشعل الأزمة
وجاء إغلاق منفذ الشيب في 21 أكتوبر ليحول الخلاف السياسي إلى أزمة فعلية داخل التحالف الحاكم، بعدما أوقفت السلطات العراقية حركة المسافرين والمركبات والشاحنات التجارية حتى إشعار آخر.
وأكدت وكالة رويترز القرار، نقلاً عن مصادر في المعبر، فيما تحدث مسؤولون عراقيون عن أسباب أمنية عاجلة ومراجعة ترتيبات التفتيش، بما يشمل تركيب أجهزة حديثة للكشف عن المواد المحظورة.
وبحسب مصدر الإطار التنسيقي، فإن الإجراءات الجديدة لا تتضمن نقل إدارة المنافذ إلى جهات أمنية أخرى، وإنما تشديد الرقابة ضمن الهيكل الحكومي القائم، مع تعزيز قدرات التفتيش والفحص ومراجعة الثغرات الأمنية والإدارية.
وأشار إلى أن الخلاف يتعلق أيضاً باحتمال توسيع الإغلاق تدريجياً؛ وهو ما ترفضه قوى داخل الإطار خشية انعكاساته الاقتصادية والسياسية.
وفي المقابل، لم تعلن بغداد رسمياً أن إغلاق الشيب جاء استجابة لطلب أمريكي؛ الأمر الذي يترك تبايناً بين الرواية الحكومية التي تركز على المتطلبات الأمنية، والمعلومات السياسية التي تربط القرار بالضغوط الخارجية.
الفصائل تخشى خسارة نفوذها
يرى مصدر الإطار التنسيقي أن اعتراض الفصائل المسلحة يتجاوز مسألة التبادل التجاري، ليشمل المخاوف من تشديد الرقابة على مسارات لوجستية ومناطق حدودية اعتادت العمل فيها.
وأوضح أن بعض الفصائل المسلحة تنظر إلى الإجراءات باعتبارها امتداداً للضغوط المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم الانتشار الأمني، ولذلك ترفض أي ترتيبات قد تحد من حركتها على الحدود.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تقارير أمنية عراقية تحدثت عن مخاوف من استخدام مناطق في ميسان لتنفيذ هجمات بواسطة مجموعات مسلحة صغيرة؛ ما يضيف بعداً أمنياً إلى الخلاف السياسي بشأن الحدود.
اختبار لسلطة الدولة
وفي قراءته لهذه التطورات، ربط الباحث السياسي العراقي إياد العنبر قضية المنافذ الحدودية بمشكلة نفوذ الجماعات المسلحة داخل مؤسسات الدولة.
وأشار العنبر، إلى أن المشكلة لا تتعلق بجهل السلطات بهويات الجماعات التي تستفيد من المنافذ، وإنما بقدرتها على مواجهة هذا النفوذ وإخضاع المعابر لسلطة المؤسسات الرسمية.
وانتقد التعامل مع الجهات المسلحة المستفيدة من المنافذ وكأنها أطراف مجهولة، مؤكداً أن هذه الجماعات معروفة، وأن التحدي الحقيقي يكمن في فرض سلطة الدولة عليها.
وحذر الباحث العراقي أيضاً من مخاطر الخلايا المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، بالنظر إلى طبيعة عملها السري وإمكانية استخدامها في أنشطة تهدد دول الجوار.
وتضع هذه القراءة الخلاف بشأن إغلاق الشيب في إطار أوسع من الإجراءات الجمركية، إذ يتعلق بقدرة الحكومة العراقية على تنفيذ قراراتها الأمنية من دون أن تتحول إلى أزمة مع القوى السياسية والمسلحة المشاركة في الحكم.