ص7
عمال القطاع الخاص بين تدني الأجور والطرد التعسفي
بغداد – طريق الشعب
يشكو العديد من العاملين في القطاع الخاص من ظروف عمل قاسية، تتجسّد في تدني الأجور، وغياب الضمانات القانونية، والإجراءات التعسفية التي تصل أحيانًا إلى الفصل المفاجئ دون أي تعويض. ومع ازدياد التوجه نحو خصخصة المؤسسات الإنتاجية الحكومية، تتصاعد مخاوف العاملين في هذه المؤسسات من مواجهة المصير ذاته، إذا ما خضعت مرافقهم للاستثمار أو تم بيعها إلى القطاع الخاص.
أجور منخفضة
يقول حيدر جاسم، وهو عامل في إحدى الورش الصناعية بمنطقة جميلة التجارية، إن راتبه الشهري لا يكفي سوى لتغطية نفقات أسبوع واحد من معيشة أسرته. ويضيف "نحن نعمل لساعات طويلة، من الثامنة صباحًا وحتى ما بعد العصر أحيانًا، من دون أي مقابل عن الوقت الإضافي. صاحب العمل يحدّد الأجر كما يشاء، ولا توجد جهة نلجأ إليها عندما نُطالَب بالعمل فوق طاقتنا. أعيل أربعة أطفال، وراتبي لم يتغير منذ ثلاث سنوات رغم ارتفاع الأسعار". ويشير حيدر إلى أن أغلب العاملين يخشون المطالبة بزيادة أجورهم خوفًا من الاستغناء عنهم، خاصة وأن صاحب العمل يجد بدلاء بسهولة في ظل ارتفاع معدلات البطالة.
فصل مفاجئ
على الجانب الآخر، يروي عبد الله علي، العامل في أحد مصانع المواد الإنشائية، قصة فصله المفاجئ، فيقول "بعد خمس سنوات من العمل، قرر مدير الموارد البشرية فصلي في دقائق. سلّمني كتاب الفصل بحجة إعادة الهيكلة، من دون أي مكافأة أو تعويض. وعندما طالبت بحقي، قيل لي إن عقد العمل لا يضمن لي شيئًا، وحتى اشتراكي في الضمان الاجتماعي لم يُعتدّ به، رغم أنهم كانوا يستقطعون جزءًا من راتبي شهريًا."
ويضيف عبد الله أنه اضطر إلى البحث عن عمل جديد، لكنه يواجه صعوبة بسبب تجاوزه الأربعين من العمر، محذرًا من أن "الخوف الأكبر هو أن تتكرر هذه القصة مع آلاف العاملين إذا خضع القطاع الحكومي للمنطق ذاته الذي يحكم السوق."
غياب الحماية القانونية
يؤكد عاملون آخرون أن بيئة العمل في كثير من مؤسسات القطاع الخاص تفتقر إلى شروط السلامة المهنية والالتزام بقانون العمل. فعدد كبير منهم يعمل بلا عقود مكتوبة، بينما يُجبر آخرون على توقيع عقود "شكلية" تتيح لصاحب العمل إنهاء خدمتهم في أي وقت.
ويقول سيف علي، فني صيانة في إحدى الشركات، إن ساعات العمل اليومية قد تتجاوز أحيانًا 16 ساعة من دون أجر إضافي ويشير الى أن "القانون شيء والواقع شيء آخر. لا أحد يراقب، والإجراءات غالبًا ما تصب في مصلحة صاحب العمل. نحن نعمل تحت ضغط نفسي وجسدي كبير، ولا نملك سوى القبول بالأمر الواقع خوفًا من البطالة."
الخصخصة.. كابوس جديد
ومع توجه الحكومة نحو خصخصة المؤسسات الإنتاجية والخدمية، بدأ كثير من العاملين يربطون ما يجري في القطاع الخاص بما قد يحدث داخل المؤسسات الحكومية. يقول فراس محسن، وهو موظف أجير ضمن عقد تشغيلي، إنه يخشى انتقال ما يسميه "فوضى القطاع الخاص" إلى مؤسسات الدولة، موضحًا "نحن نعمل برواتب محدودة، لكننا نشعر بنوع من الأمان. إذا تحولت مؤسساتنا إلى إدارة خاصة، فسيكون أول ما يحدث هو تقليص الأجور وزيادة ساعات العمل، وربما تسريح جماعي بحجة إعادة الهيكلة. نرى ما يعانيه زملاؤنا في القطاع الخاص، ولا نريد أن يكون مصيرنا مشابهًا لهم."
ويضيف: "الخصخصة قد تنجح في الدول التي تحمي العامل، لكن في ظل غياب الرقابة وضعف تطبيق القانون، ستكون نتائجها قاسية على الجميع."
ضعف التنظيم النقابي
يفاقم الأزمة
ويشير باحثون في سوق العمل إلى أن ضعف التنظيم النقابي في القطاع الخاص، نتيجة سياسات التضييق والقيود الحكومية، يجعل العمال أكثر عرضة للإجراءات التعسفية، في حين تتباطأ المؤسسات الرسمية في تطبيق قانون العمل فعليًا، خصوصًا ما يتعلق بإنشاء لجان تفتيش منتظمة ومعلنة. كما يحذر متخصصون من أن أي خطوة نحو الخصخصة يجب أن تسبقها إصلاحات حقيقية تضمن حدًا أدنى للأجور يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتفعيل التأمين الصحي والضمان الاجتماعي، وضمان حق العامل في اللجوء إلى جهة تحميه من الفصل غير القانوني.
المطالبة بآليات رقابية واضحة
ويطالب العاملون الذين تحدثوا لـ "طريق الشعب" بوضع آليات حكومية واضحة للحد من التجاوزات، أبرزها:
• تفعيل لجان تفتيش العمل في المشاريع الخاصة.
• إلزام الشركات بإبرام عقود رسمية ومنصفة لحقوق العمال بما ينسجم مع قانون العمل النافذ.
• شمول جميع العاملين بالضمان الاجتماعي.
• فرض عقوبات رادعة على حالات الفصل غير القانوني.
• إشراك ممثلي العمال في أي قرارات تتعلق بالخصخصة.
وتُظهر شهادات العاملين في القطاع الخاص أن معاناتهم ليست حالات فردية، بل جزء من منظومة بحاجة إلى إصلاح جذري قبل التوسع في الخصخصة. ففي ظل غياب الحماية القانونية، تبقى اليد العاملة الحلقة الأضعف، وحقها في الأجر العادل والاستقرار مهددًا. أما المضي في الخصخصة دون معالجة هذه الاختلالات، فقد يعني تكرار ما يعانيه العمال اليوم على نطاق أوسع داخل مؤسسات الدولة.
استقطاعات الضمان لا تناسب دخلنا اليومي!
بغداد – طريق الشعب
عبّر عدد من العاملين في القطاعات الحرفية والخدمية عن رغبتهم في التحوّل إلى مظلة الرعاية الاجتماعية بدلاً من إلزامهم بالانضمام إلى الضمان الاجتماعي، مؤكدين أن أوضاعهم المعيشية الصعبة لا تسمح لهم بدفع الاستقطاعات الشهرية التي يفرضها التسجيل في نظام الضمان.
دخل غير ثابت
يقول حسن جبار، الذي يعمل في ورشة حدادة صغيرة بأطراف بغداد، إن دخله غير ثابت ولا يكفي لتغطية احتياجات أسرته اليومية، موضحًا بأنه "أحيانًا أعمل يومين فقط في الأسبوع، وأحيانًا تمرّ أسابيع بلا أي دخل. إذا دفعت استقطاع الضمان، كيف يمكن أن أعيش؟ نتمنى الشمول بالرعاية الاجتماعية، فبرغم ضعف رواتبها، ورغم أهمية الضمان لمستقبل عوائلنا، إلا أن أوضاعنا لا تحتمل استقطاعات شهرية إضافية."
الرعاية الاجتماعية أنسب للفئات الهشة
أما أبو كرار، الذي يعمل في سوق لبيع الأغراض المستعملة، فيشير إلى أن الكثير من العاملين مثله يعيلون عائلات كبيرة ولا يملكون دخلًا شهريًا ثابتًا يمكن احتسابه ضمن اشتراكات الضمان. ويقول "الضمان مهم، لكنه ليس مناسبًا للجميع. نحن نعمل يوميًا بلا استقرار، وإذا مرضنا أو فُصلنا من العمل لا نجد بديلًا. الرعاية الاجتماعية هي الأنسب لوضعنا الحالي."
التزامات لا تتناسب مع الدخل
من جانبه، يؤكد سعد طلال، صاحب محل لتصليح الأجهزة الكهربائية، أن برامج الدعم الاجتماعي ما تزال الخيار الأكثر أمانًا للفئات ذات الدخل المحدود، موضحًا بأننا "نسمع كثيرًا عن مزايا الضمان، لكن عمال الأجور القليلة وغير المنتظمة بحاجة إلى دعم مباشر، لا إلى نظام يفرض التزامات شهرية رغم غياب الدخل الثابت."
غلاء المعيشة يزيد الضغط
ويشير العاملون إلى أن ارتفاع أسعار المعيشة خلال العامين الماضيين دفع بالكثيرين إلى البحث عن أي وسيلة لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار. ويؤكدون أن التحوّل إلى الرعاية الاجتماعية يمنحهم دعمًا مباشرًا يساعدهم على تجاوز فترات البطالة أو الركود الاقتصادي. ويطالب هؤلاء الجهات الحكومية بمراجعة آليات تطبيق الضمان الاجتماعي على الفئات الهشة، ودراسة إمكانية فتح مسارات بديلة تتناسب مع طبيعة الدخول غير المنتظمة، لضمان حماية اجتماعية أكثر عدلًا وشمولًا.
--
العمل تبحث عن وضع استراتيجية للحد من عمالة الأطفال
بغداد – طريق الشعب
"أشتغل حتى ندفع إيجار الغرفة، وإذا ما أشتغلت ما يبقى عدنا مكان نعيش بيه". بهذه الكلمات الموجعة يصف الطفل حسن، البالغ من العمر 12 عامًا، معاناته اليومية في أحد أسواق بغداد، حيث يعمل لساعات طويلة مقابل أجر زهيد، في مشهد يعكس اتساع ظاهرة استغلال الأطفال في سوق العمل نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها العديد من الأسر.
اجتماع لمناقشة الظاهرة
وفي إطار مواجهة هذا التحدي، عقدت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية اجتماعًا ضمّ مدير عام دائرة الإعلام والعلاقات العربية والدولية وممثلًا عن منظمة العمل الدولية، لبحث محاور وضع استراتيجية وطنية للحد من ظاهرة عمالة الأطفال، خصوصًا في الأسواق والمناطق الصناعية التي تشهد أعلى نسب لتشغيل الصغار.
وفي هذا السياق، أكد وزير العمل أن القانون وحده لا يكفي لمكافحة عمل الأطفال من دون تغيير النظرة المجتمعية تجاه الطفولة، مشددًا على ضرورة تضافر الجهود بين الجهات الحكومية والمنظمات المدنية لحماية الأطفال من الاستغلال. وأضاف أن توجهات الوزارة في توسيع شبكة الحماية الاجتماعية تهدف أولًا إلى توفير دخل ثابت للأسر الفقيرة، بما يمنع دفع الأطفال إلى سوق العمل لأسباب اقتصادية.
ضعف تطبيق القانون
من جانبها، تقول المحامية والناشطة سماح الطائي إن استمرار تجاهل تطبيق القانون أسهم كثيرًا في تفشي ظاهرة عمالة الأطفال، موضحة أن المادة (7) من قانون العمل العراقي "تجرّم تشغيل الأطفال دون السن القانونية، لكنها تبقى حبرًا على ورق بسبب ضعف الرقابة وانعدام المتابعة الميدانية."
الحماية الاجتماعية ليست كافية
ورداً على تصريحات الوزير بشأن التوسع في الشمول بالرعاية الاجتماعية، ترى الطائي أن هذه البرامج "تستنزف مبالغ كبيرة من الموازنة العامة دون أثر فعلي في الحد من الفقر أو حماية الأسر المحتاجة"، مضيفة أن "رواتب الرعاية الاجتماعية الحالية لا تكفي لسد احتياجات عائلة ليوم واحد، وبالتالي لا يمكن اعتبارها حلًا حقيقيًا لمشكلة عمالة الأطفال."
الحل الجذري
ويؤكد مختصون أن الحل الجذري لمشكلة عمالة الأطفال لا يكمن فقط في التشريعات، بل في إصلاح منظومة الاقتصاد الأسري عبر سياسات تضمن فرص عمل كريمة للبالغين، وتوفّر التعليم المجاني والرعاية الصحية والدعم النفسي للأطفال العاملين، بما يعيدهم إلى مقاعد الدراسة ويصون كرامتهم الإنسانية.
--
كيف يريد قطاع العمل تمثيله في البرلمان؟
نورس حسن
لا تزال شريحة العمال والشغيلة في العراق تدفع ثمن غياب صوتها الحقيقي داخل قبة البرلمان. فعلى الرغم من أن البلاد تمتلك واحدة من أكبر القوى المنتجة في المنطقة، فإن تمثيل هذه الفئة ظلّ هامشيًا، محصورًا في وجوه لا تمتلك خبرة نقابية كافية، أو جاءت عبر تحالفات سياسية تتعامل مع ملف العمل بوصفه بندًا ثانويًا في أجنداتها.
ممثل من الميدان
لا من التحالفات
ما يريده أصحاب المهن والطبقة المنتجة اليوم ليس أمرًا مستحيلًا. إنهم يبحثون أولًا عن ممثل يعرف الميدان، لا نائب يصعد إلى البرلمان بدعم حزبي ويكتفي بتكرار الوعود. يريدون شخصية قادرة على إدراج مشكلاتهم اليومية ضمن جدول التشريعات بجدية — كقوانين الضمان الاجتماعي، وتحسين شروط السلامة المهنية، ومراقبة التعاقدات الخاصة، وتعديل الأنظمة التي تتيح استغلال اليد العاملة تحت غطاء الاستثمار أو التعاقد المؤقت.
