اخر الاخبار

الصفحة الأولى

المواطنون يختنقون والبيئة تبرر بـ{الانقلاب الحراري}! رائحة الكبريت عند المرتبة البنفسجية: {ظاهرة سنوية} لا داعي للقلق!

بغداد – تبارك عبد المجيد

استيقظ سكان العاصمة صباح اليومين الاخيرين على مشهد غير مألوف؛ غيمة رصاصية كثيفة غطّت السماء وحجبت الرؤية، تبعتها رائحة خانقة ظنّ معها كثيرون أنها موجة غبار جديدة، قبل أن يتبيّن أنها رائحة كبريت محترق ناتجة عن مصادر تلوث متكررة.

صعوبة التنفس

ومع تزايد الشكاوى وصعوبة التنفس في عدد من المناطق، خرجت وزارة البيئة ـ بعد صمتٍ طال ـ ببيان حذّرت فيه من أي تراخٍ لدى الجهات التنفيذية في مواجهة الأنشطة الصناعية التي تستغل ساعات الليل لتنفيذ عمليات حرق غير قانونية في أطراف بغداد، مؤكدة أنها ضاعفت جهودها الرقابية منذ فجر اليوم لملاحقة مسبّبات التلوث والانبعاثات الدخانية التي تكررت بشكل لافت خلال الأيام الأخيرة.

ودعت الوزارة في بيان اطلعت عليه "طريق الشعب"، كلا من وزارة النفط، وأمانة بغداد، ومحافظة بغداد، واتحاد الصناعات، وجميع الجهات المعنية، إلى الإسراع بتنفيذ البرامج الموضوعة لتغيير منظومات الحرق في المعامل الصغيرة والمتوسطة، والاستفادة من برامج القروض التي يجري العمل عليها بالتنسيق مع البنك المركزي العراقي، بهدف الوصول إلى معالجة جذرية لهذه الظاهرة المتكررة.

وأشارت إلى أن فرقها تواصل الرصد الميداني على مدار الساعة، بالتزامن مع استقبال شكاوى المواطنين عبر قنوات متعددة خصصتها الوزارة لهذا الغرض، إلى جانب الاستعانة ببيانات الأقمار الصناعية التي كشفت عن عدة بؤر حرق في أطراف بغداد ومحيطها، من بينها الحرائق المسجلة في منطقة معسكر الرشيد. وعلى إثر ذلك، وجّهت الوزارة فرقها لاتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية بحق المخالفين.

وبين البيان أن الوزارة تواصل تنسيقها المباشر مع قيادة عمليات بغداد لضبط المتورطين بأعمال الحرق العشوائي، مؤكداً أن الحملات الأخيرة أسفرت عن إزالة وإيقاف مئات المواقع المخالفة، شملت كور الصهر ومعامل الطابوق والأسفلت، فضلاً عن متابعة المولدات ومراقبة استخدام الوقود الرديء.

وفيما بررت الوزارة الرائحة بالظروف الجوية الحالية، خصوصاً ظاهرة الانعكاس الحراري، التي أسهمت في احتجاز الملوثات قرب سطح الأرض وزيادة تأثيرها على جودة الهواء، أكدت أن أي تقصير في ضبط الأنشطة المسببة للتلوث من شأنه أن يُفاقم المشكلة ويزيد من آثارها الصحية على السكان.

وكشف المتحدث باسم وزارة البيئة، لؤي المختار، عن أسباب التلوث الكبير الذي تشهده أجواء العاصمة بغداد.

وقال المختار في حديث لـ"طريق الشعب"، إن "نوعية الهواء في بغداد هذا اليوم سيئة جداً"، مبيناً أن الوزارة تواصل منذ ثلاثة أيام ملاحقة ومراقبة المخالفين من أصحاب المعامل والمتسببين بحرق النفايات، مؤكداً اتخاذ إجراءات قانونية بالتعاون مع وزارة الداخلية وقيادة عمليات بغداد.

وأضاف أن "التلوث الحالي يعكس واقع حال مدينة بغداد التي تضم أنشطة متعددة مسببة للتلوث"، مشيراً إلى أن الظاهرة تفاقمت بسبب "الانقلاب الحراري الناتج عن تغير الأجواء من الحارة إلى الباردة، واختلاف درجات الحرارة بين النهار والمساء، ما يؤدي إلى تشكّل طبقة هوائية تحبس الانبعاثات".

وأشار المختار الى انحسار التلوث صباحا مع احتمالية عودته مساءً "ما لم تتغيّر سرعة الرياح".

أسباب الرائحة!

وقال الخبير البيئي أنعم ثابت، إن الروائح التي انتشرت في بغداد خلال اليومين الماضيين تعود إلى مجموعة من الأسباب المتراكبة، في مقدمتها عمليات الحرق العشوائي للنفايات في المكب القريب من معسكر الرشيد سابق.

وأضاف ثابت أن هذه المشكلة تفاقمت نتيجة استمرار الانبعاثات الصادرة عن محطات إنتاج الطاقة الكهربائية ومصفى الدورة وعدد من المعامل الواقعة جنوب وجنوب شرق العاصمة.

وتابع ثابت في حديث لـ "طريق الشعب"، أن الظروف الجوية لعبت دورا حاسما في زيادة تركز الروائح، إذ شهدت المنطقة انخفاضا ملحوظا في درجات الحرارة ترافق مع منخفض جوي، إضافة إلى تغير اتجاه الرياح التي عادة ما تكون شمالية غربية، لكنها خلال الفترة الأخيرة تحولت إلى جنوبية شرقية وشرقية. هذا التغير دفع الملوثات والغازات الثقيلة مثل أكاسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والغبار الناتج عن الحرق نحو مركز بغداد ومحيطها، ما جعل السكان يشعرون بالروائح بوضوح.

وأشار إلى أن وزارة البيئة قامت بدورها التحذيري المعتاد، لافتًا إلى أن مسؤولية الإيقاف الفعلي للحرق العشوائي تقع على القوات الأمنية والجهات التي تسيطر على الأراضي التي تضم المكبات، داعيًا إياها إلى فرض الرقابة ومنع تكرار مثل هذه الممارسات.

الالتزام بالضوابط

كما وجه ثابت عتبا للجهات القطاعية المرتبطة بعمليات الانبعاث ومنها وزارات الكهرباء والنفط والمعامل الحكومية والأهلية، مطالباً بتشديد الالتزام بالضوابط البيئية ووقف إطلاق الملوثات بشكل عشوائي.

وأكد أن الوضع الحالي يتطلب تدخلا حكوميا مباشرا من الأمانة العامة لمجلس الوزراء ورئيس الوزراء ووزارات الداخلية والدفاع والكهرباء والنفط، مشددًا على أن استمرار هذه الظروف قد يفاقم ما يُعرف بظاهرة الانعكاس الحراري، وهي من أخطر حالات التلوث الجوي لأنها تتسبب بارتداد الملوثات نحو سطح الأرض بدل تشتتها في الجو.

***************************************************

فضائح مستمرة تشكك في صدقية الانتخابات!

تتكشف يومياً بعد يوم قرائن ومعطيات تدين العديد من الممارسات الفاضحة، التي رافقت الانتخابات الأخيرة، وتظهر اعترافات هنا وهناك بوجود عمليات شراء أصوات وتضليل للرأي العام وتوظيف للمال العام والسياسي في الدعاية الانتخابية، إضافة الى أحاديث عن وجود تلاعب في الأصوات.

ووفقاً للمعطيات، فأن ما أعلن من نسب مرتفعة في المشاركة في الانتخابات والأوراق الباطلة، يثير الشكوك هو الآخر، اذ بينت تقارير مراقبي مختلف الجهات المستقلة والحزبية، ان نسبة المشاركة لم تزد على 40 -41%، فضلاً عما حصل بإشراك مليوني مراقب كيان سياسي وما يلحقهم من عوائل ومستفيدين، كذلك موضوع المشاركة الواسعة في التصويت الخاص، ما يدل على ان القوى المتنفذة بدأت العملية الانتخابية وفي حوصلتها عدد غير قليل من المقاعد.

الأمر الاخر الذي يثار حالياً، هو الوعود الزائفة بتوظيف العديد من المواطنين في هيئة الحشد الشعبي، حيث جرى تدريبهم بصورة أولية في أحد مقار الحشد، ومنحهم هويات مزورة، واجبارهم على توقيع وثائق تدينهم اذا صوتوا لجهات أخرى غير المرشح الذي جرى ابعاده يوم امس الأول. وان هذا الامر لا يحتاج الى ابعاد المرشح واصواته فقط، بل ويتطلب تحقيقا شاملا في تفاصيل أخرى، باعتبارها تمس الامن الوطني.

واذا ذهبنا أبعد في حيثيات الحملة الانتخابية، وما حصل فيها من تجاوز على المال العام، وفي التضليل، فأن حملات افتتاح المشاريع التي قيل عنها انها أنجزت، وتبين لاحقاً انها لم تكتمل بصورة نهاية، كذلك اجبار الطلبة على حضور فعالية انتخابية لاحد المرشحين، وإصدار كتب شكر الى موظفي الجامعات، وتخفيض أجور وغيرها، كلها وغيرها تحسب في خانة استغلال المنصب.

