هل تندلع تشرين جديدة؟!
نشر موقع Middle East Forum مقالاً للكاتب ميكائيل روبين، تناول فيه المتغيرات السياسية في العراق، وذكر أنه ربما يكون البلد الوحيد الذي لا يملك فيه السياسيون والمواطنون العاديون أدنى فكرة عن هوية رئيس الوزراء الجديد عند توجههم إلى صناديق الاقتراع. ولهذا، تستغرق عملية اختيار رئيس الحكومة شهوراً من المفاوضات بين الأحزاب السياسية وزعمائها النافذين، الذين غالباً ما يكونون غير منتخبين.
سلسلة ثروات واستثمارات
وأشار الكاتب إلى أن الزيدي، الذي سمّاه (الإطار التنسيقي) رئيساً للحكومة قبل ستة أشهر، ينتمي إلى جيل العراقيين الذين نشأوا بعد سقوط حكم صدام حسين، والذين باتوا يمثلون اليوم 52 في المائة من السكان. كما يُعدّ من الشخصيات التي أظهرت قدرة على بناء شبكة من العلاقات السياسية، والمناورة، والاستفادة من نظام المحاصصة، وصولاً إلى الانضمام إلى الطبقة الثرية الجديدة، في بلد لا يزال يُصنَّف ضمن أكثر دول العالم فساداً.
وعدّد المقال أبرز معالم هذه الثروة واستثماراتها المتنوعة، التي تشمل تجهيز البطاقة التموينية، وخدمات إعاشة الجيش، والشركة القابضة، وقطاعات الزراعة والعقارات والمصارف وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والخدمات اللوجستية والطاقة الشمسية. كما تشمل استثمارات أخرى في سلسلة متاجر (تعاون) وقطاع الخدمات النفطية، فضلاً عن رئاسة مجلسَي إدارة جامعة "الشعب" ومعهد "عشتار" الطبي.
ضبابية في الموقف
ويبدو، بحسب الكاتب، أن الزيدي جاء ليمثل وجهاً جديداً ويتبنى نهجاً أكثر عملية في السياسة العراقية، لا سيما بعد أن حظي بدعم البيت الأبيض لسببين: أولهما أنه لا يتسم بالفساد والطائفية والتبعية لإيران سعياً وراء مكاسب شخصية؛ وثانيهما أنه تعهّد بالتعامل بجدية مع ملف حصر السلاح بيد الدولة.
واستدرك الكاتب بالقول إن كل ذلك لم يكن سوى أمنيات لا أساس لها، وإن الزيدي قال لترامب ما أراد سماعه، ثم فعل العكس تماماً. وضرب مثالاً على ذلك بإلغاء الحكومة عقوداً مُنحت لشركات أمريكية في مجال الاتصالات، تجنباً لإحلالها محل شركات صينية وأخرى موالية لإيران.
انتفاضة تشرين
وأعاد الكاتب إلى الأذهان الظروف التي سبقت انتفاضة تشرين، مشيراً إلى اندلاع احتجاجات في البصرة خلال صيف عام 2018، بعدما تسببت المياه الملوثة في نقل 100 ألف شخص إلى المستشفيات وإصابة آلاف آخرين بالأمراض. وبعد أقل من عام، نظم خريجون عاطلون عن العمل اعتصامات واجهتها قوات الأمن باستخدام خراطيم المياه، قبل أن يخرج الشباب في مسيرات في بغداد ومناطق جنوب العراق كافة، رافعين شعار (نريد وطناً). ورفض المحتجون الأحزاب المهيمنة، واصفين إياها بالفساد، كما اعتبروا النظام السياسي القائم نظاماً إقصائياً، تكون فيها الأولوية للصفقات والتفاهمات بين قادة الأحزاب على حساب الإرادة الشعبية.
وذكر الكاتب أن الرد على الاحتجاجات كان وحشياً؛ إذ أطلقت قوات الأمن الرصاص الحي على الحشود، وقُطعت شبكة الإنترنت، واختُطف ناشطون، وقُتل عشرات المحتجين في بغداد والناصرية. واضطر رئيس الحكومة آنذاك إلى الاستقالة، بعدما دعا المرجع الديني الأعلى، السيد علي السيستاني، البرلمان إلى إعادة النظر في دعمه للحكومة.
وحلّ محل عادل عبد المهدي، بعد استقالته، مصطفى الكاظمي، الناشط المدني ومدير جهاز المخابرات آنذاك، الذي خيّب آمال المنتفضين؛ إذ افتقر إلى الكاريزما، وشهدت إدارته ممارسات فساد، كما منح إيران نفوذاً مقابل تحقيق الهدوء، ولم يحقق سوى إصلاحات محدودة.
هل يعيد التاريخ نفسه؟
وذكر الكاتب أن الحكومة الحالية تبدو وكأنها تدفع العراقيين نحو خيبة أمل جديدة، وهو ما ينطوي على مخاطر جدية، لا سيما أن المحتجين لن ينخدعوا مرة أخرى بالوعود، بعد أن سبق لهم وصدّقوا وعود الإصلاح في مناسبات سابقة. وإذا اندلعت موجة جديدة من الاحتجاجات على غرار (حراك تشرين)، فمن المرجح أن يستهدف المحتجون المنظومة السياسية برمتها، بما قد يحوّل الوضع إلى ما يشبه عاصفة من النيران.