تمثيل مستقل
بعيد عن المحاصصة
ويتطلع العاملون إلى تمثيل مستقل بعيد عن المحاصصة التي ابتلعت أغلب المفاصل التشريعية. فهم يدركون أن أي صوت يرتبط بكتلة سياسية متنفذة سينتهي إلى مساومات وتفاهمات، بينما تبقى مطالب العمال بلا حماية حقيقية. لذلك يصرّون على أن يأتي ممثلهم من داخل النقابات أو من شخصيات ميدانية ذات سجل واضح في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية.
من الشكوى
إلى المعالجة التشريعية
أما المسألة الأكثر إلحاحًا، فهي رغبتهم في نقل قضايا الأجور وفرص العمل من مستوى الشكوى إلى مستوى المعالجة التشريعية الفعلية. فالقوانين الحالية وُضعت في ظروف اقتصادية مختلفة، ولم تعد قادرة على توفير مظلة آمنة للطبقة المنتجة في ظل الغلاء وارتفاع البطالة وفوضى التعاقدات.
صوت الميدان
داخل البرلمان
ويريد العاملون نائبًا يضعهم في قلب النقاش البرلماني لا على هامشه؛ نائبًا يضمن سماع صوت المعامل والورش والأسواق بوضوح، ويصوغ التشريعات على ضوء احتياجات الناس الذين يديرون عجلة الاقتصاد، لا من داخل المكاتب المغلقة.
إن تمثيل قطاع العمل في البرلمان ليس رفاهية، بل ضرورة لضمان العدالة الاجتماعية الحقيقية. وحتى يتحقق ذلك، يجب اختيار أصوات قادرة على الدفاع عن الكرامة المهنية وتحويل مطالب الشغيلة إلى قوة تشريعية فاعلة، لا أن تبقى شعارات موسمية تتلاشى بعد كل دورة انتخابية.
--
كيف تهمش الحكومات حقوق عمال النظافة رغم دورهم الحيوي في المدن؟
حوراء فاروق
على الرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها عمال النظافة صباح كل يوم للحفاظ على نظافة الشوارع والمناطق العامة، إلا أن واقعهم المعيشي والمهني يعكس صورة مختلفة تمامًا عن المشهد الذي يراه الناس.
فهذه الفئة التي تؤدي واحدة من أكثر المهن مشقة وأهمية، تواجه تهميشًا حكوميًا مركبًا يبدأ بضعف التشريعات، ويمتد إلى غياب الحماية الاجتماعية، مرورًا بتدني الأجور وسوء بيئة العمل.
أجور متدنية لا تواكب الغلاء
يعاني العاملون في مجال تنظيف المدن من تدني الأجور مقارنة بحجم الجهد البدني الذي يبذلونه يوميًا، فضلًا عن ساعات العمل الطويلة التي تبدأ قبل بزوغ الفجر في كثير من الأحيان. وغالبًا ما تتراوح رواتبهم بين الحد الادنى وهو 350 ألف دينار ومبالغ بالكاد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والنقل.
ويؤكد كثير منهم أن رواتبهم لا تكفي لإعالة أسرهم، ما يضطرهم إلى العمل في وظائف إضافية مرهقة أو اللجوء إلى الاقتراض بشكل متكرر. وبرغم الوعود الحكومية المتكررة بتحسين الدخل، إلا أن الإجراءات الفعلية ما تزال محدودة وغالبًا ما تصطدم بسياسات التقشف أو بعقود التشغيل مع الشركات المتعاقدة.
بيئة عمل خطرة
وغياب معدات الحماية
أحد أبرز مظاهر التهميش يتمثل في غياب معدات السلامة الشخصية. فكثير من العاملين يضطرون للعمل من دون قفازات أو كمامات أو أحذية واقية، رغم تعاملهم اليومي مع النفايات المنزلية والتجارية، وأحيانًا الطبية. هذا الإهمال يجعلهم عرضة لأمراض تنفسية وجلدية وإصابات جسدية متكررة. كما أن غياب التدريب المهني يزيد من خطورة العمل، إذ لا تتوفر برامج حول طرق التعامل مع المخلفات الخطرة أو كيفية الرفع والنقل السليم للأوزان الثقيلة، ما يجعل أبسط الحوادث سببًا في تعطيل حياة العامل لأسابيع وربما لأشهر، أو حتى مدى الحياة.
استغلال العقود المؤقتة
وغياب الامتيازات
ويؤدي اعتماد الكثير من الجهات الحكومية على شركات خاصة لإدارة قطاع النظافة، إلى انتشار ما يُعرف بـ"العقود المؤقتة" التي تفتقر إلى الأمان الوظيفي. وتتيح هذه العقود تقليل التكاليف على حساب حقوق العمال، إذ نادرًا ما يحصلون على ضمان اجتماعي أو صحي، أو على إجازات مدفوعة، أو تعويضات مناسبة عند الإصابة أو الوفاة أثناء العمل. هذا النمط من التعاقد يحرم العاملين من أبسط مقومات الاستقرار المهني، ويجعل مستقبلهم عرضة لأي تغيير إداري أو مالي أو حتى مزاجي من قبل الشركات المشغّلة.
تجاهل صوت الميدان
من أبرز مظاهر التهميش أيضًا تجاهل صوت العاملين أنفسهم في النقاشات الحكومية الخاصة بقطاع الخدمات. فكثير من الخطط والمبادرات تُعلن دون استشارة من يزاولون العمل ميدانيًا ويعرفون تفاصيله الدقيقة، ما يؤدي إلى قرارات غير واقعية أو غير قابلة للتنفيذ. كما أن ضعف تمثيلهم النقابي يجعل الدفاع عن حقوقهم أمرًا بالغ الصعوبة، إذ تتركز جهود النقابات في قطاعات أكبر أو أكثر نفوذًا، بينما تبقى مطالب عمال النظافة مؤجلة.
مهنة ذات قيمة عالية.. ولكن!
المفارقة أن قطاع النظافة يمثل أحد أعمدة الحياة المدنية الحديثة. فالنظافة العامة تحدّ من انتشار الأمراض، وتحسن صورة المدن، وتساهم في جذب السياحة والاستثمارات. ومع ذلك، لا ينعكس هذا الدور الحيوي في سياسات الحكومة العراقية أو في أولويات الإنفاق العام.
إن الدول التي نجحت في إصلاح هذا القطاع تبنّت استراتيجيات واضحة تضمن أجورًا عادلة وتأمينًا صحيًا وبرامج تدريب ومراقبة مهنية دقيقة. أما في العراق وعدد من دول المنطقة، فما زال العاملون في النظافة يواجهون واقعًا هشًا يفتقر إلى العدالة.
الإصلاح يبدأ بالاعتراف
لإنصاف هذه الفئة، لا بد أولًا من الاعتراف بأن قطاع النظافة ليس قطاعًا هامشيًا، بل قطاع خدمي أساسي. ومن الضروري وضع تشريعات حديثة تضمن حقوق العاملين فيه، وتشمل:
• رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة.
• دمج العاملين في منظومتي التأمين الصحي والضمان الاجتماعي.
• مراقبة عقود الشركات لضمان عدم استغلال العمال.
• توفير معدات السلامة والعمل وفق معايير الجودة الدولية.
• تأسيس قنوات مباشرة لتلقي شكاوى العاملين ومقترحاتهم.
وفي النهاية، فإن تهميش حقوق عمال النظافة ليس خللًا إداريًا فحسب، بل قضية تمس كرامة الإنسان وحقه في العمل الآمن والعيش الكريم. فهؤلاء هم السدّ الأول الذي يحمي المدن من الفوضى البيئية والأمراض، ولا يمكن بناء مجتمع متوازن دون تقدير دورهم ومنحهم ما يستحقون من احترام وحقوق. فالعدالة الحقيقية تبدأ من الفئات التي ظلت تعمل بصمت خلف أكوام النفايات، منتظرة اعترافًا بسيطًا بدورها الحيوي في حياة الناس.
ص8
مراجعة نقدية لاستراتيجية الإسكان الوطنية 2025–2030
نحو إصلاح مؤسسي وتمويلي شامل لتحقيق السكن المستدام
موفق جواد الطائي*
المقدمة
أحيي وزارة الإسكان والتعمير وزملائي السابقين جهدهم الكبير في اعداد دراسة استراتيجية الإسكان الوطنية، وإذكاء لجهدهم النبيل أقدم مراجعة نقدية لها وانا أعرف سعة صدرهم في تقبل هذا النقد. كنا أتمنا تقييم للجهد الجبار الذي قدمته الدراسات السابقة دوقسيادس وبول سيرفس ونخبة من خريجي اعلى الجامعات العلمية من منتسبي وزارة الإسكان والتعمير والأكاديميين الذين نالوا اعلى التقييم والاستحسان في المؤتمرات العالمية ومؤتمر وزراء الإسكان العرب وهذا شان أي دراسة أن تبدأ بهذا التقييم وهذه أبجديات البحث العلمي.
يُعدّ قطاع الإسكان أحد الركائز الأساسية للتنمية الوطنية في العراق، لما له من تأثير مباشر في تحسين جودة الحياة، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وتعزيز النشاط الاقتصادي. ومع إعلان وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة عن سياسة الإسكان الوطنية للفترة 2025–2030، بدعم من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، بدا واضحًا أن الوثيقة تهدف إلى معالجة التحديات المتراكمة في قطاع السكن من خلال تبني مبادئ العدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية، والتنمية الإقليمية المتوازنة.
ومع ذلك، فإنّ هذه الاستراتيجية – على الرغم من قيمتها التنظيمية – تعاني من نقص واضح في الجوانب المؤسسية والتنظيمية والتمويلية، فضلاً عن إغفالها للبنية القانونية والميدانية اللازمة لإنجاح السياسات الإسكانية على المدى الطويل. يهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة نقدية تحليلية للاستراتيجية المقترحة، من خلال مناقشة محاورها الرئيسة في ضوء التجارب السابقة والمعايير الدولية، واقتراح نموذج إصلاحي شامل يمكن أن يعزز فاعليتها التنفيذية.
أولاً: المرتكزات العامة لاستراتيجية الإسكان الوطنية 2025–2030
تعتمد الاستراتيجية الرسمية على مجموعة من المبادئ التي تمثل الأساس النظري لسياسة الإسكان الوطنية، وهي: الحق في السكن الملائم، الحد من الفقر، إيجاد فرص العمل، تعزيز الاستدامة البيئية، دعم القرار المبني على البيانات، الشمولية الاجتماعية، واحترام التنوع الثقافي. كما وضعت أهدافًا واضحة، من أبرزها:
1- تحقيق العدالة الاجتماعية عبر توفير السكن الميسر لجميع الفئات.
2- دعم التنمية المتوازنة بين الحضر والريف.
3- تحسين البنى التحتية وتعزيز الاستثمار في القطاع السكني.
4- تطوير المناطق العشوائية ودمجها في النسيج الحضري.
5- تشجيع استخدام مواد البناء المحلية والمستدامة.
6- تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ورغم شمولية هذه المبادئ، فإنها تفتقر إلى الإطار المؤسسي والإجرائي الدقيق الذي يضمن التنفيذ الفعلي. إذ لم تتضمن الاستراتيجية تشكيل جهاز تنفيذي أعلى ينسق بين الوزارات المعنية، كما لم تحدد آليات واضحة للتمويل والإشراف والمراقبة. وهذا ما يجعلها، في صورتها الحالية، وثيقة طموحة لكنها بحاجة إلى أدوات حوكمة فعّالة.
ثانيًا: النقد المؤسسي والتنظيمي للاستراتيجية
تُعدّ الإشكالية المؤسسية أبرز نقاط الضعف في الاستراتيجية الإسكانية المعتمدة. فقد تم إعدادها ضمن هيكل إداري تتشارك فيه جهات متعددة (وزارة الإعمار والإسكان، وزارة التخطيط، وزارة المالية، البلديات، المحافظات، القطاع الخاص، ومنظمات دولية)، دون وجود مجلس وطني أعلى للإسكان يشرف على تنسيق الجهود وتحديد الأولويات.
1. غياب المجلس الوطني الأعلى للإسكان
من الضروري إنشاء مجلس وطني أعلى للإسكان يضم ممثلين من وزارات التخطيط والمالية والإعمار، إضافة إلى صندوق الإسكان المالي وليس العقاري فحسب، بحيث تكون له صلاحيات تشريعية وتنظيمية تشمل:
رسم السياسات العامة ومتابعة تنفيذها.
إعداد الخطط السنوية والهيكلية لبرامج الإسكان.
الإشراف على أداء الصناديق والمؤسسات التمويلية.
متابعة التنسيق بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمنظمات الدولية.
إن غياب هذا المجلس أدى إلى تشتت الأدوار بين الوزارات، وتكرار الجهود، وافتقار العملية الإسكانية إلى مركز قرار موحد. وهو ما يتعارض مع التجارب العالمية الناجحة، مثل المجلس الوطني للإسكان في الأردن وهيئة الإسكان في السعودية، اللذين يشكلان مظلة استراتيجية لإدارة القطاع.
2. إشكالية الازدواج الإداري والبيروقراطي
تضم وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة عدة تشكيلات متداخلة (دائرة الإسكان، الهيئة العامة للإسكان، دوائر التسليف، والمصرف العقاري)، وهو ما يخلق بطئًا في الإنجاز وتضاربًا في الصلاحيات.
الحل المقترح هو اختزال وحدات المراقبة في وحدة مركزية واحدة ترتبط مباشرة بالهيئة العامة للإسكان، مع دمج وحدة دعم وتسويق الإسكان ضمن صندوق الإسكان لضمان توحيد القرار المالي والإداري وتقليل الروتين.
ثالثًا: غياب الإطار التشريعي (الكودات والمعايير)
من الملاحظ أن الاستراتيجية تجاهلت مسألة تطوير الكودات والمعايير الوطنية للإسكان. فبينما تحدثت الوثيقة عن الاستدامة وكفاءة الطاقة، لم تقدم أي تصور لتحديث القوانين أو اعتماد "كودات إسكان وطنية" تشمل:
معايير التصميم الحضري المستدام.
مواصفات مواد البناء المحلية.
متطلبات السلامة والبيئة والمناخ.
نظام تصنيف المباني حسب الكفاءة الطاقوية.