وكان هناك الكثير من المعطيات التي تؤشر وجود خلل في العملية الانتخابية. فما حصل من قتل احد المرشحين وتهديد آخرين، كذلك ابعاد مرشحين دون غيرهم، وظاهرة الركائز وشراء الأصوات، فضلاً عن الخطاب الطائفي، وعمليات تعبيد الشوارع ونصب المحولات الكهربائية، والصرف الانتخابي غير المسبوق وغيرها،  تدل على ان مفوضية الانتخابات غضت النظر عن الكثير من الأمور، التي اثرت على نزاهتها باعتبارها كياناً مستقلاً يشرف على هذه العملية، واذا ذهبنا ابعد من ذلك، كانت هناك دعاوى قانونية تدل على وجود قوى سياسية تملك اذرعاً مسلحة لم يجر حسمها قبل الانتخابات!؟

ان ما كشف حتى الآن، لا يدع مجالاً للشك في ان هذه الانتخابات تميزت عن سابقاتها بكثافة استخدام المال السياسي، والتوظيف الواسع لمؤسسات الدولة، وتجاوز كل خطوط التأثير على خيارات الناخب، بما في ذلك التأجيج الطائفي، ورفع وتيرة المخاوف والحذر بين أطياف شعبنا العراقي.

كل هذه المعطيات وغيرها التي لم تُكشف بعد او هي في الطريق الى ذلك يثلم شفافية وصدقية الانتخابات. وما كشف يبدو انه جزء صغير من حقيقة أكبر وأكثر خطورة وتعقيدا، فما ظهر هو "رأس الجليد الظاهر"، وما خفي كان أعظم. ويحتم الواجب الوطني استمرار المساعي لكشفه وتبيان حقيقة المزورين والغشاشين والفاسدين والمتلحفين بغطاء ديني، متوهمين انه يحميهم ويبعد عنهم الشبهات، في تصور خاطئ بأنهم في مأمن من المراقبة والحساب!.

ان المطلوب الآن وفي ضوء هذه المعطيات الخطيرة، اتخاذ إجراءات حاسمة بشفافية عالية من قبل مفوضية الانتخابات، تتمثل في ابعاد من ثبت قيامه بما اشير اليه أعلاه، والتوقف جدياً امام ما نشر في مواقع التواصل الاجتماعي والتدقيق فيها.

ومطلوب ايضاً اشراك المراقبين المحليين وممثلي الكيانات السياسية والجهات ذات العلاقة في هذه الإجراءات، وعدم التسرع في المصادقة على نتائج الانتخابات، وفتح التحقيقات الشاملة في كل ما يثير الشك، وإعطاء الوقت الكافي للمزيد من التمحيص والتدقيق المطلوبين والملحين.

ان غياب العدالة الانتخابية والإجراءات الحازمة لإيقاف الفاسدين والمزورين، يتنافى مع القانون والدستور، ويضع مفوضية الانتخابات والجهات الداعمة للعملية الانتخابية على المحك، فضلاً عن استمرار الشكوك في نتائجها التي غيبت أصواتا كثيرة، كان يمكن ان تسهم في البرلمان الجديد.

******************************************

راصد الطريق.. وين راس الخيط؟

ينشغل الرأي العام بما أعلن عن فقدان 2.5 ترليون دينار من أموال الحماية الاجتماعية (ثم العثور عليها)، فيما تتواصل الادخنة والروائح الكريهة انتشارها في بغداد، وتستمر أسعار بيض المائدة بالارتفاع، ومعها الصعوبات الاقتصادية وتأثيرها على المواطنين، وتصريحات المختصين حول تغيير سعر الصرف قريباً، والمزيد من القضايا بضمنها الحريات الشخصية.

وفي كل هذه المواضيع نجد ان التصريحات التي تطلق على لسان هذا وذلك، لا تتناسب مع حجم المشاكل الكبيرة المتعلقة بالإنسان وعيشه وكرامته وحياته، فيما يغيب المسؤول الرسمي عن أي لقاء مباشر، يصارح فيها المواطنين بحقيقة الأوضاع التي يمرون بها، والإجراءات المتخذة للحيلولة دون وقوع الكارثة.

ويبدو ان الاصغاء الى المواطنين انتهى يوم 11-11-2025، يوم الاقتراع في الانتخابات، ولم تبق حاجة اليهم بعدما عاد المتنفذون الى السلطة بالخداع وشراء أصوات الفقراء ، والا كيف يُفسَّر وجود هذه الإشكاليات دون تصريح رسمي؟

وكيف يمكن فهم قيام مجاميع معينة بتهديد القائمين على الحفل الموسيقي في البصرة، حتى جرى الغاؤه لعدم وجود حماية؟

هذه القضايا تؤكد بصورة لا لبس فيها غياب الدولة، وانشغال قادتها بامورهم الشخصية، فيما تسيطر على الاوضاع قوى اللادولة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً!

*****************************************

الصفحة الثانية

محاضرون يتظاهرون في البصرة بعد شطب أسمائهم من العقود

البصرة ـ طريق الشعب

تظاهر العشرات من المحاضرين المجانيين وأصحاب العقود، امس الأربعاء، أمام ديوان محافظة البصرة احتجاجاً على ما وصفوه بـ"الحذف المفاجئ" لأسماء نحو 2000 متعاقد ضمن الملفين 19 و35، مطالبين بالكشف عن الجهة التي تقف وراء القرار وإنصافهم أسوة بزملائهم المثبَّتين.

وقال المحتجون إن عملية التعاقد معهم تمت رسميًا في قضاء شط العرب عام 2024، حيث جرى تثبيت بياناتهم وأخذ بصماتهم ومباشرتهم الفعلية بالعمل في مدارس البصرة كمحاضرين مجانيين وأصحاب عقود، قبل أن يفاجأوا مؤخراً بحذف أسمائهم من قوائم التعيين.

وأكد المتظاهرون أن قرار الحذف تم من قبل جهة مجهولة ودون بيان الأسباب، مشيرين إلى أن ما جرى يُعدّ "إجحافاً بحق آلاف العاملين ممن قدّموا خدمة فعلية للمدارس الحكومية"، مطالبين الحكومة المحلية ووزارة التربية بالتدخل العاجل لإعادة أسمائهم وتثبيت حقوقهم الوظيفية.

*****************************************

بعد عام على إجرائه  التخطيط تكشف النتائج النهائية للتعداد السكاني

بغداد ـ طريق الشعب

أعلن وزير التخطيط محمد تميم، النتائج النهائية للتعداد العام للسكان في العراق، مؤكداً أن عدد سكان العراق بلغ 46.118.793 نسمة.

تحليل المعلومات

وقال تميم في المؤتمر الصحفي للإعلان النهائي عن نتائج التعداد العام للسكان في العراق، إن "الوزارة بعد إنجازها المعلومات وتحليل المعلومات التي حصلنا عليها من خلال هذا التعداد الذي يعد الأول منذ 37 عاماً وربما سيكون هذا آخر تعداد سكاني جرى وفق الآليات التقليدية وستكون التعدادات القادمة هي عبارة عن تعدادات سجلية باعتبار أن هذا التعداد جرى وفق أسس تكنولوجيا حديثة وتم إحصاء كل العراقيين في داخل العراق"، مبيناً أن "هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية ستقوم بإعداد خطة متكاملة لإحصاء العراقيين في الخارج وفقاً لقانون التعداد العام للسكان في العراق".

وأضاف أن "هيئة الإحصاء والمعلومات الجغرافية حصلت من خلال هذا التعداد على كم هائل من المعلومات التي ستكون بوصلة للخطط التنموية للحكومة العراقية والمفتاح الرئيس لوضع المشاريع في أماكنها الحقيقية، إضافة إلى ما سيطلع عليه الباحثون من تفاصيل ومعلومات ستكون هي الخريطة التي ترسم السياسات التي تبنى على عدد السكان وتواجد السكان والمراكز الحضرية للسكان".

العدد الاجمالي

وأكد أن "إجمالي الأسر في العراق بلغ حوالي 8 ملايين و54 ألفاً و385 أسرة، فيما بلغ إجمالي عدد السكان من العراقيين وغير العراقيين المتواجدين في العراق 46.118.793 فرداً لحظة إجراء التعداد في حينها"، مشيرا الى ان "عدد السكان الأجانب المتواجدين في العراق بلغ 340.131 شخصاً".

وأشار إلى أنّ "عدد السكان الإجمالي من العراقيين عدا الأجانب بلغ 45 مليوناً و778 بواقع 23 مليوناً و161 للذكور بنسبة 50.2 بالمئة من السكان، وعدد الإناث بلغ 22 مليوناً و957 ألف بنسبة 49.8 من السكان"، موضحاً أن "عدد الأسر التي يرأسها الرجل أكثر من 7 ملايين أسرة وعدد الأسر التي ترأسها امرأة أكثر من 910 آلاف أسرة".

وتابع ان "متوسط حجم الأسرة في العراق بلغ 5.7 أفراد وهذه الأسر تتفاوت بين محافظة وأخرى حيث سجلت بعض المحافظات الجنوبية عدداً كبيراً للأسرة يختلف عن أعداد الأسر في غرب وشمال العراق"، لافتا الى ان "نسبة النمو السكاني بلغت 2.5 بالمئة وعدد الأفراد ضمن الفئة العمرية من صفر إلى 14 سنة يبلغ 16.555.000 بالنسبة من السكان 35.9 بالمئة وهذا مؤشر كبير يشير إلى أن المجتمع العراقي مجتمع شاب واعد في مقتبل العمر".

الفئات العمرية

وبين أن "عدد الأفراد ضمن الفئة العمرية وهي فئة العمل بين 15 و 64 سنة بلغ 27.875.000 بنسبة 60.4 بالمئة وهذا يعني ان العراق دخل الهبة الديموغرافية للمجتمع"، مشيرا الى ان "عدد الأفراد بعمر 65 سنة فأكثر بلغ 1.688.000 نسمة بنسبة 3.6 بالمئة من السكان".

ولفت إلى أن "معدل الإعالة العمرية 65 ومعدل الإعالة العمرية للأطفال 59 ومعدل الإعالة للكبار 6"، لافتا الى ان "نسبة السكن الملك والمجاني مع الوالدين بلغت 72% وإيجار خاص 19% وإجمالي عدد المساكن 8.34.000 مسكن هذا بما يتعلق بالأبنية الخاصة عدا الأبنية الحكومية والدوائر الرسمية والمعسكرات التي تمتلكها الجهات الأمنية من وزارتين الدفاع والداخلية والمؤسسات الأمنية الأخرى".

وأكد تميم استكمال المعلومات على مستوى المحافظات، وانها أصبحت جاهزة وستسلم للمحافظ على مستوى المحافظة والقضاء والناحية والقرية والمحلة والقصبات والتي تتضمن تحليلاً سكانياً متكاملاً لعدد الأسر مع عدد الأفراد وعدد المؤسسات الخدمية المتواجدة في هذه المنطقة"، موضحا ان "المرحلة الثانية ستتضمن تحليلاً لما ستحتاجه هذه المناطق من خدمات ستزود بها الحكومات المحلية لكي تكون هي الأساس في وضع الخطط التنموية"، مبيناً أن "هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية ستشرع اعتباراً من الأسبوع المقبل بتوزيع هذه البيانات والمعلومات على جميع المؤسسات الرسمية من ضمنها المحافظات والوزارات والرئاسات".

*********************************************

290 ميكروغرام من التراكيز الملوثة الهواء المسموم يقفز إلى مستويات تهدد الأطفال وكبار السن

وتابع بالقول إن اجتماع هذه العوامل من الحرق العشوائي فضلا عن تغير اتجاه الرياح وانخفاض درجات الحرارة أدى إلى تشكّل طبقة من الغازات الثقيلة فوق العاصمة، ما جعل روائح التلوث أكثر حدة وتأثيرًا على سكان بغداد.

الحلول الحكومية لا تناسب المشكلة

وانتقد الناشط البيئي مرتضى الجنوبي تعامل الجهات الرسمية مع الأزمات البيئية المتكررة في البلاد، معتبرا أن معالجاتها وحلولها "لا ترتقي إلى مستوى حجم الكارثة"، وأنها تأتي غالباً "بصيغة مبسطة تتناسب مع فهم أطفال الروضة"، على حد تعبيره.

وقال الجنوبي إن وزارة البيئة تكتفي بتوصيف الظواهر الضبابية التي تشهدها بغداد والمحافظات بأنها "ظاهرة سنوية"، متجاهلة بحسب قوله الأسباب الفعلية المتمثلة في توسع المصانع ومعامل الطابوق، وانبعاثات مصفى الدورة، وحرق النفايات، والمولدات الأهلية، إضافة إلى التصحر وعوادم السيارات والمياه الثقيلة التي تُصرف دون معالجة.

وأضاف أن بدلاً من اتخاذ إجراءات للحد من الملوثات المتزايدة، فإن حجمها "تضاعف بشكل كبير"، وهو أمر واضح للشارع وللناشطين البيئيين، باستثناء المقربين من السلطة الذين ينشغلون بتجميل الواقع، على حد وصفه.

وأوضح الجنوبي أنه لا يتحدث عن بغداد وحدها، بل عن جميع محافظات العراق التي تعاني حسب قوله من "الإهمال المتعمد"، للملف البيئي.

وأشار إلى أن الحكومات المتعاقبة خلال العشرين عامًا الماضية لم تُنجز مشاريع حقيقية لإعادة تدوير النفايات أو معالجة المياه الثقيلة، ما جعل "البيئة مهمَلة تمامًا، شأنها شأن ملف المياه".

غيمة التلوث

مرصد العراق الأخضر ذكر في بيان له اسباب تكرار حصول "غيمة التلوث" التي ضربت العاصمة بغداد خلال هذا الاسبوع.

واكد ان "التلوث الذي حصل الثلاثاء كان الأوسع على نطاق الانتشار والأكثر تلوثاً خلال عام كامل لوجود مركبات غالبها سامة، نتيجة عمليات حرق النفايات والتي لم يوضع أي حد لها لغاية الآن، ناهيك عن باقي الغازات كثنائي أوكسيد الكبريت ما تسبب بحصول حالات اختناق لدى المواطنين نقلوا على أثرها إلى المستشفيات وزيادة التحسس".

ويتوقع المرصد أن "تشهد الأعوام المقبلة إعلان عطلة رسمية في أي يوم يشهد مثل هذا التلوث في حال بقاء الحال على ما هو عليه دون معالجة والاكتفاء بنصح المواطنين بضرورة البقاء في أماكنهم وإغلاق النوافذ وتجنب الخروج للأماكن العامة والمفتوحة، كما اعتادت عليه الجهات الرسمية".

وأشار إلى غياب جميع الحلول التي وضعتها الجهات المختصة من أجل تقليل التلوث في مدينة بغداد رغم الإعلان عن إغلاق الكثير من معامل الطابوق والآلاف من الأنشطة المخالفة للمحددات البيئية، فضلاً عن قلة الغطاء الأخضر وتحول العاصمة إلى مدينة كونكريتية بامتياز.

أجهزة الرصد أشرت خطرا كبيرا

وكشف الباحث البيئي سيف مسلم، في حديث لـ"طريق الشعب"، عن خطورة الوضع البيئي في العاصمة بغداد بعد انتهاء موجة رائحة الكبريت التي اجتاحت المدينة، موضحاً أن أجهزة الرصد سجلت مؤخرا تركيز جسيمات دقيقة بلغ 290 ميكروغرام/م³، وهو مستوى يُصنّف الهواء بأنه "غير صحي للغاية.

 وأضاف مسلم أن هذا الرقم يعادل نحو 11–12 ضعفا  للحد المسموح به يومياً وفق إرشادات منظمة الصحة العالمية لعام 2021، التي حددت متوسط 24 ساعة آمن بـ15 ميكروغرام/م³ فقط، مؤكداً أن الهواء بهذه الحالة يُشكل خطراً على الصحة العامة.

وأوضح مسلم أن القراءة تقع ضمن فئة "غير صحي جداً" وقريبة من مستوى "خطر"، مشيراً إلى أن التعرض القصير لهذه المستويات قد يؤدي إلى تفاقم الحالات التنفسية والقلبية عند الفئات الحساسة، بما في ذلك الأطفال وكبار السن.

تلوث حاد وخطر

وبين إن أكثر الفئات تضرراً من مستويات التلوث الحالية هم الأطفال وكبار السن ومرضى القلب والربو والضغط والسكري، موضحاً أن هذه المجموعات "تُعد الأكثر هشاشة أمام تركيزات PM2.5 التي وصلت مؤخرا إلى نحو 290، سواء كانت قيمة مباشرة للجسيمات الدقيقة أو ضمن مؤشر جودة الهواء AQI".

واكد مسلم لـ"طريق الشعب"، أن هذا المستوى من التلوث "يمثل 11 إلى 12 ضعفا للحد المسموح به من قبل منظمة الصحة العالمية خلال 24 ساعة، ما يجعله ضمن فئة التلوث الحاد والخطر على الصحة العامة". ويشير إلى أن الأطفال تحديداً يُظهرون أعراضاً أسرع، مثل التهابات الجهاز التنفسي ونوبات الربو، فيما ترتفع لدى كبار السن احتمالات الجلطات وتراجع وظائف القلب.

وبخصوص مرضى الأمراض المزمنة، ذكر مسلم أن التعرّض القصير لمثل هذه المستويات "يكفي لتفاقم حالات الربو، وارتفاع الضغط، وظهور نوبات قلبية أو تنفسية حادة"، مؤكداً أن الدراسات الحديثة تربط بين ارتفاع PM2.5 وبين الولادات المبكرة وانخفاض وزن المواليد.

وأضاف أن الفقراء وسكان المناطق الطرفية "هم الأكثر تعرضاً لهذه الملوثات بسبب قربهم من الطرق السريعة، معامل الطابوق، محارق النفايات، ومصانع الإسفلت”، مشيراً إلى أن هؤلاء "يدفعون الثمن الأكبر رغم أنهم الأقل قدرة على حماية أنفسهم".

أما عن مصادر هذا التلوث، فقد اوضح مسلم أنها "واضحة ولا يمكن اختزالها بالطقس أو العواصف الترابية فقط"، مبيناً أن مصانع النفط ومصافي التكرير وحرق الغاز ومداخن محطات الكهرباء العاملة بالوقود الثقيل تشكل جزءاً كبيراً من المشكلة، إضافة إلى معامل الطابوق والإسفلت التي تستخدم وقوداً رديئاً أو نفايات وتشغّل أفرانها في ساعات متأخرة ضمن ما يسميه بـ اقتصاد التلوث الليلي. كما أكد أن المولدات الأهلية "تنتج تلوثاً لكل ميغاواط أعلى بعشرات المرات من المحطات الحديثة".