وجود كود وطني هو أساس لتطبيق سياسات الإسكان ومراقبة الجودة وضمان العدالة في المعايير. وقد سبقت العراق في هذا المجال دول مثل مصر والمغرب التي أصدرت الأكواد الوطنية للبناء المستدام، مما ساهم في تحسين جودة الإسكان العام والخاص.
رابعًا: إعادة هيكلة النظام الإقليمي للإسكان
تؤكد التجارب الحديثة أن اللامركزية في إدارة الإسكان تتيح حلولًا أكثر واقعية وعدالة. بناءً على ذلك، يُقترح تقسيم العراق إلى خمس مناطق إسكانية رئيسة، تُنشأ فيها خمس مؤسسات حكومية شبه مستقلة بدرجة مديريات عامة، تكون مسؤولة عن الإشراف على الإسكان في نطاقها الجغرافي.
وتضم كل منطقة وحدات متخصصة كالآتي:
1- مؤسسة مقاولات شبه حكومية لتنفيذ المشاريع السكنية المدعومة.
2- مؤسسة لإنتاج مواد البناء والعناصر الإنشائية بأسعار ميسرة.
3- مؤسسة لإدارة المشاريع والتأهيل والتجديد الحضري.
4- مؤسسة لتسويق ودعم الإسكان تتولى الترويج والمبيعات.
5- فروع للمصرف العقاري وصندوق التسليف والإقراض.
هذه الهيكلية تسمح بمرونة في التنفيذ، وتعزز العدالة المكانية في التوزيع الإسكاني، وتربط التنمية الحضرية بالخصائص الاجتماعية والبيئية لكل منطقة.
خامسًا: الإصلاح المالي وآليات التمويل
يُعدّ التمويل الحلقة الأضعف في قطاع الإسكان العراقي وقد كتبت الاستراتيجية بنفس ربحي واضح بالضد من الاستراتيجيات السابقة ذات المفهوم غير الربحي. فالاستراتيجية ركزت على التعاون بين القطاعين العام والخاص دون تحديد آليات عملية لتعبئة الموارد. وفي المقابل، يُقترح تأسيس هيئة ائتمان وطنية للإسكان تكون مسؤولة عن:
إدارة وجمع الأموال من الدولة، الادخار، والقطاع الخاص.
إصدار سندات إسكان وطنية بغطاء مالي مضمون من الحكومة.
تنسيق عمليات التمويل بين الصندوق العقاري وصندوق الإسكان الاجتماعي.
مراقبة شروط الإقراض ونسب الفائدة بما يحقق العدالة للفئات ذات الدخل المحدود.
كما يجب التركيز على تحقيق التمويل المستدام من خلال:
1- تنويع مصادر رأس المال عبر مساهمات القطاع الأهلي.
2- تشجيع الاستثمار العقاري الميسر، خاصة في المدن الثانوية.
3- توجيه القروض طويلة الأمد لمشاريع البناء الجماعي بدلاً من الفردي.
إن نموذج التمويل المندمج الذي يجمع بين الموازنة العامة، الادخار الشعبي، والقطاع الخاص، يمثل مقاربة ضرورية لتقليل العجز السكني الذي تجاوز 2.3 مليون وحدة.
سادسًا: الإهمال في الإسكان الاجتماعي والريفي
رغم أن الاستراتيجية الرسمية أشارت إلى العدالة الاجتماعية، إلا أنها لم تقدم سياسات عملية للإسكان الاجتماعي أو الريفي. إذ لم يرد أي تفصيل لبرامج إسكان الطوارئ أو تطوير القرى والمستقرات الزراعية.
1. الإسكان الاجتماعي
يُفترض أن يكون أحد أعمدة السياسة الوطنية، نظرًا لحجم الفقر الحضري والعشوائيات التي تضم أكثر من 3 ملايين مواطن. كان من الضروري إنشاء صناديق إسكان اجتماعي تديرها الحكومة بشكل مباشر، وتموّلها الموازنة العامة والمانحون الدوليون، بهدف:
تطوير البنية التحتية في الأحياء الفقيرة ودمجها بالمدن.
توزيع الأراضي المخدومة على محدودي الدخل لتمكينهم من البناء الذاتي.
تشجيع الجمعيات التعاونية لبناء مجمعات سكنية ميسرة.
2- الإسكان الريفي
تُعدّ معالجة السكن الريفي من الثغرات الكبرى في الاستراتيجية، رغم أهميتها في تحقيق التوازن المكاني والحد من الهجرة إلى المدن.
ويقترح البحث ما يلي:
اعتماد مبدأ "وحدة البيت الريفي" القابل للتطوير الذاتي.
إنشاء صندوق تنمية المستقرات الريفية يرتبط بخطة التنمية الوطنية.
إعداد ونشر معايير خاصة بالسكن الريفي في التصميم والتمويل.
ربط مشاريع الإسكان الريفي بخطط التنمية الزراعية والاجتماعية.
إن تجاهل هذا البعد يجعل السياسة الحالية حضرية بحتة، ويضعف أثرها التنموي في معالجة الفجوة الريفية–الحضرية.
سابعًا: الحوكمة والرقابة والتنفيذ
تحتاج سياسة الإسكان إلى آليات رقابية متكاملة تضمن الشفافية والمساءلة. وفي هذا السياق، يُقترح:
إنشاء الوحدة المركزية لمراقبة الإسكان ترتبط حصريًا بالهيئة العامة للإسكان.
توحيد قواعد البيانات الخاصة بالمشاريع والتمويل والإنجاز.
تطوير نظم معلومات جغرافية (GIS) لرصد توزيع المشاريع وتقدمها.
إشراك الجامعات ومراكز البحث في تقييم الأداء بشكل دوري.
كما يجب أن تُمنح الهيئة العامة للإسكان صلاحيات تنفيذية ومساءلة مباشرة أمام مجلس الوزراء، بما يضمن عدم تكرار تجارب الخطط السابقة (2010 و2017) التي فشلت بسبب ضعف المتابعة.
ثامنًا: البعد الاجتماعي وحقوق الإنسان
يؤكد التحليل أن الإسكان ليس عملية إنشائية فقط، بل هو حق إنساني وتنموي شامل. ويجب أن تُبنى الاستراتيجيات على أساس احترام كرامة المواطن وضمان عدم تشريده أو إقصائه. لذلك فإن أي معالجة للمستوطنات العشوائية يجب أن تسبقها بدائل سكنية جاهزة وتخطيط تشاركي مع السكان المتأثرين، بما يتوافق مع مبادئ الأمم المتحدة لحقوق السكن الملائم.
تاسعًا: توصيات تطوير الاستراتيجية
من خلال المقارنة بين محتوى الاستراتيجية الرسمية والنقد التحليلي أعلاه، يمكن استخلاص مجموعة من التوصيات العلمية:
1. تأسيس مجلس وطني أعلى للإسكان برئاسة وزير مختص وعضوية وكلاء الوزارات وصندوق الإسكان المالي.
2. استحداث كودات ومعايير وطنية ملزمة لجميع مشاريع الإسكان.
3. دمج وحدات المراقبة في وحدة مركزية متخصصة تتولى الرصد والتقييم.
4. اعتماد هيكل إقليمي خماسي لتوزيع مهام الإسكان حسب البيئات الجغرافية والاجتماعية.
5. إنشاء هيئة ائتمان وطنية لإدارة التمويل والاستثمار السكني.
6. تفعيل صناديق الإسكان الاجتماعي وجمعيات التعاون السكني.
7. إطلاق برامج تنمية ريفية مرتبطة بخطط التنمية الوطنية.
8. تعزيز مشاركة الجامعات ومراكز البحث في رصد وتحديث السياسة.
9. إعادة النظر في دور القطاع الخاص ليكون شريكًا تنمويًا لا ربحيًا فقط.
10. إلزامية التقييم السنوي لأداء الجهات المنفذة وربطه بالموازنات الحكومية.
الاستنتاج
تكشف الدراسة أن استراتيجية الإسكان الوطنية في العراق 2025–2030 تمثل خطوة تنظيمية مهمة لكنها لا ترتقي بعد إلى مستوى السياسة التنفيذية القادرة على إحداث تحول فعلي في قطاع السكن. فهي وثيقة ذات بعد تخطيطي عام تفتقر إلى البنية المؤسسية والقانونية والتمويلية الصلبة.
إن تحقيق السكن الملائم والمستدام في العراق يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا وهيكليًا يبدأ بتوحيد القرار ضمن مجلس وطني أعلى، وإنشاء مؤسسات إقليمية فعالة، وتطوير التشريعات الوطنية والكودات الهندسية، وتفعيل أدوات التمويل الاجتماعي والائتمان المستدام. كما يجب أن يُعاد الاعتبار للإسكان الريفي والاجتماعي ضمن رؤية تنموية شاملة تدمج العدالة المكانية بالعدالة الاجتماعية.
بهذه المقاربة، يمكن أن تتحول سياسة الإسكان من وثيقة شكلية إلى مشروع وطني متكامل يحقق الأمن السكني والاقتصادي والإنساني للمواطن العراقي، ويعزز مكانة العراق ضمن الدول التي اعتمدت مقاربات حضرية عادلة ومستدامة.
ــــــــــــــــ
*معمار أكاديمي
ص9
العراق يتأهل إلى كأس العالم لفاقدي الأطراف
متابعة ـ طريق الشعب
تأهل منتخب العراق لفاقدي الأطراف إلى بطولة كأس العالم 2026 التي ستقام في كوستاريكا، بعد فوزه على منتخب سوريا بنتيجة 4-0 ضمن التصفيات الآسيوية.
وكان المنتخب العراقي قد شارك في المجموعة الأولى إلى جانب إندونيسيا وسوريا وإيران، حيث جرت مباريات التصفيات في إندونيسيا، وتأهل منها أربعة منتخبات من كل مجموعة إلى بطولة كأس العالم.
وسجل المنتخب العراقي في التصفيات فوزاً آخر على إندونيسيا بهدف نظيف، فيما تعادل سلبياً في أولى مبارياته أمام إيران بدون أهداف، قبل أن يحقق الانتصار الكبير على سوريا ويضمن مقعده في البطولة العالمية.
العراق يواجه الإمارات في ذهاب الملحق الآسيوي المؤهل للمونديال
متابعة ـ طريق الشعب
يحلّ منتخب العراق ضيفًا على نظيره الإماراتي في ملعب محمد بن زايد بنادي الجزيرة بالعاصمة أبو ظبي، ضمن مباراة ذهاب الملحق الآسيوي المؤهل للملحق العالمي في تصفيات كأس العالم 2026.
وكانت الفرصة متاحة أمام المنتخبين العربيين للتأهل مباشرةً إلى المونديال من الدور الرابع، إلا أن الإمارات خسرت بطاقة التأهل لصالح قطر، فيما خسر العراق البطاقة لصالح السعودية المتأهلة إلى أمريكا وكندا والمكسيك.
ويأمل المنتخب الوطني العراقي في تحقيق نتيجة إيجابية خارج أرضه اليوم، قبل الاعتماد على الدعم الجماهيري المتوقع في مباراة الإياب ببغداد، على أمل اقتناص بطاقة التأهل للملحق العالمي، إلا أن المهمة لن تكون سهلة.
ومن المقرر أن تنطلق المباراة عند الساعة السابعة مساءً بتوقيت العراق.
من المتوقع أن يبدأ منتخب العراق المباراة بتشكيلة 4-4-2 بقيادة حارس المرمى جلال حسن، في حين يتكون خط الدفاع من ميرخاس دوسكي وحسن علي ومناف يونس وريبين سولاقا، بينما يضم خط الوسط كل من إيمار شير وزيدان إقبال وكيفن يعقوب وأمير العماري، في حين يقود الهجوم مهند علي إلى جانب أيمن حسين.
أما منتخب الإمارات، فمن المتوقع أن يعتمد على خطة 4-2-3-1 بقيادة الحارس خالد عيسى، مع وجود ماركوس ميلوني وروبن أمارال ولوكاس بيمنتا وكوامي كويدو في الدفاع، بينما يشكل نيكولاس خيمينيز وعلاء الدين زهير ويحيى نادر وكايو كانيدو خط الوسط، في حين يقود الهجوم كايو لوكاس وعلي صالح.
أكد مدرب المنتخب العراقي، غراهام أرنولد، جاهزية الفريق لمواجهة الإمارات، مشيراً إلى أن "اللاعبين في مستوى جيد، وبعض الأشخاص لا يدركون المكانة التي وصلنا إليها، خاصة أن المنتخب وصل لأول مرة إلى مباريات الملحق".
وأضاف أرنولد: "الرحلة مستمرة وهدفنا الوصول إلى كأس العالم، واللاعبون بحاجة إلى دعم الجماهير والإعلام. بعد مواجهة السعودية والتجربة المعقدة هناك، فإن الإمارات تتفهم الوضع أيضاً لأنها مرت بموقف مشابه، لكن نحن جاهزون للمواجهة".
وتابع: "كل شيء يبدأ من كلمة الضغط، ونحن نتخلص منها. اللاعبون جاهزون ذهنياً، وأنا فخور بهم منذ توليتي مسؤولية المنتخب. حتى الآن خضنا ست مباريات، فزنا في أربع، وتعادلنا في واحدة، وخسرنا واحدة".
وأكد أرنولد أن "اللاعبين كانوا مميزين دفاعياً، وتطورهم ممتاز، وعلى الصعيد الفني جميعهم رائعون، ولدينا القدرة على تطويرهم بشكل فردي".
إياد البدر يضمن ميدالية جديدة للعراق في دورة التضامن الإسلامي
متابعة ـ طريق الشعب
تأهل لاعب منتخب العراق للمواي تاي إياد البدر إلى الدور نصف النهائي بعد فوزه على منافسه الليبي في ربع النهائي، ليضمن بذلك إحدى الميداليات الملونة للعراق في دورة ألعاب التضامن الإسلامي المقامة حالياً في الرياض، المملكة العربية السعودية.
وقدّم البدر أداءً قوياً ومميزاً مكنه من الفوز بجدارة على خصمه، مؤكداً تفوقه في منافسات المواي تاي، ومضمنًا بذلك حضور العراق على منصة التتويج في هذه الدورة الرياضية.