ويتابع مسلم حديثه قائلاً: "دور الإعلام البيئي لا يقتصر على إبلاغ الناس بأن الهواء ملوث، بل أن يذهب إلى سؤالين أساسيين: من يدفع الثمن؟ ومن يستفيد من استمرار هذا التلوث؟ وعندها فقط يتحول الإعلام من ناقل خبر إلى قوةٍ قادرة على تغيير السياسات".

************************************

الصفحة الثالثة

تحذيرات من تمدد التصحر في البلاد ومطالبات بحلول عاجلة لمواجهة أزمة المياه والجفاف

بغداد - طريق الشعب

وسط كل الازمات المقبلة على العراق، تبرز التحديات البيئية لتهدد استدامة الأراضي الزراعية وموارد المياه، في ظل توسع التصحر وارتفاع درجات الحرارة ونقص الأمطار، ما يضع البلاد أمام مخاطر حقيقية على الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.

وتكشف البيانات الرسمية عن أن نسبة الأراضي المتصحرة باتت قريبة لتجاوز الحاجز الخمسين في المائة من مساحة العراق، بينما يؤكد مراقبون  أن الوضع أكثر حدة.

توسع صحراوي مستمر

وكشفت وزارة التخطيط، عن ارتفاع مساحة الأراضي الصحراوية والمتصحرة في العراق خلال عام 2024، في ظل تأثير التغيرات المناخية.

وقال الجهاز المركزي للإحصاء التابع للوزارة، في تقرير حديث، طالعته "طريق الشعب"، إن الأراضي المهددة بالتصحر، بما فيها الأراضي الصحراوية والمتصحرة، بلغت 96.5 و40.4 مليون دونم، وبنسبة 55.5 في المائة و23.2 في المائة على التوالي من مساحة العراق، بما يشمل المياه الإقليمية.

وأضاف التقرير أن هذه المساحات شهدت ارتفاعاً مقارنة بعام 2021، بنسبة 2.3 في المائة للأراضي الصحراوية و48.5 في المائة للأراضي المتصحرة، حيث كانت تبلغ حينها 94.3 و27.2 مليون دونم على التوالي.

وأشار إلى أنه على الرغم من الزيادة العامة، سجلت بعض المحافظات انخفاضاً في مساحة الأراضي المتصحرة نتيجة التوسع العمراني، ولا سيما العاصمة بغداد. كما لفت التقرير إلى أن مساحة الأراضي الكلية المزروعة لعام 2024 بلغت 11.9 مليون دونم، تشكل منها الأراضي الديمية 6.7 مليون دونم، تلتها الأراضي المروية 3.8 مليون دونم، ثم الأراضي التي تعتمد على مياه الأنهار 1.5 مليون دونم. وزاد بالقول أن الاعتماد على مياه الأنهار انخفض مقارنة بالأراضي المعتمدة على الآبار، نتيجة السياسات المائية لدول الجوار بالإضافة إلى تراجع معدلات الأمطار في البلاد

هذا وحذر خبراء من أن التأخير في معالجة هذه الأزمة سيضاعف الخسائر الزراعية ويزيد من معاناة المناطق الريفية، ويعقد اي جهود في توفير الأمن الغذائي والحفاظ على التوازن البيئي، ما يجعل التحدي القادم أمام الدولة ليس فقط بيئياً وانما اقتصادياً واجتماعياً على حد سواء.

أزمة المياه اولوية بيئية 

من جهته، نبه رئيس مرصد العراق الأخضر، عمر عبد اللطيف، إلى أن نسبة الأراضي العراقية المعرضة للتصحر قد تكون أعلى من الأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة التخطيط، مؤكداً أن الواقع قد يصل إلى 50 – 60 في المائة من الأراضي خلال المرحلة المقبلة، بفعل أزمة الجفاف وندرة المياه والتغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة.

وقال عبد اللطيف في حديث لـ”طريق الشعب” إن "قلة المياه وانخفاض الأمطار كان له أثر كبير على الأراضي الزراعية، وما لم تتوافر حلول عملية لمعالجة هذا الوضع، فإن مساحة الأراضي المهددة بالتصحر ستزداد وتتضاعف خلال السنوات القادمة".

وأضاف أن العراق "لا يمتلك حالياً التقنيات الحديثة التي استخدمتها دول مثل الصين في إعادة تأهيل الأراضي الصحراوية باستخدام المياه وتقنيات الزراعة المكثفة"، لافتاً إلى أن "الحكومة تركز حالياً على توفير مياه الشرب فقط، ما يحد من قدرة الدولة على دعم الزراعة والحفاظ على الأراضي الزراعية".

وأشار إلى أن "الخطط الزراعية لهذا العام تقلصت إلى نحو مليون دونم فقط، مقارنة بأكثر من أربعة ملايين دونم في السنوات السابقة”، محذراً من أن "استمرار هذا الوضع يضع البلاد أمام خيار صعب ومخاطر بيئية واقتصادية جسيمة".

وأوضح عبد اللطيف أن "معالجات التصحر تحتاج إلى توفير المياه لإحياء الأراضي، واستنفار صناعي قادر على رفع منسوب المياه في السدود والنواظم، وتطبيق خطط استراتيجية لضمان استمرار الموارد المائية، خصوصاً في نهر الفرات والمناطق الجنوبية والغربية وواسط".

وأضاف أن "تأخر الأمطار هذا العام زاد الوضع سوءاً، فالتوقعات المطرية لم تتحقق حتى الآن، مما يعقد إمكانية تنفيذ الخطط الزراعية وإعادة إحياء الأراضي المتضررة".

وأشار عبد اللطيف إلى أن العراق شارك مؤخراً في مؤتمر كوب في البرازيل وحصل على دعم مالي لمعالجة التغيرات المناخية"، لكنه شدد على أن "وتيرة المعالجات بطيئة، ما يجعل معالجة أزمة التصحر والجفاف تحدياً رئيسياً أمام الحكومة المقبلة".

وأكد أن "أزمة المياه والجفاف أصبحت أولوية بيئية واستراتيجية يجب أن تتصدر برنامج الحكومة القادمة، وإلا فإن الأراضي العراقية ستصبح أكثر عرضة للتصحر، مع انعكاسات خطيرة على الاقتصاد والزراعة واستدامة الموارد الطبيعية".

تحد بيئي حاد

الى ذلك، اكد الباحث في الشأن البيئي، حيدر رشاد، أن العراق يواجه أزمة بيئية حقيقية نتيجة توسع التصحر وندرة المياه، مع تأثيرات متزايدة للتغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة”.

وقال رشاد أن هذه الظاهرة تؤثر على أكثر من نصف مساحة البلاد، بما يهدد الزراعة والموارد الطبيعية واستدامة النظم البيئية.

وأضاف في حديث لـ”طريق الشعب”، إن "الواقع على الأرض يشير إلى أن مساحة الأراضي المهددة بالتصحر قد تتجاوز خمسين في المائة من الأراضي العراقية، مع ارتفاع احتمالات ازديادها إذا لم يتم تبني حلول عاجلة ومدروسة".

وتابع أن “الأزمة هي ليست محلية فقط، و تمثل تحدياً إقليمياً وعالمياً، وهو ما يجعل الاستفادة من التجارب الدولية أمراً ضرورياً”، مشيراً إلى أن دولاً مثل الصين ودول المغرب العربي نجحت في تنفيذ برامج متكاملة لإعادة تأهيل الأراضي الصحراوية".

واوضح ان هذه البرامج شملت: "استخدام أنظمة متقدمة لتوزيع المياه وتقنيات الري الذكية، زراعة الأشجار والشجيرات المقاومة للجفاف لتحسين التربة والحد من تآكلها، تحويل الأراضي القاحلة إلى مناطق إنتاجية عبر إدارة الموارد المائية بشكل فعال ومتكامل". ونوه رشاد الى أن “العراق يحتاج إلى خطة وطنية شاملة لإدارة المياه وإعادة تأهيل الأراضي المتصحرة، تشمل رفع كفاءة السدود والنواظم، وإعادة توجيه المياه الزراعية بشكل مدروس و مستدام، بالإضافة إلى إدخال تقنيات حديثة لتحسين التربة واستصلاح الأراضي".

وواصل القول أن "معالجة مشكلة التصحر في العراق تتطلب تنسيقاً بين الحكومة والمجتمع العلمي والقطاع الخاص، فضلاً عن الاستفادة من التمويل الدولي المخصص لمكافحة التغيرات المناخية بشكل ذكي، لضمان استدامة الزراعة وحماية البيئة من الانهيار".

وختم حديثه بالقول ان "الأولوية اليوم هي تبني سياسات بيئية وعلمية سريعة وفعّالة، وإلا فإن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تفاقم التصحر والجفاف، مع آثار مباشرة على الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني والصحة البيئية للبلاد".

****************************************

العراق في الصحافة الدولية

ترجمة وإعداد: طريق الشعب

إلى م سيفضي صراع النفوذ في العراق؟

لموقع المعهد الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط، كتبت كارول ماسالسكي مقالًا حول نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق وتداعياتها المحتملة محليًا وإقليميًا ودوليًا، ذكرت فيه أنه، وعلى الرغم من فوز التحالف الذي يقوده رئيس الحكومة بأعلى عدد من المقاعد، فإن رغبته في تولّي الحكم مجددًا لا تبدو سهلة المنال.

نجاحات وانتقادات

وأعربت الكاتبة عن قناعتها بأن جوًّا من انعدام الثقة بالدولة ونخبها السياسية يخيّم بقوة على المجتمع، نتيجة اتهامات كثيرة بسوء الإدارة والفساد، رغم إن ذلك لا يشمل بالدرجة نفسها رئيس الحكومة، بسبب قيامه بتحسين نسبي للخدمات العامة وإطلاق مشاريع تنمية حضرية واقتصادية وثقافية، ولا سيما في بغداد، دون أن يخلو سجله من منتقدين كثيرين لا يتفقون مع صرف غالبية التمويل العام على الطرق والجسور في العاصمة على حساب البنية التحتية والمدارس والمستشفيات في المحافظات.

ويُبدي آخرون إعجابهم بقدرة الرجل على خلق توازن نسبي بين الولايات المتحدة وإيران، القوتين المتنافستين اللتين لا شك في تدخّلهما في العراق. وقد تجلّت هذه القدرة في اجتياز عاصفة إقليمية شكّلَتها المواجهة المتصاعدة بين قطبي النفوذ هذين، خاصةً وأن أغلب التقديرات ترى أن العراق كان ولا يزال، جغرافيًا وتاريخيًا، ساحة محتملة للاستقرار أو لزعزعته في الشرق الأوسط بأكمله. وادّعت الكاتبة أن نتنياهو فكّر في ضرب العراق تسع مرات إبّان الحرب مع إيران، لكن رئيس الحكومة ووزير خارجيته نجحا في إقناع واشنطن بردعه.

عدد المقاعد لا يحدد الفوز

وأشار المقال إلى أن الفوز بأكبر عدد من المقاعد في العراق لا يعني امتلاك الحق في تشكيل الحكومة، وفقًا لتفسيرات مختلف عليها لمادة دستورية خاصة بذلك. ومن البديهي أن ينطبق هذا الأمر على رئيس الحكومة الحالي، الذي يتعيّن عليه إقناع الكتل الأخرى، ذات الأعداد المتقاربة من المقاعد في البرلمان، فضلًا عن الحفاظ على وحدة تكتّله، فقد أصبح شائعًا انتقال عدد من النواب الفائزين من كتلهم إذا ما أغرتهم كتل أخرى بحوافز مالية ونفوذ سياسي أفضل.

بين ضغطين

وذكرت الكاتبة أن مسار الانتخابات عكس ظاهريًا درجة من الاستقرار السياسي، إلا أن رهانها الحقيقي يكمن في كيفية تأثير نتائجها على الحكومة المقبلة، وأيٍّ من العاصمتين، طهران أم واشنطن، ستكون لها الكلمة العليا في المستقبل القريب. وأعربت عن اعتقادها بأن نموّ التأثير الإيراني منذ عام 2003 كان بطيئًا وهادئًا، ووفّر خدمات جليلة للجارة الشرقية للعراق، التي لا يمكنها بطبيعة الحال تحمّل خسارة هذا التأثير أو تراجعه.

وتحدث المقال عن الضغط الأميركي المتمثل في استبعاد ست جماعات مسلّحة من أي حكومة عراقية مستقبلية، وفي تحذير وزير الحرب الأميركي لبغداد من أي تدخل للفصائل المسلحة في العمليات العسكرية الأميركية، وهو التحذير الذي اختُتم بإنذار نهائي، كعلامة على نفاد صبر واشنطن الاستراتيجي. وبيّن المقال أن هذه الإنذارات وضعت رئيس الوزراء المنتهية ولايته، وستضع خليفته أيًّا كان، في موقف حساس للغاية، يبقيه عالقًا بين مطالب الشريك الاستراتيجي الرئيسي، أي الولايات المتحدة، وبين الواقع الداخلي لنظام سياسي تهيمن عليه جماعات مسلّحة حليفة لإيران، في حين تبقى وعود البيت الأبيض مغريةً له بالتعاون الثنائي في مجال الطائرات بدون طيار، والتفاهم الأمني–الاستخباراتي، والتسليم المخطّط له لطائرات هليكوبتر من طراز "بيل".

ورأت الكاتبة أن على بغداد مواجهة هذا النهج الذي يتضمن ضغطًا من جهة وحوافز من جهة أخرى، عبر اتخاذ خيار استراتيجي بين تعزيز التحالف مع الشركاء الدوليين بقيادة الولايات المتحدة، أو استمرار التتنسيق مع حلفاء طهران، خاصة بعد تحوّل التحذيرات الأخيرة إلى خط أحمر حقيقي قد يعيد تشكيل الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة جذريًا ويهدد هيكل النظام السياسي العراقي القائم.

هل ستنجح سياسة التوازن في المقاومة؟

وأشارت الكاتبة إلى أن رئيس الحكومة الحالية انتهج خلال العامين الماضيين سياسة توازن بين المصالح الأميركية والإيرانية؛ فبينما مكّن الفصائل الحليفة لإيران من مفاصل مهمة في الدولة والاقتصاد، منح عقودًا رئيسية مؤخرًا لشركات أميركية، أبرزها شركة "إكسون موبيل" لتطوير حقل مجنون النفطي، الواقع على الحدود الإيرانية والمتاخم لحقل آزادغان، والذي اتُّهم منذ فترة طويلة باستخدامه للالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران.

واختتمت الكاتبة مقالها بالقول إن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت طهران ستنجح في الحفاظ على نفوذها عبر حلفائها، أم ستتمكن واشنطن من استغلال التحوّلات الإقليمية لإعادة تشكيل ميزان القوى في العراق وإعادة تأكيد وجودها فيه.

****************************************

عين على الاحداث

للمرأة غنوتنا

ضمن فعاليات اليوم الدولي لمناهضة العنف ضد المرأة، شددت ناشطات نسويات في كردستان على أن مدوّنة الأحوال الشخصية قد أُقحمت 337 مادة جديدة على القانون 188 من دون مرتكزات قانونية واضحة. وتشمل هذه المواد ما يشرعن تزويج القاصرات خارج إطار المحاكم، وما ينتقص من الحقوق الأساسية المتعلقة بالميراث والأمومة والحضانة، إضافة إلى مواد تُخضع المرأة لمرتبة أدنى من الرجل وتُضعف موقعها داخل الأسرة والمجتمع. هذا وفي الوقت الذي فشل فيه أصحاب المدوّنة في تمرير قراءتهم الخاصة للنصوص الدينية على الناس، دعت منظمة اليونيسف الحكومة العراقية لمعالجة مشكلة زواج الأطفال باعتبارها انتهاكاً صارخاً لحقوقهم واغتيالاً مبكراً لطفولتهم.

القادم أسوأ

حذّر خبير اقتصادي من أن البلاد تتجه نحو صدمة اقتصادية ومالية وشيكة ستفرض على العراقيين واقعاً قاسياً، مهما اجتهد "أولو الأمر" في تقديم حلول تخديرية توهم الناس بأن الأزمة قابلة للتجاوز تلقائياً. وأوضح الخبير أن خارطة الإنقاذ تتطلب إعادة هيكلة جداول الإنفاق العام، وتقليص الالتزامات التشغيلية، وإصلاح نظام الدعم، والامتناع عن استخدام الإصدار النقدي لسدّ العجز، وهي خطوات سيدفع الكادحون وذوو الدخل المحدود ثمنها الباهظ. هذا ويُذكر أن تحكّم نظام المحاصصة واستشراء الفساد في مؤسسات الدولة قد أفضيا إلى انهيار الزراعة والصناعة وتكريس الاقتصاد الريعي، ما قاد البلاد إلى كل هذا الخراب.

أطفالنا في خطر

دقّت منظمة اليونيسف ناقوس الخطر بشأن أزمة المياه المتفاقمة في العراق، محذّرةً في اليوم العالمي للطفل من أن شحّ المياه بات يسرق من ملايين الأطفال حقوقهم الأساسية ويهدد مستقبلهم، لاسيما بعد أن انخفضت الاحتياطيات الوطنية إلى 4 مليارات متر مكعب فقط. هذا وفيما وعدت اليونيسف التعاون من أجل أن يتمكن كل طفل من النمو والتعلّم في بيئة آمنة وخالية من العنف وعبر التعاون مع الحكومة العراقية، استغرب الناس من أن "أولي الأمر" في بلدهم أقل حرصاً من غيرهم على مستقبل أجيالهم، إذ لا يزالون يتقاعسون عن انتزاع الحقوق المائية للعراق من دول المنبع.

سعادة النائب

تقدم 1500 مواطن بشكوى رسمية إلى مفوضية الانتخابات ضد أحد المرشحين الفائزين، متهمين إياه بخداعهم عبر الادعاء بأنه يقود لواءً أمنياً، وبأنه قام بتعيينهم في ذلك اللواء "الفضائي"، مجبراً اياهم على توقيع كمبيالات بقيمة 20 مليون دينار عليهم دفعها إذا ما تخلفوا عن التصويت له. وأرفق المشتكون شكواهم بحزمة وثائق تؤكد صحة ادعاءاتهم. هذا وتشير اللوائح القانونية إلى أن المفوضية ملزمة بإلغاء عضوية النائب إذا ثبتت الاتهامات، استناداً إلى المواد 2 و10 و29 و30 و32 من قانون الانتخابات، فضلاً عن الأثر الخطير الذي يلحقه هذا الفعل بمصداقية العملية الانتخابية.

يسرقون حتى الحفاة!