وكان الملاكم العراقي علي قاسم، قد فاز بالميدالية البرونزية في وزن 65 كغم ضمن دورة ألعاب التضامن الإسلامي المقامة في السعودية.
--
منتخب الواعدات يصل عمّان لإقامة معسكرٍ تدريبي
متابعة ـ طريق الشعب
وصل وفد منتخب العراق للواعدات إلى العاصمة الأردنية عمّان، للدخول في معسكرٍ تدريبيٍ تحضيري يسبق مشاركته في بطولة غرب آسيا تحت 14 عاماً المقرر انطلاقها الشهر المقبل في السعودية.
ويرأس الوفد عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكرة والمشرفة على اللجنة النسوية رشا طالب، ويضم الفريق 25 لاعبةً بينهن ثماني محترفات في صفوفه.
ومن المقرر أن يخوض المنتخب خلال المعسكر مباراتين وديتين أمام نظيره الأردني، بهدف رفع الجاهزية الفنية والبدنية للاعبات، ومنح الملاك التدريبي الفرصة الكافية لاختيار التشكيلة المثالية قبل خوض المنافسات الرسمية.
قلق جماهيري من بيع مواقف سيارات ملاعب مونديال أمريكا
متابعة ـ طريق الشعب
أثارت خطوة الاتحاد الدولي لكرة القدم بشأن بيع تصاريح مواقف السيارات في كأس العالم 2026 جدلاً واسعًا بين الجماهير، قبل أقل من عام على انطلاق البطولة في مدن أمريكا الشمالية.
وتواجه المدن المستضيفة تحديات لوجستية كبيرة، لا سيما ضعف البنية التحتية للنقل العام مقارنة بنظيراتها الأوروبية، ما يجعل الجماهير معتمدة بشكل شبه كامل على السيارات الخاصة للوصول إلى الملاعب، التي معظمها من ملاعب الدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية "NFL" ومحاطة بمساحات شاسعة لمواقف السيارات.
لكن خلال المونديال، سيتم تخصيص أجزاء كبيرة من هذه المواقف لأغراض أمنية أو مناطق ضيافة، ما سيجعل أماكن الوقوف محدودة للغاية، ويهدد بتحويل الوصول إلى الملاعب إلى كابوس مروري يشبه ما حدث في بعض مدن كأس العالم للأندية 2025، وفقًا لما ذكرته صحيفة "ذا أتلتيك".
في خطوة غير مسبوقة، أعلن فيفا عن بيع تصاريح وقوف السيارات لمعظم الملاعب الـ 16 المستضيفة، بالتعاون مع شركة تكنولوجيا بريطانية لإدارة الحجز والدفع الإلكتروني.
حتى الآن، تم فتح الحجز في خمسة ملاعب رئيسية، هي: هارد روك (ميامي غاردنز)، أروهيد (كانساس سيتي)، جيليت (فوكسبره)، إيه تي آند تي أرلينغتون، ولينكولن فاينانشال (فيلادلفيا). وتتراوح أسعار المواقف بين 75 دولارًا لمباريات دور المجموعات و175 دولارًا لمباريات نصف النهائي أو مباراة تحديد المركز الثالث، فيما تصل في فيلادلفيا إلى 145 دولارًا لمباريات الأدوار الإقصائية.
أما الملاعب الأخرى، مثل أتلانتا، سياتل، لوس أنجلوس، سانتا كلارا، غوادالاخارا، مكسيكو سيتي، مونتيري، فانكوفر، تورونتو، وإيست راذرفورد (المستضيف للنهائي)، فلا تزال صفحات الحجز تشير إلى أن "المواقف ستكون متاحة قريبًا".
المثير للدهشة أن سعر موقف واحد في مرحلة المجموعات 75 دولارًا يفوق ثمن تذكرة الفئة الثالثة في مونديال قطر 2022، الذي بلغ 69 دولارًا فقط. هذه الأسعار تمثل سابقة في بطولات فيفا، إذ لم يُعرف عن الاتحاد الدولي أنه باع مواقف سيارات بهذه الطريقة في نسخ سابقة.
وبينما تعكس الأسعار ما تفرضه فرق NFL وNBA في مبارياتهم، فإنها لا تشمل تذاكر الدخول للمباريات، ولا تزال العديد من التفاصيل، مثل مواقع المواقف وعدد التصاريح وإمكانية الدفع يوم المباراة، غامضة. ففي ميامي، على سبيل المثال، يبعد الموقف المحدد عن ملعب هارد روك 0.9 ميل (حوالي 18 دقيقة سيرًا).
وفي بعض المدن مثل فيلادلفيا، سيتم تحويل أجزاء كبيرة من المواقف إلى مناطق فعاليات تفاعلية للجماهير، بدلاً من استخدامها كمواقف للسيارات. وقالت ميغ كين، مسؤولة اللجنة المنظمة المحلية، إن "المساحة الشرقية لملعب لينكولن فاينانشال لن تحتوي على سيارات إطلاقًا، بل ستستخدم بالكامل كموقع تفاعلي للجماهير خلال بطولة كأس العالم".
ويترقب أن تختلف ترتيبات المواقف من مدينة إلى أخرى، وسط مخاوف متزايدة من ازدحامات خانقة وصعوبات في التنقل قد تؤثر على أجواء البطولة الأكبر في تاريخ كرة القدم.
الاهتمام بالرياضات والألعاب الأخرى
منعم جابر
الرياضة، يا سادتي، هي جميع الألعاب التي يعشقها أبناء المجتمع في أي بلد من بلدان العالم، ولا يمكن أن نختصرها بلعبة واحدة أو اثنتين أو ثلاث. فلكل أبناء وبنات المجتمع هوايات ورغبات متنوعة، وعلى الدولة أن تعمل على تنفيذ هذه الرغبات والهوايات، وهذا ما نجده معمولاً به في أغلب الدول المتقدمة.
أما أن نجد لعبة واحدة هي السائدة ونشاطاً رياضياً مميزاً يطغى على باقي الألعاب، فذلك خطأ كبير لا نراه في البلدان المتطورة. لذا أقول لأحبتي المشرفين على الرياضة في بلدي، والقائمين على شؤونها: عليكم الاهتمام والعناية بجميع الألعاب الرياضية بعين واحدة، ورعايتها دون تمييز، كما هو معمول به في الأنظمة والقوانين الرياضية المعتمدة في العالم، إذ تشترط هذه القوانين على الأندية ممارسة خمس ألعاب على الأقل للسماح لها بالاعتماد والترخيص الرسمي.
أما أن نجد نادياً يمارس لعبة واحدة أو لعبتين فقط، فذلك لا ينسجم مع مفهوم النادي الرياضي الحقيقي، ولا يحق له الحصول على الإجازة. لكن ما نلاحظه اليوم أن بعض أنديتنا تمارس لعبة واحدة فقط، وتركز عليها دون سواها، مما يحرم المؤسسة الرياضية من القدرة على استقطاب مختلف فئات الشباب من البنين والبنات، ويؤدي إلى خسارة طاقات وقدرات شبابية كبيرة بسبب حصر النشاط بلعبة واحدة.
من هنا، أدعو أحبتي في الأندية الرياضية إلى توسيع نشاطاتهم وتعدد ألعابهم، وتشجيع الشباب على ممارسة الألعاب المتنوعة، لأن الاهتمام بالفئات العمرية المبكرة والرياضات المختلفة يساعد الأندية على صناعة أبطال جدد في ألعاب جديدة، ويشكل نواة حقيقية لأجيال قادمة قادرة على الإبداع والتميز.
إن قيام الأندية بتشجيع أشبالها والناشئين فيها على تنوع الألعاب والممارسات الرياضية سيعزز هواياتهم ويدفعهم إلى الإقبال على ميادين جديدة من الرياضة، مما يضمن لنا مستقبلاً زاهراً لأبطال الغد. وعلى الأندية الرياضية أن تخطط بوعي لمستقبلها، وأن تهتم بتعدد الألعاب والنشاطات، وتسعى إلى إقامة بطولات ومسابقات في الألعاب الجديدة، الأمر الذي يساعد على اكتشاف ورعاية المواهب وتنميتها وصقل قدراتها لتكون نواة لجيل رياضي متميز.
إن صناعة الأبطال هي المهمة الأساسية لأي نادٍ رياضي، ونجوم الرياضة هم الأساس المتين الذي تنهض عليه الأندية وتزدهر به الرياضة الوطنية. لذلك يجب أن يحظى هذا الموضوع باهتمام خاص من إدارات الأندية والمؤسسات الرياضية، لأن تركه للصدفة أو للاجتهادات الفردية سيؤدي إلى خسارة كبيرة للرياضة في وطننا.
أعزائي قادة الأندية الرياضية، أنتم مدعوون إلى رعاية أنديتكم والاهتمام بفرقها الرياضية، والوقوف إلى جانب الرياضيين ودعمهم ورعايتهم رعاية أبوية صادقة. فأنتم في قلب الوسط الرياضي، ومن خلال مواقعكم القيادية في هذه المؤسسات يقع على عاتقكم الدور الأكبر في النهوض بالرياضة وتطوير مستواها.
لقد أصبحت الأندية الرياضية جزءاً من مسؤولياتكم المباشرة، وما عليكم إلا أن تتحملوا هذه الأمانة، وتسعوا إلى الارتقاء بها وبأبطالها، والاهتمام بجميع الألعاب والرياضات المتنوعة داخلها.
إن الاهتمام بواقع الأندية الرياضية هو الخطوة الأولى والأساسية للنهوض بالواقع الرياضي العراقي، وهو الأساس الذي تقوم عليه نهضة الوطن ورياضته. وما عليكم إلا أن ترعوا الألعاب والرياضيين جميعاً، ليكونوا الحافز لمستقبل رياضي مشرق، يسهم بفاعلية في تحقيق الإنجاز والتميز في مختلف الألعاب والميادين.
ص10
الشيخ إمام: صوت الفقراء والمقهورين
جاد حجار
بعد ثلاثين عاماً على رحيله، ما يزال صوت الشيخ إمام يدوّي في الشوارع والساحات، شاهداً على زمن غنّى فيه المقهورون للحرية. من التجويد إلى التمرد، ومن الأزهر إلى السجن، صنع إمام مع أحمد فؤاد نجم ثنائية غيّرت معنى الأغنية السياسية وجعلت الفن وجهاً آخر للمقاومة
توفي الشيخ إمام (1918 ــ 1995 ـ اسمه الحقيقي إمام محمد أحمد عيسى) في عام 1995، أي قبل ثلاثين عاماً. لكنّ أغانيه ما تزال تصدح في التظاهرات والمهرجانات العربية والعالمية.
بين التجويد والأهازيج الشعبية
أصيب في صغره بمرض يسمّى الرماد الحبيبي. وبسبب الجهل في أساليب المعالجة في الريف المصري، فقد بصره، فأرسله والده إلى مدرسة دينية لكي يحفظ القرآن. ومن هنا أتت تسميته بالشيخ. تأثّر إمام بالتجويد وتعرّف إلى المقامات الشرقية، وكان يرافق أمّه في التجمعات النسائية، فتأثر بالأهازيج المصرية الشعبية.
كان إمام مولعاً بالاستماع إلى تلاوة الشيخ محمد رفعت، رغم أن الاستماع إلى الإذاعة كان من المحظورات في الجمعية التي ينتمي إليها، إذ اعتُبر بدعةً وإن كان الغرض منه سماع القرآن.
وعندما علمت الجمعية بذلك، قررت فصله بالإجماع. وحين علم والده بما جرى، بحث عنه حتى وجده يقضي نهاره في «مسجد الحسين» وليله في الأزهر حيث كان يبيت. لكن بدلاً من أن يواسيه، انفجر به غضباً وأهانه وضربه، محذراً إياه من العودة إلى قريته بسبب ما عدّه «جريمة» تسببت في فصله من الجمعية. لم تمضِ مدة طويلة حتى توفيت والدته التي كانت أغلى الناس إلى قلبه، ولم يتمكن من حضور جنازتها أو وداعها إلى مثواها الأخير. ومنذ ذلك الحين، لم تطأ قدماه قريته مرة أخرى إلا يوم وفاة أبيه.
ثورة في الأغنية السياسية
في عام 1962، شهدت القاهرة لقاءً غيّر وجه الأغنية السياسية والاجتماعية في العالم العربي، حين التقى الشيخ إمام عيسى، الكفيف ذو الصوت العميق والروح الثائرة، بالشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم (1929 ـ 2013)، الذي جعل من الكلمة مرآةً لوجع الناس وهموم الوطن.
ذهب نجم ليلتقي بالفنان الذي دائماً ما سمع عنه، وكان اللقاء الأول شرارةً لعلاقة فنية وإنسانية فريدة. أعجب كلٌّ منهما بالآخر منذ اللحظة الأولى؛ فحين سأل نجم الشيخ إمام لماذا توقف عن التلحين، أجابه بأنه لم يجد بعد الكلمات التي تستحق ألحانه، فوجد الاثنان في بعضهما ما كانا يبحثان عنه: الكلمة التي تُشعل اللحن، واللحن الذي يمنح الكلمة جناحين.
بدأت الشراكة بينهما تتشكل لتتحول لاحقاً إلى ثنائية أيقونية في الذاكرة العربية. لم تكن مجرد علاقة شاعر وملحن، بل تحالفاً فنياً وموقفاً سياسياً صادقاً عبّر عن نبض الشارع المصري والعربي في زمن التحولات.
انتشر صيتهما سريعاً بين المثقفين والصحافيين، خصوصاً بعد نجاح أغنيات مثل «أنا أتوب عن حبك أنا» و«عشق الصبايا»، التي جمعت بين روح الثورة والعاطفة والإنسانية.
مع الوقت، انضم إليهما عازف الإيقاع محمد علي، ليكوّنوا معاً فرقة صغيرة شكّلت ظاهرة فنية كاملة في التلحين والغناء والتعبير الشعبي.
لم تقتصر تجربتهما على أشعار نجم وحده، بل انفتحت على أعمال كبار الشعراء أمثال فؤاد قاعود، وسيد حجاب، ونجيب سرور، وتوفيق زياد، ونجيب شهاب الدين، وزين العابدين فؤاد، وآدم فتحي، وفرغلي العربي وغيرهم، لتصبح موسيقى الشيخ إمام صوتاً للجماعة، وكلمات نجم لساناً للشعب.