كشف وزير العمل عن اختفاء مبلغ 2.5 تريليون دينار من صندوق الرعاية الاجتماعية المخصص لدعم أكثر من سبعة ملايين مواطن، محمّلاً وزارة المالية ومصرف الرافدين المسؤولية. لكن الجهتين وصفتا تصريح الوزير بأنه غير دقيق، مؤكّدتين أن المبلغ لم يُسحب، بل جرى تجميد الحساب بسبب ملاحظات ديوان الرقابة المالية. هذا وفيما عادت وزارة العمل لتوضح أن الوزير كان يشير إلى ضعف السيولة النقدية في المصارف، وإلى عدم جاهزية الأموال للسحب الفوري رغم ثبوتها حسابياً، عبّر مستحقو الإعانات، عن قلق شديد بعد أن عجزوا عن فهم هذه التفسيرات التي بدت لهم أقرب إلى لغة "سنسكريتية" منها للواقع.

**********************************************

الصفحة الرابعة

البلاد تمر بمرحلة حرجة قد تشهد اتساعاً في العجز والدين العام تحذيرات من أزمة مالية وسياسية متفاقمة تهدد استقرار الاقتصاد

بغداد - محمد التميمي

مع اقتراب العراق من طوي صفحة الموازنة الثلاثية، ودخول عام اقتصادي جديد بلا رؤية مالية واضحة، تتزايد التحذيرات من اتساع التحديات التي قد تهدد استقرار البلاد المالي خلال المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، جاء تقرير وكالة موديز للتصنيف الائتماني ليعزز المخاوف المتنامية، مشيراً إلى اختلالات بنيوية عميقة تتقدمها هشاشة المؤسسات وضعف الحوكمة والاعتماد شبه المطلق على عائدات النفط، في وقت تلوح فيه في الأفق توقعات بانخفاض أسعار الخام خلال عامي 2026 – 2027، وهو ما يضع المالية العامة تحت ضغط غير مسبوق.

هذه التوقعات القاتمة تتقاطع مع ما يؤكدّه خبراء الاقتصاد، الذين يرون أن العراق يدخل مرحلة حرجة وحساسة قد تشهد اتساعاً في العجز وتزايداً في الدين العام وتباطؤاً في النمو، ما لم تُعتمد إصلاحات مالية جديّة وتُتخذ قرارات حاسمة لمعالجة الاختلالات المتراكمة.

اقتصاد هش ومخاطر متصاعدة

وقد حذّرت الوكالة من جملة تحديات بنيوية تواجه اقتصاد البلاد، في مقدمتها ضعف المؤسسات والحوكمة، إضافة إلى اعتماد المالية العامة شبه الكامل على عائدات النفط.

وقالت في تقريرها عن العراق إن الاعتماد المفرط على القطاع النفطي، الذي يؤمّن نحو 90 في المائة من الإيرادات الحكومية، يجعل البلاد أكثر عرضة لتقلبات أسعار الخام، خاصة مع التوقعات بانخفاض الأسعار خلال عامي 2026 – 2027، الأمر الذي ينذر بزيادة الضغوط على الموازنة وقدرة الدولة على تمويل نفقاتها.

كما أشارت إلى أن تقييم العراق ضمن مؤشر البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) يقع عند مستوى CIS-5، وهو من أدنى المستويات، ما يعكس “تعرضاً مرتفعاً جداً للمخاطر البيئية والاجتماعية وضعفاً مؤسسياً عميقاً” يسهم بشكل مباشر في تقليص التصنيف الائتماني للبلاد.

ولفت التقرير إلى أن المشهد السياسي المعرّض للتشرذم عقب انتخابات تشرين الثاني 2025 قد يعيد سيناريو التأخير في تشكيل الحكومة وإقرار الموازنة، كما حدث بعد انتخابات 2021، لاسيما وأن الموازنة الثلاثية الحالية تنتهي بنهاية 2025، ما قد يضع البلاد أمام فراغ مالي محتمل إذا تأخر التوافق السياسي.

وتوقعت موديز أن يبلغ العجز المالي في 2025 نحو 7.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، على أن يتسع إلى نحو 9 في المائة في 2026 – 2027 بفعل تراجع أسعار النفط وارتفاع النفقات. كما رجّحت أن يتجاوز الدين الحكومي 60 في المائة من الناتج المحلي بحلول 2026.

وبعد الانكماش الذي سجله الاقتصاد العراقي في 2024، تتوقع الوكالة عودة النمو بشكل متواضع في 2025، قبل أن يتسارع إلى 4 في المائة في 2026 مع تحسن إنتاج النفط.

انكماش اقتصادي وتصاعد للعجز

في هذا الصدد، حذّر أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي من التداعيات الاقتصادية الخطيرة المترتبة على انتهاء عام 2025 من دون إقرار موازنة جديدة، مؤكداً أن غياب الموازنة “يعطّل البوصلة المالية للدولة ويجمّد مئات المشاريع الاستثمارية التي يعتمد عليها النمو الاقتصادي”.

وقال السعدي في حديث لـ"طريق الشعب"، إن استمرار العمل بالصرف الطارئ عند دخول سنة مالية جديدة “يعني تأجيل القرارات الحاسمة والسماح بتمدد الإنفاق الجاري بلا ضوابط”، الأمر الذي يضعف قدرة الحكومة على مواجهة أي تراجع محتمل في أسعار النفط خلال عامي 2026 و2027.

وأضاف أن العراق مقبل على مرحلة حسّاسة "مع توقعات بوصول العجز المالي إلى نحو 7.4 في المائة من الناتج المحلي في 2025، و مع احتمالية ارتفاعه إلى حدود 9 في المائة اعوام 2026 – 2027"، مشيراً إلى أن "غياب موازنة واضحة سيجعل تمويل هذا العجز “أكثر كلفة وتعقيداً”، ويعزز احتمالات التوسع في الاقتراض الداخلي بما يضغط على المصارف والقطاع الخاص ويرفع كلفة الدين العام".

وبيّن أن استمرار هذا المسار "قد يدفع بالدين الحكومي إلى تجاوز 60 في المائة من الناتج المحلي خلال 2026، وهو ما يرفع مستوى المخاطر على الاستدامة المالية على المدى المتوسط والبعيد”.

وتابع أن غياب الموازنة "قد يدفع بعض الجهات التنفيذية إلى الاعتماد على —حلول سريعة— مثل السحب من الاحتياطيات أو الاقتراض قصير الأجل، وهي خطوات توفر سيولة آنية لكنها “تعمّق هشاشة الوضع المالي، وتفتح الباب أمام ضغوط على سعر الصرف وارتفاع التضخم”.

وأشار إلى أن السوق المحلية "شديدة الحساسية لأي اضطراب مالي، وأن أي انقطاع في تمويل الحكومة قد يعرقل سلاسل الدفع للمقاولين والقطاع الخاص، ما قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي وربما انكماش في بعض القطاعات".

ولفت السعدي إلى أن "العامل السياسي يعد جزءاً أساسياً من المشكلة، إذ إن الصراع وتأخر تشكيل الحكومة يقللان من قدرة الدولة على إقرار موازنة تستند إلى الاحتياجات الاقتصادية الفعلية”، مؤكداً أن "طول الانتظار ينعكس سلباً على ثقة المستثمرين ويزيد ضبابية بيئة الأعمال".

ورغم ذلك، أكد السعدي إمكانية تجاوز هذه التحديات بشرط "تحوّل الإدارة المالية إلى إدارة فعّالة تعتمد على تنويع الإيرادات عبر إصلاح المنظومة الجمركية والضريبية، وتفعيل قطاع الغاز، وتعزيز الاستثمار في الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية".

وشدد في ختام حديثه على أن "تحسين الحوكمة والشفافية في الإنفاق سيعزز ثقة المؤسسات الائتمانية الدولية، ويمهّد لرفع التصنيف الائتماني للعراق، بما يساهم في خفض كلفة الاقتراض وجذب رؤوس أموال جديدة".

خيارات الحكومة ضيقة

من جانبه، أكد الخبير في الشأن الاقتصادي زياد الهاشمي أن "أحد أبرز الإشكالات في الأداء المالي للحكومة العراقية يكمن في إهمالها اللجوء إلى حلول مناسبة للتعامل مع الضغوطات المالية المتراكمة".

واشار الهاشمي في حديثه لـ"طريق الشعب"، إلى أن "الحكومات المتعاقبة لم تعتمد خطوات مدروسة لضبط وترشيق الإنفاق بشكل تدريجي يحافظ على استقرار الاقتصاد ولا يخلق صدمات مفاجئة".

وأوضح أن هذا التلكؤ المتواصل “فاقم حجم المشكلة وزادها تعقيداً، وقلّص مساحات المناورة أمام الحكومة، ما جعل الخيارات المتاحة اليوم محدودة وصعبة، ولم يترك سوى الحلول المشددة ذات الأثر العنيف على المالية العامة".

وبيّن أن من بين هذه الحلول "تطبيق سياسة تقشفية صارمة تقود إلى تجميد وتقليص واضح لعدة أبواب إنفاق، بما في ذلك الرواتب والإعانات، فضلاً عن تأثيرها المباشر على الإنفاق التنموي والاستثماري.

ورغم قسوة هذه الإجراءات، أكد الهاشمي أنها "تمثل الحل الأنسب للتعامل مع الاختلالات المالية الخطيرة التي يواجهها العراق".

وحذّر من أن "أي تأخير إضافي في تبني هذه الخطوات سيؤدي إلى تزايد المتطلبات المستقبلية نحو إجراءات أكثر شدة وصرامة”، مؤكداً أن "الاستمرار على هذا النهج من دون تدخل فاعل سيضاعف من مخاطر الأزمة المالية ويضيّق خيارات المعالجة بشكل أكبر".

********************************************

وقفة اقتصادية.. نحو مراجعة معمقة لشمولية الاستثمار

إبراهيم المشهداني

من المعروف أن مفهوم الاستثمار يرتبط بثبات بعملية التنمية الاقتصادية المستدامة وأبعادها الاستراتيجية الهادفة لتطوير الاقتصاد من خلال تغذيته بآخر منجزات العلم والتكنولوجية وشمولية الاقتصاد الكلي وإبعاده عن الوقوع في فخ الاقتصاد الريعي او ما جرت تسميته بالمرض الهولندي، وطابعه الأحادي الذي يظل عرضة لتأزيم الوضع المالي لكونه سلعة عالمية أسعارها متذبذبة بفعل عوامل جيو سياسية وضغوط دولية ناشئة عن تدخلات سياسية.

إن العنصر الجوهري في أية عملية تنموية يرتبط دائما وبالضرورة  بالاستثمار سواء من قبل الدولة أو القطاع الخاص بجانبيه المحلي والأجنبي، ومن غير المتوقع ان يعطي القطاع الخاص الوطني مفاعيله المتوخاة بسبب ضعفه وافتقاره إلى رؤوس الأموال الضرورية وتخلف الدولة عن تمكينه من التعافي لانكفائها عن الدعم والاعتماد على القطاع العام الذي يتلقى الدعم من الموارد البترولية وانكفاء المصارف عن تقديم التسهيلات الائتمانية لهذا لقطاع، أما الاستثمار الأجنبي فانه لم يستفد من قانون الاستثمار رقم 13 لعام 2006 وتعديلاته رغم ما في الأخير من مضامين جاذبة،  ومن خلال قراءة  لوضع الاقتصاد العراقي فإن قطاعاته على اختلافها بحاجة لميزات هذا النوع من الاستثمار المتمثلة في إدخال التكنولوجية وقدرته على تشغيل الأيدي العاملة التي تتدافع حاليا على القطاع الحكومي والضغط على الموازنات السنوية  وامكاناته في انتاج السلع الوسيطة التي تدخل ضمن المنتج النهائي للمشاريع الاستثمارية وزيادة القيمة المضافة المتولدة في الصناعات التحويلية المحلية بالإضافة إلى جلب رؤوس الأموال  التي تخفف من أعباء الدولة ونقص الادخارات المحلية زد على ذلك تلبية احتياجات السوق من السلع والخدمات .

وبما أن الدولة هل المالكة للبترول وأنها هي من تملك إيرادات النفط لذلك فإنها ملزمة لتوصيل منافعه إلى الشعب وفقا لنص المادة 111 من الدستور، ولكنها قبل ذلك ستتخم جيوبها بالإيرادات النفطية لتوصل هذه المنافع إلى المستفيدين النهائيين وهنا الإشكالية في الكيفية التي ستوزع هذه الموارد وفق نظام التوزيع الذي تتبناه، بيد أن الوجهة ستتجه للإنفاق على المجالات الاستهلاكية والمظهرية، وبهذه المقاربة ستكون التخصيصات سائبة دون رقابة او حساب مما ستنتج طبقة فاسدة ومترفة تقابلها شرائح فقيرة وواسعة مفتقرة إلى الاحتياجات الحقيقية من السلع والخدمات العامة والخاصة، واذا ما اتجهت لاستثمار بعض هذه الإيرادات اذ ذاك وبسبب من غياب الرقابة والتخطيط الرشيد سيتسابق الفاسدون للالتفاف على جهات التعاقد فتحول هذه التخصيصات في مشاريع وهمية وتافهة وإرضائية بغية بناء قاعدة تصويتية وهذا ما حصل في الانتخابات الأخيرة التي فاقت مثيلاها السابقة بمقاييس غير معهودة .

وحينما توسعت الحكومة في الإنفاق بينما يكون الاقتصاد راكدا  ربما بهدف إخراج الاقتصاد من الضغوط الانكماشية وهو ما يجب ان يكون  فقد ذهبت إلى التركيز على قطاع الخدمات  وهذا وان كان سيخفف شيئا من أزمات ولكنه لا يضيف ما تصبوا إليه من فوائض القيمة كما هو الحال لو جرى الاستثمار في قطاع الصناعة التحويلية او الزراعة او المشاريع المنتجة، إن هذه المقاربة مع اقترانها بالسياسة النقدية التي أسهمت في تخفيض القيمة الحقيقية للمداخيل قد جعلت من القوة الشرائية للمواطنين  تتآكل بشكل متسارع فضلا عن القيم الاجتماعية التي ينعكس عليها ذات التأثير الذي لم تستطع الطبقة الوسطى الإفلات من قبضته وبالتالي فان خيارات الحكومة في معالجة هذه الاثار ستكون متلكئة او مفقودة . 

إن المراجعة الحقيقية لشمولية الاستثمار تتطلب مراجع شاملة للسياسة الاقتصادية التركيز على منحيين:

الأول: - إعادة النظر في التشريعات واللوائح القانونية المتعلقة بتخصيص الأراضي للأغراض الاستثمارية وإجراءات الإقامة وسمات الدخول وتسجيل الشركات وإعادة النظر بقانون الاستثمار بما يخلصه من كل أشكال الروتين والبيروقراطية المشجعة على الابتزاز ومن الميلشيات وأحزاب الفساد من التدخل في عمليات الاستثمار.

الثاني: - التركيز على قطاعات الإنتاج من خلال مبدأ تنويع قطاعات الاقتصاد وتحقيق التكامل بينها لتقليل الحاجة إلى الاستيراد وبنائها على وجود إدارة تتمتع بالإخلاص والكفاءة وقدرة على استشراف المستقبل بنظرة استراتيجية بعيدا عن الخدر والاتكالية.

*****************************************

الزراعة تؤكد وفرة البيض محلياً .. وتتهم منتجين بالاحتكار

بغداد ـ طريق الشعب

أوضحت وزارة الزراعة أن الارتفاع الأخير في أسعار البيض بعدد من المناطق لا يعود إلى نقص في الإنتاج، بل يرتبط بممارسات احتكارية يمارسها بعض المنتجين، مؤكدة أن السوق المحلية تشهد وفرة في المنتج.

يتراوح سعر طبقة البيض حالياً بين 6 و7 آلاف دينار، وسط مطالبات شعبية بتدخل حكومي لضبط الأسعار.

وقال مدير قسم التسويق ومراقبة الأسعار في الوزارة زياد طارق قاسم إن "ارتفاع الأسعار في بعض المناطق ناتج عن احتكار من قبل عدد من المنتجين"، مشيراً إلى أن "البيض متوفر بكميات كبيرة في الأسواق، ولاسيما في الهايبر ماركتات التعاونية التي تطرح عبوات كبيرة بأسعار مناسبة".

وأضاف قاسم أن "الاحتكار يقف وراء تباين الأسعار بين المناطق، رغم أن الإنتاج المحلي كافٍ"، لافتاً إلى أن الكميات القادمة من إقليم كوردستان تغطي جزءاً مهماً من حاجة السوق.

وكشف عن بدء الوزارة بتنفيذ خطة توزيع جديدة اعتباراً من اليوم، بهدف خفض الأسعار ومعالجة الخلل السابق في آلية توزيع الكميات بين المحافظات، وذلك عبر اعتماد التوزيع المباشر من المركز.

وبحسب الخطة، سيجري توزيع البيض وفق الحاجة الفعلية لكل محافظة، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تواجه نقصاً، فيما شددت الوزارة على إبقاء الإنتاج الخاص بكل منطقة داخلها لتعزيز الوفرة.

وأكد قاسم عدم وجود مبرر لإعادة فتح باب الاستيراد، لأن الإنتاج المحلي يغطي الحاجة، داعياً المواطنين إلى "الشراء من الأسواق التعاونية والهايبر ماركتات المنتشرة في بغداد".

وأشار إلى أن مشروع صحارى كربلاء، وهو الأكبر في البلاد، يواصل الاعتماد على التوزيع المباشر إلى محال العاصمة دون المرور بالعلوة، بما يضمن وصول البيض بأسعار أكثر استقراراً.

*******************************************

المركزي يشدّد الرقابة على حسابات المؤثرين والمشاهير

بغداد ـ طريق الشعب

أصدر البنك المركزي العراقي، امس الأربعاء، تعميماً موجهاً إلى جميع المصارف يتضمن آليات جديدة للتعامل مع مشاهير منصات التواصل الاجتماعي والمؤثرين، معتبراً أنهم يشكلون "فئة عالية المخاطر" في ما يتعلق باحتمالات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب والنشاطات المالية المشبوهة.

وشدد البنك المركزي في وثيقة على ضرورة تصنيف المشاهير ضمن العملاء ذوي المخاطر المرتفعة نظراً لتعدد مصادر دخلهم وتنوعها، وما يرافق ذلك من صعوبة تتبع حركة الأموال المرتبطة بنشاطهم الإعلاني والتسويقي.