هكذا تحولت ثنائية نجم وإمام إلى أكثر من مجرد تعاون فني. كانت صرخة فنية في وجه القهر ورسالة أمل في زمن الخيبات، جمعت بين الكلمة الصادقة والنغمة الثائرة، فخلّدها التاريخ في ذاكرة الأجيال.
«إمام ونجم» بعد النكسة
بدأت ملامح ما يُعرف بظاهرة «إمام ونجم» بالظهور والانتشار بعد نكسة عام 1967، إذ خرجت أغانيهما من نطاق الجلسات الضيقة، لتتسلّل إلى البيوت والمقاهي والشوارع، ثم تجاوزت حدود مصر لتصل إلى فلسطين وتونس وسوريا.
في تلك المدة العاصفة، أسّس الشيخ إمام عيسى والشاعر أحمد فؤاد نجم ما يمكن وصفه بـ«موسيقى الثوار» في مصر والعالم العربي، صوتاً فنّياً يمزج الغضب الشعبي بالسخرية اللاذعة والأمل بالمقاومة.
بعد ثورة الضباط الأحرار وتولّي جمال عبد الناصر الحكم، كانت أحلام المصريين والعرب معلّقة على استعادة فلسطين. لكنّ هزيمة 1967 جاءت صدمة مدمّرة كسرت تلك الأحلام. لم يقف إمام ونجم على الحياد، بل عبّرا عن الغضب الجماعي بأسلوبهما الخاص، فكتب نجم قصيدته الشهيرة «الحمد لله خبطنا»، التي صوّرت الهزيمة بجرأة وسخرية غير مسبوقة، يقول فيها:
«الحمد لله خبطنا
تحت بطاطنا
يا محلا رجعة ظباطنا
من خط النار
يا أهل مصر المحمية
بالحرامية
الفول كتير والطعمية
والبر عمار»
لحّن الشيخ إمام القصيدة بلحن ساخر جعل الجماهير تضحك بمرارة، فكانت الأغنية متنفساً للخيبة العامة، لكنها أغضبت السلطة التي رأت فيها تحدياً صريحاً للنظام والجيش اللذين أمضيا 15 عاماً يعدان بالنصر. انتشرت أغاني إمام انتشار النار في الهشيم، تُغنّى في المقاهي وعلى الأسطح وفي الجلسات الخاصة، لتصبح رمزاً للفن المقاوم وصوتاً للناس البسطاء.
ومن الطرائف المرتبطة بمشوارهما أن أغنيتهما السياسية الساخرة «بقرة حاحا النطاحة» كانت سبباً غير مباشر في إطلاق سراحهما من السجن، بعدما أثّرت كلماتها في القاضي. ويروي نجم في مذكراته المنشورة في صحيفة «اليوم السابع» عام 2010 أنّ الشيخ إمام قال له وهو في قسم الشرطة: «إوعى تستندل وتفك مني»، أي «لا تتنصّل مني». فأجابه نجم: «هو أنا بتاع الكلام ده؟» فقال له إمام ضاحكاً: «إنت بتاع الكلام اللي يودي في داهية». كانت تلك الجملة تختصر علاقتهما: صدق وشجاعة وتهكّم على كل ما هو زائف، حتى في أحلك الظروف.
نزيل دائم في السجن
في عام 1967، عقب إعلان خبر اغتيال القائد الأممي إرنستو تشي غيفارا، كتب نجم قصيدته الشهيرة «غيفارا مات» ولحنها الشيخ إمام على مقام الصبا الحزين، لتصبح أغنية تمزج بين الحزن والسخرية والتحريض على الثورة، وهو ما يعكس عبقرية إمام في مزج المقامات الموسيقية الحزينة بالكلمات الساخرة.
سُجن مراراً بسبب أغنياته من بينها «شرفت يا نيكسون بابا» التي سخرت من زيارة نيكسون لمصر
لم تخفت عزيمة الثنائي رغم أنّ بعض أغانيهما كانت سبباً في سجنهما، ليصبحا أول فنانين يُسجنان بسبب الموسيقى. ففي عهد عبد الناصر، حُكم على إمام ونجم بالسجن عام 1969، ولم يُطلق سراحهما إلا بعد وفاة الرئيس.
وفي عهد السادات، أُلقي القبض عليهما مجدداً بسبب أغنية «رجعوا التلامذة» على خلفية تظاهرات يناير 1972 في القاهرة التي طالبت السادات بالحرب على إسرائيل. كما تعرضا للسجن بسبب أغنية «شرفت يا نيكسون بابا» الساخرة بعد زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون لمصر بدعوة من السادات، واستمرت السلطات في ملاحقتهما بعد فشل محاولاتها لاستمالتهما.
إمام التقدّمي
لم تسلم أي شائبة في المجتمع من سخرية الشيخ إمام اللاذعة: انتقد المثقفين الخانعين وعديمي الجدوى الذين يدمنون المكوث في مقهى «ريش» في القاهرة. انتقد دعاة النضال الجبناء الذين لا يبادرون إلى أي فعل جدّي: «يا بتوع نضال آخر زمن في العوامات». انتقد الحالة البورجوازية لجمهور أم كلثوم في أغنية «كلب الستّ» وتجرّأ على انتقاد أفعال جيهان السادات البورجوازية. كان إمام ماركسياً من دون أن يقرأ ماركس، تقدمياً اشتراكياً ومسانداً للمستضعفين في الأرض وعاشقاً لمصر ويخاطبها كأنّها امراة جميلة: «مصر يما يا بهية يا أم طرحة وجلابية».
رغم سخريته الشديدة بأدائه وكلماته، إلا أنّ رسالته بنّاءة وواضحة: مناصرة المستضعفين، رفض القمع ومحاربة الكيان الصهيوني.
في ذكرى رحيله الثلاثين، ما تزال أعماله تحاكي القضايا العربية والأممية في الحاضر حيث يطغى الظلم والشراسة الصهيونية على المشهد العام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الأخبار" اللبنانية – 25 تشرين الأول 2025
مجلة غلامور تختار مس ريتشل المساندة
لأطفال غزة امرأة العام 2025
اختارت مجلة غلامور الأميركية مس ريتشل (ريتشل أكورسو) امرأة العام 2025، "تقديراً لمساهمتها الاستثنائية في عالم الإعلام التربوي ودفاعها المتواصل عن حقوق الأطفال" في أنحاء العالم كافة، ولا سيما الأطفال الفلسطينيين في غزة. مس ريتشل (42 عاماً) أم لطفلين، وبدأت مسيرتها قبل ست سنوات مربية منزلية، تصنع مقاطع تعليمية على "يوتيوب" لمساعدة نجلها توماس في التغلب على تأخر في النطق. المقاطع الأولى التي نشرتها كانت بسيطة تعتمد على أسلوبها المحبوب بين الأطفال: صوتها الواضح والإيقاعي، وابتسامتها الدائمة. مع مرور الوقت، تحولت قناتها إلى منصة عالمية، تجاوزت 13 مليار مشاهدة و15 مليون مشترك، وساهمت في إنتاج تسعة كتب، وعلامة ألعاب شهيرة، ومسلسل على "نتفليكس" حقق أكثر من 53 مليون مشاهدة في موسمه الأول، ليصبح البرنامج الأكثر متابعة للأطفال في النصف الأول من عام 2025. لكن الجائزة هذا العام لم تقتصر على نجاحها الإعلامي أو التجاري وفقاً لمجلة غلامور، بل "ركزت على جهودها الإنسانية ووقوفها إلى جانب الأطفال في مناطق النزاع، وخصوصاً في قطاع غزة". منذ العام الماضي، بدأت مس ريتشل التحدث علناً عن المآسي التي يواجهها الأطفال الفلسطينيون جراء حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وهو "تحول جذري عن الصورة الطفولية المألوفة التي صنعت شهرتها". نظمت حملات لجمع التبرعات لصالح منظمات إنسانية، مثل Save the Children، واستضافت طفلة فلسطينية تبلغ من العمر ثلاث سنوات بترت ساقيها جراء القصف الإسرائيلي، لتسليط الضوء على المعاناة الإنسانية للأطفال في غزة. كما عقدت اجتماعات مع منظمات إنسانية مثل "يونيسف" وبرنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة، لمناقشة كيفية تقديم الدعم للأطفال في مناطق الحروب. كما تحدثت عن الأزمة الإنسانية في السودان، معربة عن حرصها على الدفاع عن الأطفال في أي مكان يتعرضون فيه للمعاناة.
نشاطها الإنساني هذا أثار انتقادات وهجمات من جماعات مؤيدة للاحتلال الإسرائيلي التي اتهمتها زوراً بترويج "دعاية حركة حماس". في مايو/أيار 2025، ردّت مس ريتشل على هذه الهجمات قائلة إنها "كذب صريح"، وأكدت أن اهتمامها منصب على حقوق الأطفال بغض النظر عن ديانتهم أو جنسيتهم أو مكان ولادتهم. وشددت على أن آلاف الأطفال الفلسطينيين لا يزالون يتعرضون للقتل والتشويه والجوع، وأن الدفاع عنهم لا يقلل من اهتمامها بأطفال آخرين في أنحاء العالم.
ومع هذه الهجمات، استمرت مس ريتشل في نشاطها، مؤكدة أن واجبها الأخلاقي بوصفها أماً ومربية إعلامية هو الدفاع عن الأطفال الذين يعيشون في ظروف مأساوية. وأشارت إلى أن منصتها تمنحها القدرة على إيصال رسائل إنسانية عاجلة إلى جمهور واسع، وهو ما يجعل من مسؤوليتها استخدام هذه المنصة في خدمة الأطفال الأكثر حاجة. وإلى جانب نطاق التعليم، استخدمت مس ريتشل شهرتها لتسليط الضوء على قضايا اجتماعية مهمة، مثل التحدث عن اكتئاب ما بعد الولادة والدفاع عن حقوق الأطفال في مجتمعات مختلفة. و"أظهرت الشجاعة في مواجهة الهجمات الإعلامية والسياسية" وفقاً لـ"غلامور"، معتبرة أن "الأطفال حياتهم أهم من سمعتي الشخصية أو من الانتقادات التي قد أتعرض لها". ووفقاً لمجلة غلامور، فإن "التميز الذي حققته مس ريتشل في الجمع بين التعليم والترفيه والدفاع الإنساني جعل منها نموذجاً فريداً في المشهد العالمي، ليس فقط بصفتها نجمة إعلامية، بل لكونها رمزاً للضمير الإنساني، يجمع بين التعاطف، والفاعلية، والشجاعة في مواجهة الخطر والانتقادات. وبذلك، أصبحت امرأة العام 2025 ليس فقط بسبب شهرتها، بل لالتزامها المستمر بالدفاع عن الأطفال الأكثر حاجة، ولقدرتها على تحويل منصتها إلى أداة للتغيير الاجتماعي والإنساني على نطاق عالمي".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"العربي الجديد" – 28 تشرين الأول 2025
أفول إمبراطورية الغرب – آسيا تنتفض لتولد من جديد
يقدم الكاتب الهندي بانكاج ميشرا في كتابه "أفول إمبراطورية الغرب- آسيا تنتفض لتولد من جديد"، الصادر، مؤخرا، عن المركز القومي للترجمة بمصر بترجمة أحمد جمال ابو الليل، قراءة تاريخية لمسار مناهضة الاستعمارية الغربية في آسيا والعالم الإسلامي ومصر، ويتتبع التحولات الفكرية والسياسية التي شكلت الوعي الآسيوي منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين. يبدأ من أمر بات معلوما وهو أن التاريخ الحديث كُتب من وجهة النظر الأوروبية، وأن السرديات السائدة عن "النهضة" و"التمدن" و"التنوير" جاءت من داخل التجربة الغربية نفسها، في تجاهل تام، بل إخفاء لما عاشته شعوب آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط من مقاومة فكرية وثقافية وروحية، لذلك المشروع الكولونيالي الذي سعى إلى إخضاع العالم كله تحت لواء "الرجل الأبيض". يقدم الكاتب سردا معاكسا لسرد المركزية الأوروبية، ويعيد الاعتبار إلى مفكرين ومصلحين كبار، مثل جمال الدين الأفغاني، وطاغور، وسون يات سين، وليانغ كيشاو، وغيرهم من رواد النهضة الآسيوية الذين أبرزوا قدرة شعوبهم الروحية والمادية على مواجهة الهيمنة الغربية. يرى ميشرا أن هؤلاء المفكرين لم يكونوا مجرد دعاة إصلاح، بل رواد لمشروع تحرري عالمي صاغ رؤية مختلفة للحداثة، تنبع من الروح ومن التنوع الثقافي، مقابل النزعة المادية والعنصرية التي تبناها الغرب الاستعماري. وقد نجح المؤلف- بحسب ما ورد في مقدمة المترجم- "في تقديم عرض واف لحقبة كولونيالية امتدت أعواما طوالا بالتوازي مع الجهود الساعية إلى مقاومة ذلك التوغل الكولونيالي للغرب، وهي الجهود التي أفضت إلى تحرر الشعوب المضطهدة من ربقة هيمنة (الرجل الأبيض) ومن أصفاد (مهمته الحضارية) المزعومة".
وفي سياق عرض الحقبة الكولونيالية، يسلط ميشرا الضوء على مصر والهند والصين وإيران وتركيا بوصفها ساحات كبرى لمواجهة الغرب، مبرزا كيف تبلورت فيها نماذج مختلفة من الوعي الوطني والنهضة الفكرية، جمعت بين نقد الذات ومقاومة الآخر. ويؤكد أن الحركات الآسيوية المناهضة للاستعمار لم تكن رد فعل عاطفيا أو انعزاليا، بل كانت محاولة لاستعادة التوازن العالمي الذي اختل مع صعود أوروبا الحديثة. ومن هنا تأتي دلالة العنوان الفرعي للكتاب "آسيا تنتفض لتولد من جديد"، إذ يرى الكاتب أن العالم يشهد اليوم عودة آسيوية كبرى، ثقافيا واقتصاديا، تمثل ردا تاريخيا على قرون من الهيمنة الغربية.
بهذا، يقدم بانكاج ميشرا كتابا يعيد صياغة مفهوم التاريخ الحديث من منظور الشعوب المهمشة، ليؤكد أن أفول الغرب لا يعني سقوطه، أو لا يعني سقوطه فحسب، بل يعني نهضة الآخرين، وأن آسيا- التي كانت مستعمَرة بالأمس- تستعيد اليوم مكانها الطبيعي في صدارة الحضارة الإنسانية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة "المجلة" – 13 تشرين الأول 2025
إرث ماريو بارغاس يوسا.. قلم وتمثال فرس النهر
شهدت مدينة أريكويبا البيروانية، مسقط رأس الروائي ماريو بارغاس يوسا، احتفالاً ثقافياً أعاد اسمه إلى واجهة المشهد الأدبي العالمي، مع تسليم رمزي لإرثه إلى معهد ثربانتس في مدريد وإعادة افتتاح بيته - المتحف بعد أعمال توسيعية وصيانة. وأودِع قلم بارغاس يوسا الشهير الذي حصل عليه عام 1985 إثر فوزه بجائزة "ريتز هيمنغواي" في خزائن معهد ثربانتس، ضمن مشروعه الثقافي "صندوق الحروف" الذي يحتفظ بآثار المبدعين الإسبان واللاتينيين. ويروي القائمون على الحدث أن هذا القلم حمل قصة طريفة؛ إذ كان الأديب يستعد حينها للمشاركة في لجنة التحكيم، قبل أن يتبين أنه من بين المتأهلين لنيل الجائزة عن روايته "حرب نهاية العالم"، لينال التكريم بدلاً من أن يمنحه. القلم، الذي رافقه في سنوات الكتابة الأخيرة، أصبح اليوم رمزاً للصلة بين الكاتب واللغة التي أسهم في تجديدها. وفي لفتة موازية، قُدم تمثال فرس النهر الذهبي من مقتنيات الكاتب الخاصة إلى الأكاديمية الملكية الإسبانية.
وقد كان فرس النهر الأفريقي بالنسبة ليوسا استعارة للكاتب نفسه: مخلوق يجمع بين الهدوء والمهابة، بين الرغبة والفكر، بين التوحش والغموض. ومع هذا التبادل الرمزي بين القلم والتمثال، بدا التكريم وكأنه حوار مفتوح بين مؤسستين لغويتين من خلال إرث يوسا.
ترافق هذا الاحتفاء مع إطلاق مشروعين جديدين يوسّعان من حضور يوسا في المشهد الثقافي: إصدار "قاموس ماريو بارغس يوسا: سكنَ الكلمات" وإعادة افتتاح البيت المتحف في أريكويبا.
يتألف القاموس، الذي أعدّه معهد ثربانتس بمشاركة نخبة من الكتّاب والأكاديميين، من مئة مدخل لغوي يعكس كل منها جانباً من حياة الأديب ورؤيته الفكرية، من مفردات مثل "الحب" و"الحرية" و"الجنون" إلى مفاهيم "السلطة" و"الثورة" و"المدينة".
يسرد المشاركون تأملاتهم في كلمات كانت جوهرية في أدب يوسا، فيما كتبت ابنته مورغانا مدخل "الأم"، لتمنح القاموس بعداً شخصياً وإنسانياً عميقاً. أما البيت - المتحف فقد استعاد مكانته بوصفه فضاءً للذاكرة والتجربة الأدبية، إذ جرى تحديثه بتقنيات رقمية تفاعلية، منها مجسم هولوغرام للكاتب يستقبل الزوار عند المدخل، وغرفة تعرض مشهد ولادته في عام 1936، إلى جانب فضاءات تستحضر المدن التي عاش فيها وكتب عنها من باريس إلى مدريد وليما.
كما افتُتحت قاعة جديدة تحمل اسم "الخالِد" احتفاء بانضمامه إلى الأكاديمية الفرنسية للغة، في إشارة إلى بعده العالمي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"العربي الجديد" – 17 تشرين الأول 2025
ص11
رعد مشتت في شؤونه العائلية والابداعية
الشاعر والمخرج السينمائي العراقي البارز رعد مشتت؛ صدرت له عن اتحاد الادباء والكتاب في العراق، مجموعة شعرية جديدة بعنوان "شؤون عائلية". وكان قد اصدر من قبل "الجنود" دار الفارابي 1982، "السجين السياسي" دار رياض الريس 1987، "قصيدة تشبه اليوم" دار الانتشار 2002.
وكان الفنان والشاعر رعد مشتت قد اخرج عدداً من الافلام والمسلسلات التلفزيونية منها: الفلم الروائي "صمت الراعي" ومسلسل "قطار الموت".
ويتمتع مشتت برؤية بصرية ثاقبة واحساس شعري متدفق، حتى اطلق عليه صفة "الشاعر البَصَري".
التعريب في مقابل التغريب
د. ضياء خضير
التعريب والتغريب مصطلحان متقابلان في الفكر العربي الحديث، يعكسان جدلية العلاقة بين الذات والآخر، بين المحافظة على الهوية والانفتاح على العالم. فالتعريب، في معناه اللغوي والثقافي، يشير إلى عملية تكييف العناصر الأجنبية، سواء أكانت لغوية أم فكرية أم علمية، لتتلاءم مع البنية العربية في اللغة والثقافة والتقاليد السائدة. أما التغريب، فيدلّ على اتجاه معاكس يهدف إلى تقليد الغرب ومحاكاته، لا في المنجزات فحسب، بل في أنماط التفكير والقيم والعلاقات الاجتماعية أيضًا. ومن ثم، فإن المفهومين لا يعبّران فقط عن موقف لغوي، بل عن رؤية حضارية أوسع تمسّ علاقة الأمة العربية بشخصيتها وبالآخر.
من الناحية اللغوية، كان التعريب ممارسةً قديمة في العربية منذ فجر الإسلام، حيث دخلت كلمات فارسية وسريانية ويونانية إلى المعجم العربي، وفارسية للقرآن الكريم بعد إخضاعها لأوزان العربية وقوانينها الصوتية، مثل "إستبرق"و"قنطار" و"فلسفة".
ومع اتساع الدولة الإسلامية واحتكاكها بثقافات متعددة، أصبح التعريب وسيلة لاستيعاب العلوم والمعارف دون المساس بهوية اللغة. وقد بلغ هذا الجهد ذروته في العصر العباسي زمن المأمون، حين تولّى المترجمون نقل مؤلفات اليونان الفلسفية والعلمية، وبعض آداب الفرس والهنود إلى العربية مباشرة، أو من لغة وسيطة كالسريانية، فلم تعد عملية التعريب مجردَ ترجمة لغوية، بل تملّكًا للمعرفة وتكييفًا لها في إطار المنظور العربي الإسلامي. وهكذا مثّل التعريب آنذاك أداةً فاعلة للتجديد الحضاري لا وسيلة للاستلاب الثقافي. والدافع لم يكن دائما ترفا ثقافيا، بل حاجة وجودية يمكن التعبير عنها بالقول المعروف "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم".
أما في العصر الحديث، فقد اكتسب التعريب بعدًا آخر مع ظهور الدول العربية الحديثة وبروز الحاجة إلى نقل العلوم الغربية الحديثة إلى العربية. فكان النقاش يدور حول كيفية التعريب لا ضرورته وشرعيته، إذ رأى بعض المفكرين والمترجمين والمجالس العلمية العربية أن نقل المصطلحات والمعارف ينبغي أن يتم بلغة الأمة كي لا تنقطع الصلة بين العلم والهوية التاريخية التي لا ينبغي أن تتعرض للتشويه والارتباك اللساني . غير أن حركة التعريب الحديثة واجهت تحديات لغوية وإدارية وتعليمية عملية، خصوصًا في مجالات الطب والهندسة والعلوم التطبيقية، حيث ظلّت المصطلحات الأجنبية مهيمنة في الجامعات ومراكز البحث، خلافا لما حصل في لغات أخرى قد لا يكون لها ما للغة العربية من تاريخ وسعة أفق وقدرة على الاستيعاب. ومع ذلك، ظلّ التعريب في الفكر العربي رمزًا للسيادة اللغوية والاستقلال الثقافي، ومحاولةً لإعادة إنتاج الحداثة لحساب الذات، لا لحساب الآخر.
وفي مقابل ذلك، يُفهم التغريب من جهة أخرى بوصفه نزعة تتجاوز الإعجاب بالغرب إلى حدّ التماهي معه. وهو ظاهرة فكرية وثقافية بدأت تتبلور في القرن التاسع عشر مع الاحتكاك المباشر بالحضارة الأوروبية نتيجة البعثات التعليمية والاحتلال الأجنبي ولغاته العلمية المهيمنة، وخصوصا الإنكليزية والفرنسية. وقد تجلّى التغريب في مظاهره اللغوية والثقافية على حدّ سواء، ونتيجةً لذلك أخذت اللغة العربية تفقد مكانتها أمام اللغات الأوروبية في مجالات الإدارة والتعليم، وبدأت مظاهر الحياة الاجتماعية تتأثر بالقيم الغربية في الملبس والمأكل والتفكير. وعدّ كثير من المفكرين، مثل مالك بن نبي ومحمد عمارة، أن التغريب شكل من أشكال "الاستلاب الحضاري" الذي يُفقد الأمة قدرتها على الإبداع الذاتي ويحوّلها إلى أمة مستهلكة لمنتجات الآخر الفكرية والمادية.
وهكذا لم يكن الموقف من التغريب موحدًا في العالم العربي؛ فبينما رأى فيه بعضُ النهضويين ضرورةً للخروج من الجمود والتخلف، اعتبره آخرون تهديدًا للهوية وانفصالًا عن الجذور. ومن هنا برز الاتجاه الوسطي الذي يدعو إلى التمييز بين الأخذ من الغرب، والتبعية اللغوية له، أي بين الاستفادة من منجزاته العلمية والتقنية ضمن إطار من الحذر والوعي النقدي، وبين الذوبان في قيم الغرب ومفاهيمه دون تمحيص. فالتغريب ليس قدرًا حتميًا، بل هو خيار ثقافي يمكن تجاوزه أو توجيهه بما يخدم مشروعًا نهضويًا عربيًا متوازنًا.
وعليه، يمكن القول إن التعريب يمثل فعلًا إيجابيًا يهدف إلى تمكين اللغة والثقافة العربية من استيعاب الحداثة وتمثّلها باللسان العربي وقرينته الذات العربية، بينما يشير التغريب إلى اتجاه سلبي يفقد هذه الذات استقلالها في التفكير والتعبير إذا تجاوز الحدود الضرورية لمتطلبات اللغة القومية. وبين التعريب والتغريب تمتد مساحة واسعة من الحوار والتفاعل بين الثقافات، لا تقوم على الانغلاق، ولا على الذوبان، بل على التبادل الواعي الذي يحفظ للهوية العربية أصالتها وكفاءتها، ويكسبها في الوقت ذاته قدرةً على التجدد والتفاعل مع العصر وعلومه.
وفي الأحول كلها، لا يتعارض اللجوء إلى التعريب مع الحفاظ على اللغة والتمسك باللسان العربي كعلامة أولى من علامات هوية الأمة وشخصيتها، ولا مع ضرورة معرفة بعض اللغات العصرية التي توصف في العادة بأنها لغات العلم والتكنلوجيا. وقد يكون استخدام مصطلحات كثيرة معرّبة وجها من وجوه الثقة بالنفس والإيمان بالقدرة على التعامل مع اللغات الأخرى دون خوف من فقدان السيطرة على اللغة القومية.
وقد يكون من نافل القول أن نذكر هنا أيضا أن التعريب لا يقتصر على المصطلحات، بل على النصوص المختلفة، لا سيما في السينما والمسرح. حيث درج المشتغلون العرب بهذه الفنون، في أول عهدهم بها خصوصا، على إخضاعها للبيئة المحلية على صعيد اللغة، والسياق التاريخيّ العام، والشخصيات، ونوع الأفكار المتداولة في الحوار، بحيث تبدو متوافقة مع البيئة والجمهور الذي يراها. وقد أُتيح لي شخصيا أن أعالج عددا من هذه النصوص المسرحية المعربة أو المترجمة بطريقة حرة عن الفرنسية في كتابي عن (المسرح العراقي وتأثير المسرح الأجنبي خلال مائة عام [1880 -1980]، حيث أتيح لبعض رجال الدين المسيحيين العراقيين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في الموصل وبغداد أن يعرّبوا بعضا من المسرحيات الفرنسية ذات الطابع الأخلاقي والتربوي ليقدموها في بعض المدارس التابعة لطوائفهم.
قصة قصيرة
كَادي كُوي
جابر خليفة جابر
أيّها الجلّاد
عُد إلى قريتكَ الصغيرة
لقد طردناك اليومَ
وألغينا هذه الوظيفة..
• سركون بولص
الإهداء إلى: سعيد كريتلي، شهد الرحماني، وحيد غانم، عادل الثامري
وإلى: حسين سرمك وروحِه
التي ظلّلتني في يلوا.
يوم الأحد أواخر سنة 2020 في ضريح السيد أحمد البدوي بمدينة طنطا بمصر وأنا أتهيأ لصلاة الظهر وردتني رسالة من علي تخبرني برحيل والده، صديقي الأقرب إلى قلبي الدكتور حسين سرمك. كنت أتواصل مع علي، وأعرف أن حالته حرجة جداً، لكنني مع هذا صُدمت وإحساس بالفجيعة اجتاحني، لا يمكنني وصف مشاعري، ولا أدري لماذا تمنيتُ أن يبقى جثمانه هناك ولا ينقل للعراق، كما لو كنت واثقاً من أننا سنلتقي في يلوا.. بعد خمس سنوات في مقهى نيرو عند رصيف ميناء يني كابي باسطنبول الأوربية غمرتني المشاعر ذاتها بحزن شفيف، فقد كان حسين حاضراً معي وأنا أحتسي الشاي التركي الثقيل باستكانة من زجاج مذهّبٍ أرجعتني إلى أجواء السبعينات في البصرة وبغداد وطقوس الشاي العراقية، وصلت شهد كي تصطحبني إلى يلوا، وكانت قد أصرّت على أن تتكفّل بحجوزات التذاكر ومرافقتي، وكتبت لي: خالو ميصير لازم أجي.
رأيتها تلوّح لي من باب المحطة وبيدها تذاكر (العبّارة) إلى يلوا. قرأتُ اسم هذه المدينة التركية الساحلية الواقعة على الجانب الآسيوي من بحر مرمرة في قصة لشهد بعنوان (فهد) ومع أنها قصتها الأولى لكن الدكتور حسين سرمك أشاد بها ونشرها في موقعه (الناقد العراقي) بعض أحداثها تجري على ظهر السفينة أو (العبّارة) كما يسميها العراقيون المقيمون في تركيا، وكنت أتساءل: هل ثمة صلة ما، بين إصرار الدكتور سرمك على نشر هذه القصة مع أنها الأولى لها، وبين سكناه فيما بعد ووفاته بوباء كورونا في هذه المدينة. وفي الطريق البحري إلى يلوا ذكرت تساؤلي هذا وكنا على المقاعد الأمامية، ثمة ظل لطيف يظللنا، استدرت نحوها، كانت ترتدي قلادة تحمل صورة جيفارا، الثائر الأممي المعروف، قلت لها ممازحاً: بلشفية خالو، وكانت إلى يساري، فابتسمت، وأرتني ساعتها، فتحت عيني على اتساعهما كأنني مندهش وقلت: كاسترو أيضاً، وسألتها: لا شمس هنا ما هذا الظل فوقنا؟ تلفتت مندهشة ثم قالت: لا أدري، ربما سحابة عابرة، تحدث الرجل عن يميني ببضع كلمات تركية، عرفت منها اسم تروتسكي، وكان يشير إلى جزر الأمراء التي بدت من جهته غير بعيدة، فتذكّرت قراءتي لكتّاب تأريخ الثورة الروسية، وكان تروتسكي قد كتبه في منفاه الأول في جزيرة (بيوك أدا) بتركيا، وهي واحدة من هذه الجزر التسع. ثمة العديد من الأمراء البيزنطيين تم احتجازهم فيها ومنهم أخذت الاسم، ولعل هذا ما دعا كمال أتاتورك إلى نقل تروتسكي مع زوجته ناتاليا من إسطنبول إليها. الكاتب التركي سعيد فائق سكن في هذه الجزر أيضاً، وهناك متحف باسمه في جزيرة بورغاز، وذكر أدباء آخرين، معلومات جميلة كنت مستمتعاً بها، وتساءلت ثانية: ترى هل ذهب صديقي الحبيب حسين سرمك إلى يلوا ليلتقي بأرواح أولئك، أشقاء الكلمة، تروتسكي وفائق وناظم حكمت وعزيز نسين ويشار وكمال وغيرهم، لا أدري، لكنه كان يؤمن بالقوة الخلاقة للاشعور، ربما قادته هذه القوة للقاء بأقرانه هناك، أتذكر بألمً أنه وقت مغادرته العراق من مطار البصرة، ودعني برسالة واتساب مقتضبة تعمّد فيها تضييق الوقت، كي لا يكلّفني باستقباله ومصاحبته، وكي يوفر علينا معاً مشاعر الوداع الموجعة. ليس هناك صدفة في هذا الكون/ الرواية.. كل حركة، كل سكنة، كل شيء منسجم بدقة واتقان مدهشين مع غيره، قال هذا وهو يستضيفني في آخر لقاءٍ لنا في داره بالناصرية. ولعل ما ذكره صديقي عن هذا الانسجام المدهش والرسم السردي المتقن للكون وكائناته ووقائعه، هو الذي جمعني في اليوم ذاته - إنما بعد ساعات - في كاديكوي إحدى الضواحي الساحلية الجميلة ليلوا بالكهل التركي وسأسميه: سعيد كريتلي، كان جالساً على كرسي خشبي لوحده، مبتعداً عن الجميع، ووجهه سارح في الأفق، كما لو كان هو ذاته القاضي سعيد كريتلي الذي سيحدثني عنه. يمكنني ببساطة - وأنا أتأمل ملامح ذلك الكهل الذي لا أفهم لغته – أن أعيد ما رواه لي عن حكاية القاضي وقريته، كاديكوي:
جلس سعيد كريتلي، قاضي يلوا مستظلا بظهيرة هادئة، مر الوقتُ عليه بسلام، لا مشاكل مهمة ولا خصومات، ناس هذه المدينة وقراها طيبين، قال في سرّه، ثمة نسائم عذبة تداعب وجهه وتغريه بقيلولة مريحة، أسند ظهره إلى وسادة محشوّة بالريش الناعم، شعر باسترخاء لذيذ ودار بعينيه في السماء، صافية زرقاء، تزيّنها سحائب بيض متفرقات، ما أشبهها بألوان البيوت في قريته بجزيرة كريت، زرقة وبياض، قال، وما أحلاها، وتذكّر أن الناس هناك يُقولون إنها من تراث أجدادهم الأندلسيين الذين حكموا جزيرة كريت لأكثر من قرن. كان سعيد كريتلي بعد أن تولى القضاء بيلوا يحنّ بشدّة لمرابع الصبا في كريت، ويركب إليها البحر بين حين وآخر، يزور أقاربه وأصحابه هناك، يتفقد أحوالهم ومعه حقيبة هداياه من خواتم وأحجار كريمة ومسابح. الاخضرار هناك في كريت، وحتى هنا في يلوا يغطي الأرجاء، كل شيء دون الأفق أخضر، سفوح الجبال المحيطة، وحتى القمم خضراء والمناطق القريبة، أخذته خيالاته بعيداً حتى ارتفع الآذان: حي على الصلاة، فتغلّب على كسله، توضأ وصلى الظهر وتغدّى، وأوشك أن يرتشف ثانية من استكان الشاي مسترخياً في انتظار قيلولته، لكنه سمع جلبة في الحوش.
- يواش، يواش، اهدأوا، ساكين أولون.. ما بكم، من هذا؟
- مولانا القاضي هذا ولد حرامي، قال الحارس وهو يجر الصبي ويشدد قبضته على ياقة ثوبه كما لو كان يخشى هروبه.
- حرامي، هٍرسٍز، أف أف، لاحول ولا قوّة إلا بالله. ماذا سرقت يا ولد؟
سكت الصبي، مرعوباً.. كان وعيناه دامعتين، فانبرى الحارس:
- لقد دخل بستانكم مولانا، قفز ودخل.
- عجايب! ارفع يدك عنه، وقل لي: هل رأيته بعينك يا حارس؟
- يوك مولانا، هذا جوجوك شَيتَان؛ كان مختبئاً، ما رأيته أنا، لكني رأيت ظلّهُ يقفز هكذا. وحاول تصوير قفزته بحركة مضحكة.
كتم الحاضرون ضحكاتهم احتراما للقاضي الي اكتفى بابتسامة وسأل الحارس..
- تقول رأيته يقفز، لكن الى بستان فيه سور، كيف يقفز؟
- هو قفز مولانا، ظلّهُ قفز. لزوم هناك سور مانع، بركات مولانا القاضي لزوم يوجد سور، لذلك قفز وعبر السور.
أطرق القاضي قليلاً وهو يمسّد لحيته بعد أن همس الإخبارجي بأذنه إن الولد من الروم، وأنه يعيش مع أمّه وأخته الصغيرة وجدته العجوز ويعيلهم بعد فقدان والده في بحر إيجه.
- اجلس يا ولد، اعطوه ماءً، اشرب لا تخف.
- ثم التفت للحارس: هكذا إذن، أنت رأيت ظلّهُ، وماذا رأيت بعد ذلك، ماذا فعل هذا ولد؟
- لقد تسلّق شجرة السفرجل مولانا، مع إنها واطئة وثمارها قريبة، لكنه تسلّقها بخفّة ثعلب مولانا، هذا شَيتَان ولد مولانا.
- ها – قال القاضي – هذه المرّة رأيته يصعد الشجرة أم ظلّهُ؟
- ظلّهُ مولانا، وكان طويلاً، أطول من شجرة السفرجل القصيرة وأضخم.
- وأين كان هذا الولد؟
- لا أعلم مولانا، هذا شَيتَان ولد. وأكل سفرجلة كاملة.
- تقصد ظلّهُ أكل سفرجلة أم هو بلحمه ودمه؟
- بلي مولانا أنا رأيت ظلّهُ فقط، يوك ولد.
- هل التهمها ظلّهُ بسرعة أم ببطء؟
- هذا سريع مولانا، انقض عليها هو، وأكلها كأنه قط مفترس.
- هو أم ظلّهُ يا حارس.. كن دقيقاً في الشهادة.
- بلي هو مولانا، لا لا مولانا، عفوا منكم مولانا، ظلّهُ أكلها.
- ها، هكذا. ونظر إلى الصبي رافعا حاجبيه وبؤبؤي عينيه نحوه.
- وهل أكلها كلّها أم ترك قطعةً منها؟
- كلها مولانا، ألتهمها كلها بسرعة.
- هذا جوعان ولد أيها الحارس! لماذا لم تدعه يأكل أكثر، جوجوك جُك آج، يا صاحب القلب القاسي.
- تعال يا ولد، لا تخف، لماذا لا تجلس، هنا اقترب جنبي.
- حاكم كاتب تعال. نادى القاضي.
اكتب: لأن ظلّ هذا الولد قفز، وعبر السور وليس الولد نفسه، فقد حكمنا بأن يضرب الظل يوز قمجي، مائة سوط.
ولأن ظلّ ولد صعد شجرة، يُجلد الظلُّ يوز قمجي زيادة. كاتب كم صار حساب؟
- مولانا مائتي سوط قمجي نجلد ولد.
- يواش، لا، مائتي سوط يجلد ظل الولد. وليس الولد، مفهوم؟
- كيف مولانا؟
- حاكم كاتب افهم كلامي: الحارس رأى ظل الولد يقفز ويصعد ويأكل وليس الولد، أنت يا حارس هل رأيت الولد أو الظل؟
تردد الحارس وخشي إن قال رأيت الولد، فسيتهمه القاضي بشهادة زور ويجلّده ويطرده، كما فعل بالحارس السابق. فقال:
- بلي حضرة مولانا القاضي أنا رأيت ظل الولد فقط.
- عفارم، إذن أنت حارس تمسك كرباج غداً، وتقف بالشمس، وتجلد ظل الولد مائتي جلدة. يواش، وزيادة يوز سوط لأنه أكل السفرجلة.
ثم دنا القاضي من الولد وهمس بأذنه: لا تخف ستقف في الشمس فقط، وشمس يلوا لا تحرق، والحارس سيجلد ظلك ولست أنت، فهمت؟ أومأ الصبي برأسه بلي.
ظهر اليوم التالي وقف الولد، وامتد منه ظل طويل وكان الحارس يجلد الظل والكاتب يسجل وأحياناً يُخطئ في العد، فيأمره القاضي بإعادة الجلد والعد من جديد، حتى هلك الحارس من التعب وصارت يده ترتجف، بالكاد أكملَ مائتين ولم يستطع الاستمرار.
فقال القاضي: حارس، أنت صرت عجوزاً، اخرج لا نحتاجك، ابحث عن عمل آخر. والتفت إلى كاتبه: لا نريد حارس مكانه ولا جلاد، ارموا هذا الكرباج بالبحر، لقد ألغينا هذه الوظيفة. مشى القاضي ناسياً قيلولته ويد الفتى بيده، وكان ظلّ الولد من شدة فرحه بإلغاء وظيفة الجلاد قد ارتفع عالياً، طار فوقهما وسايرهما كغيمة، هكذا يؤكد كبار السن في كاديكوي، ومنذ تلك الحادثة أينما يذهب الفتى كان ظلّهُ معه، لكنه يسير فوقه، لا جنبه ولا أمامه أو خلفه. وفي الليل ينام معه في فراشه.
وصل الخبر إلى السلطان في قصر دولما بهجت باسطنبول فاستدعاهما معاً، القاضي سعيد والصبي الرومي، وكان يستمع لحكايتهما وهو مندهش، أعجبته حكمة القاضي وعطفه وعدالته، وشاهد بعينيه الظلَّ وهو يسير فوق الفتى ويدخل القصر معه، فاقشعر جلده وأخذته رهبة، وأمر بمنح الفتى راتباً وبيتاً لأسرته، وتمليك القاضي كل الأراضي الواسعة المحيطة بداره، وحتى الجبال المحيطة بها، ومنذ ذلك الوقت سمّيت المنطقة: قرية القاضي (كاديكوي). بقيا معاً متصاحبين لسنوات، ثم مات القاضي، وعاش الفتى من بعده أكثر من ستين سنة حتى بات عجوزاً، لكنه طيلة هذا الزمن لم يتأخر يوماً عن زيارة قبر صديقه القاضي، وفي بعض ليالي الصيف كان ينام إلى جواره، حتى قامت الحرب بين اليونان وتركيا وانتهت بتوقيع اتفاقية لوزان بينهما، وبموجبها تم طرد الأتراك من جزيرة كريت والأراضي اليونانية، ومنهم من كان من أحفاد القاضي سعيد كريتلي وأقاربه فاستوطنوا كاديكوي، وبالمقابل طُرد اليونانيون من مدينة يلوا والأراضي التركية، ومنهم الرومي العجوز مع أولاده وأحفاده، فغادروا يلوا وقد أعطاهم فائق كريتلي ابن القاضي مفاتيح بيوت الأسرة بجزيرة كريت، لكن الرومي العجوز حين صعد السفينة لم يصعد ظلّهُ معه، لم يصاحبه لأول مرة منذ حادثة الجلد، وتوقف عند الساحل، كأنما يودع صاحبه أو يعتذر منه، ثم عاد الظلُّ إلى كاديكوي.
في اليونان تحدثت الصحف عن مهاجر عجوز جاء إلى كريت بلا ظل وسرت أوقاويل وقصص كثيرة عن سرقة الأتراك لظلّهً، لكن الناس في يلوا وكاديكوي اعتادوا على رؤية الظلّ وهو يتجوّل من دون صاحبه، ينظرون إليه ويترحمون على القاضي ويتذكّرون العجوز الرومي بمحبة. طيلة النهار يبقى الظلُّ عالياً وبعيداً، لكنه ما أن يرى إنساناً طيباً حتى يهبط قريباً منه ويظلّله. وفي المساء قبيل المغرب بقليل يرجع مباشرة إلى ضريح القاضي سعيد في بستانه القديم يطوف حوله قليلاً ثم يختفي فيه.
مس صديقي وحيد غانم كفي برفق فانتبهت، وقال عادل الثامري وهو يغمض عينيه بانفعال لطيف، وكانا يحتفلان بي ضيفا عندهما: أين سرحت. انتبهت كما لو كنت غافياً، اختفى محدثي الكهل التركي، سألتهما عنه فضحكا مني، وركبنا السيارة، كنا ثلاثتنا، وكانت أرواح من سكن كاديكوي من الأدباء تودعنا مموهة بالضباب وتبتعد، وحده ظل الفتى بقي معنا، فوقنا، يسايرنا كأنه يحرسنا، لا يتقدم ولا يتأخر، شعرت به حزيناً، وكان وجه حسين سرمك كلما رفعت رأسي إلى الأعلى رأيتهً ينظر إليَّ من خلال الظلّ، يطمئنني عليه، كأنه يقول لي: أنا بخير، ويبتسم.
ص12
جامعة كربلاء
تحتفي بالدكتور سعيد عدنان
كربلاء – سلام القريني
احتفت كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة كربلاء، أخيرا، بالأستاذ الدكتور سعيد عدنان المحنة، علما من أعلام اللغة العربية.
جلسة الاحتفاء التي حضرتها عمادة الكلية وجمع من الأساتذة والطلبة، أدارها الدكتور عباس العامري، واستهلها بتقديم السيرة الذاتية للمحتفى به، والتعريج على أبرز منجزاته في الحقلين الأكاديمي والأدبي.
ثم توقف عند الأعلام الذين ساهموا في إغناء ذائقة المحتفى به المعرفية، بدءا من العلامة الدكتور إبراهيم السامرائي والعلامة الدكتور مهدي المخزومي والأديب الدكتور علي جواد الطاهر والكاتب الدكتور صلاح خالص، فضلا عن عدد من أعلام علم الاجتماع والتاريخ والأدب.
وأضاف العامري قوله أن "الدكتور سعيد عدنان نهل من ذلك المعين بوعي، وقاد واعلى بناءه لاحقا عبر اكثر من ثلاثة عقود حضر فيها ببصمة مميزة متفردا، أستاذا محاضرا ومؤرشفا ومسؤولا إداريا، لكنه في كل الأحوال ومع جميع كل تلك العناوين ظل يحتفظ بجوهر المعنى الأكثر سموا، هو المعلم، القيمة العليا لصورة الأكاديمي الفذ".
بعدها تحدث المحتفى به عن "التجربة الأكاديمية بين جيلين". حيث قرأ أمام الحاضرين إحدى مقالاته، وكانت بعنوان "التقاليد الجامعية"، وتضمنت مدلولات للارتقاء بالمستوى الجامعي والحفاظ على مكانته وهيبته بعد الخراب الذي لحق به جراء تدخل السلطة فيه.
وقال أن "الجامعة انما هي بتقاليدها. اذا سلبت الجامعة من تقاليدها هوت على عروشها ولم تعد جامعة"، متابعا قوله ان "تلك التقاليد تنبثق من الجامعة نفسها ومن طبيعتها، وهي أيضا بمثابة البحث عن الحقيقة وإعلان الحقيقة وإعلام الحقيقة بكل اخلاص وصدق وتجرد ونزاهة من اجل فكر حر".
وعرّج الدكتور سعيد على بدايات تأسيس الجامعة في العهد الملكي. وأعطى امثلة ناصعة عن رصانة الأداء وحسن الاختيار للبعثات في اوربا وامريكا دون تمييز. فيما لفت إلى أن خراب التقاليد الجامعية بدأ بعد انقلاب 1968 "حيث كان تدخل السلطة كبيرا وتحديدا المنظمة الحزبية ممثلة بالاتحاد الوطني للطلبة الذي كان ممثلا في عمادة الكلية وممثلا في رئاسة الجامعة، واتخذت قرارات قسرية بحق خيرة اعلام العراق وأحالتهم على التقاعد، الامر الذي ذهب بالتقليد الاكاديمي وقيّده".
وفي سياق جلسة الاحتفاء، قُدمت مداخلات عن مسيرة المحتفى به، من قبل عميد الكلية الدكتور هادي السعيدي والرفيق سلام القريني وعدد من طلبة الدراسات العليا.
وفي الختام، قدم العميد إلى المحتفى به لوح تكريم.
يوميات
• يُضيّف منتدى الأنصار الثقافي بعد غد السبت، الكاتب عبد المنعم الأعسم، ليلقي محاضرة بعنوان "التعددية المجتمعية وعقم الواحدية".
المحاضرة التي من المقرر أن تديرها الكاتبة النصيرة ريواس باني خيلاني، تبدأ في الساعة 5 مساء على "قاعة الشهداء" في مقر منظمة كلدواشور للحزب الشيوعي الكردستاني في عنكاوا.
• يعقد منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية في الاتحاد العام للأدباء والكتاب، بعد غد السبت، جلسة بعنوان "التمثيل الشعري للذاكرة الثقافية العربية – النشأة والتحولات"، يتحدث فيها د. عبد الستار جبر ويديرها د. عباس العامري.
تبدأ الجلسة في الساعة 11 ضحى على قاعة الجواهري في مقر الاتحاد بساحة الأندلس.
اما بعد
نصب واحتيال
وفقر متزايد
منى سعيد
مدننا وقد أنهكها النفاق وتغلغل الفساد في مفاصلها كداء سرطاني متفشّ يصعب علاجه ، يتفنن فيها السُراق بنهب البلاد والعباد، ولم يكتفوا سواء كانوا سياسيين أو من أتباعهم السراق الصغار بنهب مشاريع الدولة والاستيلاء على المساحات الخضراء ونهب قوت الناس، بل أمعنوا في سرقة " الكحل من العين" كما يقال.
فلم يعد مستغربا أن يكتشف صاحب منزل أن بيته بيع عدة مرات دون علمه، في تواطؤ تام بين دوائر العقارات والحرامية مثلا. وتخيلوا معي ما الذي يحدث لهذا المسكين حين يهدد بالطرد من منزله " المُلك"، ولكم أن تتصوروا أيضا مدى خيبة المواطن البسيط ، المتقاعد من ذوي الشهداء على نحو خاص، حين يُسرق منه راتبه الشهري جهارا نهارا، ويصدم بتصفير بطاقته المصرفية عند مراجعته منفذ السحب، ولشهرين متتالين بعد تلقيه مكالمة هاتفية مع رسالة على الموبايل، تخبره بحصوله على دفعة جديدة لمستحقاته من مؤسسة الشهداء، ويزودونه برقم بطاقته المصرفية الشخصية وأسمه الكامل. ترى كيف حصل هذا المتصل على رقم البطاقة، ومن أين له معرفة أن هذا المتقاعد عنده شهيد ويستحق دفعة جديدة من التعويض؟!
وعند مراجعة المصرف ومؤسسة الشهداء والأمن الوطني، يقال له أن عصابات مشتركة من موظفي البنوك ومؤسسة الشهداء تمارس أنواعا من الابتزاز والنهب، وانه يُنصح بإبدال بطاقاته المصرفية خشية تكرار السرقة. وبعد إبدالها فعلا يفاجئ بسرقة راتبه الشهري من جديد وللمرة الثانية. وعند مراجعة مؤسسة كي كارد المسؤولة عن كشف الحساب، يتبين له أن السارق تناوش راتبه السابق واللاحق ومبالغ أخرى يمتد تسديدها لستة أشهر قادمة، باستخدامه البطاقة المصرفية التي كشفها أو التي حاز عليها ( ولا يُعرف من أين) في المرة الأولى، وابتز المتقاعد صاحب الشهيد بحجة تزويده بدفعة جديدة من مستحقات ذوي الشهداء، اعتمادا على خاصيات في التطبيق نفسه من قبيل خاصيتي "سلفني" ، و"رجع فلوسك"!
نتساءل هنا من أين للمواطن المتقاعد البسيط من ذوي الشهداء حصرا، معرفة دهاليز هذه التطبيقات، خاصة وان الكثير من امثاله لم ينزلوها أصلا على تلفوناتهم النقالة، وطُلب منهم تنزيلها أثناء الاتصال بهم، وادعاء المتحدث انه من مؤسسة الشهداء، مع تقديمه رقم البطاقة المصرفية ما يدفع الى تصديقه؟!
وقد شاعت الآن على وسائل التواصل الاجتماعي تحذيرات بعدم الاستجابة لأية رسالة أو اتصال من هذه الجهات، والتأكد مباشرة من الدوائر المعنية بشأن صحة الاتصال أو الرسالة، ولكن بعد فوات الأوان واستشراس عصابات النهب المبرمج، التي سرقت الأخضر واليابس.
{على إيقاع الشعر} في اتحاد الأدباء
متابعة – طريق الشعب
أقام نادي الشعر في الاتحاد العام للأدباء والكتّاب، أخيرا، أصبوحة شعرية بعنوان "على إيقاع الشعر"، شارك فيها عدد من الشعراء وحضرها جمع من الأدباء والمثقفين ومتذوقي الشعر.
الجلسة التي احتضنتها قاعة الجواهري في مقر الاتحاد، أدارتها الشاعرة د. راوية الشاعر. فيما استهلها مدير النادي الشاعر حماد الشايع بكلمة ذكر فيها أن "هذه الأصبوحة تعد لوحة متعددة الألوان من الإبداع، تتجاور فيها القصيدة العمودية بشموخها وقصيدة التفعيلة بخطواتها المتوثبة وقصيدة النثر بانسيابها الحر وروحها المتمردة"، مضيفا القول أن "أهمية الأصبوحة تأتي من كونها مساحة تتعانق فيها تجارب شعرية من أجيال مختلفة".
وشارك في الأصبوحة كل من الشعراء د. ذر الشاوي وحنان الدليمي ومصطفى حميد مجيد ود. أحمد مهدي وآية ضياء ومحمد الوائلي ومحمد الباقر عدنان وبلال الجميلي ومنتظر الخطاط ومنار الراوي. حيث قرأوا قصائد جسدوا فيها موضوعات متعددة، بين تأملات ذاتية وصور وجدانية واستحضار للذاكرة والهوية، إضافة إلى مقاربات إنسانية ووطنية تعكس قلق الواقع وتطلعاته.
وقدم كل شاعر رؤيته الخاصة بلغة مختلفة الإيقاع، ما منح الأصبوحة ثراء وتنوعا في التجارب الشعرية.
قف
فجيعتي فيك.. أبا آوس
عبد المنعم الأعسم
علي كظوم، أبو آوس، وانا، ولدنا في مدينة واحدة، المحمودية، ومحلة واحدة، السراي، وعلى بعد دربونة واحدة. بين عمرينا اكثر من عقد من السنين. ارتبطتُ بوالده صاحب المقهى الطيب، من خلال والدي الذي كان يخص مقهاه ايام رمضان، ويأخذني معه، ولفت نظري صداقة حميمة بينهما حتى كنت احسبهما اقارب. يتحدثان بهمس واهتمام، كعقل واحد في جسدين، وفي صباي و"عمر الشقاوة" جمعتني صداقة ورفقة مع شقيقين يكبران علي، مهدي وصالح، واتذكر (علي) في صغره جيدا.. ولما التقيته في شقلاوة عام 1993 كان نصيرا شيوعيا متماسكاً. يشار له بصفات لم اكن لأملك إخفاء اعجابي بها، سيما وانا اراقب آيات الصفة والموصوف في سلوكه وافكاره. جلسنا متقاربين نتحادث حول فرشة من الذكريات والموضوعات، بالضبط كما كان والدانا يجلسان ويتبادلنا حلاوة الحديث وهمسات الامور التي لا يباح بها، وإذ تكررت لقاءاتنا، في اربيل وبغداد، وفي مسار السنوات العاصفة، وفي جريدة طريق الشعب، فقد شغلني كثيرا اعتلال صحته، وصرت اضع اسمه وتجربة حياته وعبقرية كسب محبة الاخرين في محفوظاتي..
حين صفعني خبر وفات ابو آوس، داهمتني مفارقة الزمن: كنت قد سبقته الى معارك الحياة، فسبقني ال معركة الموت.. يا لفجيعتي.
*قالوا:
"قال لي أبي: عندما تموت ولديك خمسة أصدقاء، فقد عشت حياةً عظيمة".
حكيم
عدد جديد
من النصير الشيوعي
عن رابطة الأنصار الشيوعيين العراقيين، صدر أخيرا العدد (40) تشرين الثاني 2025 من جريدة "النصير الشيوعي".
يضم العدد أخبارا وتقارير عن نشاطات الرابطة في العراق والخارج، وكتابات عن مسيرة الحركة الانصارية وشهدائها، غطت جميعها 12 صفحة ملوّنة.
صيانة ثلاثة مواقع أثرية في كركوك ونينوى
متابعة – طريق الشعب
أعلنت دائرة الصيانة والحفاظ على الآثار التابعة إلى الهيئة العامة للآثار والتراث في وزارة الثقافة، انها ستشرع خلال المدة المقبلة بتأهيل ثلاثة مواقع في كركوك ونينوى.
وقال مدير الدائرة محمد البياتي في حديث صحفي، أن دائرته ستشرع بتأهيل قلعة كركوك وموقع الحضر الأثري وقلعة تلعفر في نينوى، وذلك بعد أن جرى استكمال جميع الجداول التخمينية الخاصة بالصيانة.
وأوضح أن هذه المشاريع تم إدراجها ضمن الخطة الاستثمارية لعام 2026، الخاصة بوزارة التخطيط، في إطار مشاريع دائرة الصيانة والحفاظ على الآثار، مشيرا إلى ان الهدف من تلك المشاريع هو إعادة تأهيل المواقع الأثرية المتضررة وضمان استمرارها كمراكز جذب ثقافي وسياحي.