وطالب التعميم المصارف بضرورة التحقق من إفصاح المؤثرين عن عقود الإعلان والتسويق، والحصول على كشوفات مالية واضحة تثبت مصادر الإيرادات، إضافة إلى إلزامهم عند فتح حساب مصرفي بإدراج رابط حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي وإرفاق صورة حديثة تُظهر عدد المتابعين، بهدف التأكد من هوية صاحب الحساب.

كما شدد البنك على أهمية مراقبة التحويلات المالية وحركة الأموال الخاصة بالمؤثرين، للتأكد من مشروعيتها وتطابقها مع طبيعة نشاطهم، ضمن إطار إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب التي تُلزم بها جميع المؤسسات المصرفية.

****************************************.

الصفحة الخامسة

تحت ضغط الإيجارات التجارية المرتفعة أسواق الأنبار تفقد توازنها والباعة يتكبدون خسائر

متابعة – طريق الشعب

أصبحت مشكلة غلاء أبدال الإيجارات، لا سيما بالنسبة للعقارات التجارية، أزمة تعصف في عموم المحافظات وتُربك قدرة المواطن المالية وتدفعه إلى البحث عن بدائل غير نظامية، من قبيل التجاوزات. يأتي ذلك في ظل غياب قوانين رادعة تنظم سوق العقارات أو تحدد سقوفاً واضحة لأبدال الإيجار تتناسب وإمكانات المواطن.

وفي الجانب التجاري، سمح هذا الفراغ التشريعي بارتفاعات غير منضبطة للإيجارات، أثقلت كاهل أصحاب المحال والمشاريع الصغيرة، وأرغمتهم على المبالغة في أسعار بضائعهم بما يؤمّن بدل الإيجار وهامشا من الربح، الأمر الذي أضر بنشاط السوق، وبالتالي انعكس سلبا على المُستهلك في ظل انخفاض القدرات الشرائية لدى أكثر المواطنين.

وتفاقمت المشكلة أكثر بعد تشوّه التخطيط العمراني في العديد من المناطق. حيث تُحوَّل الأحياء السكنية إلى مراكز تجارية بصورة ارتجالية ومخالفة للقانون، ما يرفع الطلب على العقارات ويُلهب الإيجارات، ويخلق بيئة تجارية غير متوازنة تفتقر للضوابط الأساسية.

وفي مدن الأنبار تحديداً، يعاني كثيرون من أصحاب المحال التجارية، أزمة متنامية بسبب ارتفاع الإيجارات في ظل تدهور اقتصادي شهدته المحافظة خلال السنوات الأخيرة، ووسط قلة الوفرة المالية وتراجع دعم المشاريع الصغيرة. هذه الأزمة انعكست بشكل مباشر على التجار والمستثمرين صغارا وكبارا. حيث باتوا يواجهون صعوبة في مواصلة أعمالهم وسط تكاليف تشغيلية متصاعدة.

تراجع الوفرة المالية

في حديث صحفي، يقول عضو مجلس محافظة الأنبار عدنان الكبيسي، أن "الفترة السابقة كانت قد شهدت وفرة مالية ووضعاً اقتصادياً جيداً، ما جعل السوق المحلي نشطاً. ووقتها كانت حالات رفع الإيجارات أقل"، مستدركا "لكن منذ نحو سنتين، ومع تراجع الوفرة المالية وقلة موازنة المحافظة، بدأ التدهور الاقتصادي بالظهور، ما أثر على المحال التجارية في مختلف المناطق".

ويوضح أن "التاجر وصاحب المحل أصبحا يخسران نتيجة ارتفاع الإيجارات وتزايد المصاريف وقلة المبيعات، وهو ما أدى إلى إغلاق العديد من المحال بعد خسائر متتالية لعدة شهور"، مضيفا القول أن "تأثّر السوق لا يقتصر على المحال الكبرى فقط، بل يشمل الصغيرة والمتوسطة منها، كما أن الوضع انعكس سلباً على الحركة التجارية، حيث يضطر بعض التجار إلى خفض عدد العاملين أو تقليص ساعات العمل لتقليل النفقات، ما يؤثر بدوره على مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين".

صغار التجار أكثر تضررا

من جانبه، يذكر الناشط المدني عمر سمير، أن "ارتفاع الإيجارات يضرب صغار التجار بشكل خاص، ويزيد من صعوبة استمرار المشاريع التجارية، خاصة مع ضعف القوة الشرائية للزبائن وتراجع النشاط الاقتصادي في المدينة".

ويلفت في حديث صحفي إلى ان "العديد من المشاريع الصغيرة لا تستطيع الصمود أمام هذا الضغط المالي، ما يؤدي إلى خسائر فادحة أو إغلاق نهائي للمشروع".

عبء ثقيل

أما جبار العلواني، وهو صاحب محل في سوق الرمادي، فيقول ان "الإيجار أصبح عبئاً ثقيلاً على أصحاب المحال، إذ لا تتناسب المبيعات مع تكاليف الإيجار الشهرية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار المواد الأولية والمصاريف التشغيلية الأخرى".

ويوضح في حديث صحفي أن "البعض يضطر أحياناً إلى إغلاق المحل مؤقتاً أو البحث عن بدائل أقل كلفة، وهذا يؤثر على استمرار النشاط التجاري بشكل طبيعي".

المستهلك يتحمّل الأعباء

في سياق متصل، يعبّر المواطن فارس إبراهيم، وهو من أبناء الرمادي ويتردد على الأسواق يومياً بحكم عمله، عن استيائه من انعكاس أزمة الإيجارات على أسعار المواد الغذائية والسلع في السوق.

ويقول في حديث صحفي أن "تضرر أصحاب المحال لا يبقى داخل حدودهم، بل نتحمله نحن أيضاً كمستهلكين. هناك محال تغلق، وأخرى تقلل البضاعة، وبعضها يرفع الأسعار لتغطية الإيجار. هكذا يفقد السوق توازنه ونفقد نحن القدرة على الشراء".

ويتفق محللون اقتصاديون على أن غلاء الإيجارات التجارية يشكل أحد أهم العوامل المؤدية لضعف السوق المحلي، لأن ارتفاع التكاليف التشغيلية يضغط على أرباح أصحاب المحال، ويقلل قدرتهم على توظيف العمالة أو تقديم عروض تنافسية لجذب الزبائن. كما أن تراجع موازنة المحافظة وانخفاض دعم المشروعات الصغيرة يزيد من تفاقم الأزمة، ويجعل السوق أكثر عرضة للتراجع.

ويشهد سوق الرمادي وعدد من المناطق التجارية الأخرى في المحافظة تراجعاً ملحوظاً في الحركة التجارية. فيما يحاول التجار البحث عن حلول تُبقي أعمالهم مستمرة وسط ظروف اقتصادية صعبة وارتفاع مستمر في الإيجارات، دون أفق واضح لمعالجة المشكلة في المدى القريب.

********************************************

اگول.. الكبريتُ يتحدّى الحكومةَ!

علي يحيى السبّار

في كلِ مرةٍ تُعلن فيها الحكومةُ إجراءً أو "خطةً" للسيطرة على تلوّثِ الهواءِ في بغدادَ، يخرجُ الكبريتُ من أطرافِ العاصمةِ وينفثُ أدخنتَه السامةَ بصورةٍ أنشط، وكأنه يقولُ واثقاً ساخراً: يا حكومةَ قولٍ بلا فعلٍ، حاولي معي مرة ثانية!

المشهدُ محفوظٌ في الأذهانِ، لا بل في الأنوفِ والأعينِ: دخانٌ رماديٌ، أناسٌ مُختنقون بين من يجري باحثاً عن هواءٍ نظيفٍ، ومن يهرعُ إلى المستشفى لإنعاشِ رئتيه، بينما المسؤولُ يُعلن مجدداً جملتَه المُعلّبةَ التي حفظها الجميع عن ظهرِ قلبٍ: الوضعُ تحتَ السيطرةِ، شخّصنا المُخالفاتِ ولدينا إجراءاتٌ رادعةٌ!

ورَغمَ ذلك، يواصلُ الكبريتُ تخييّمَه على شوارعِ العاصمةِ مُتحدياً الجميعَ، مُتباهياً بتفوّقِه على من تبوّأوا مناصبِ مُكافحتهِ!

المفارقةُ هي أن هذه الأزمةَ لا تختلف كثيراً عن غيرِها. ففي العراقِ، كلُ الأزماتِ، من النفاياتِ إلى الكهرباءِ إلى الماءِ، الهواءِ، التعليمِ، الصحةِ، البطالةِ، السكنِ، وما إلى ذلك.. كلُ الأزماتِ تسيرُ بالخطواتِ الواثقةِ نفسِها، ويُردُ عليها بالتصريحاتِ الاستهلاكيةِ المحفوظةِ ذاتِها: سنتخذُ اللازمَ.

واللازمُ، كالعادةِ، لا يُتَّخذ!

الحالةُ الكبريتيةُ ليست استثناءً، هي مجرّدُ فصلٍ من مسلسلٍ طويلٍ مأزومٍ: خطرٌ يتكررُ، حكومةٌ تتفاجأُ، لجنةٌ تُشكَّلُ، بيانٌ يُذاعُ، ثم يعودُ كلُ شيءٍ كما هو.. صيرورةٌ لانهائيةٌ.. كأنّ أزماتَنا تشتغلُ على تقنيةِ التدوير!

أما العاصمةُ، وقد قفز تلوّثُ الهواءِ فيها إلى المستوى الأعلى "الرقمُ البنفسجيُ"، لا تزالُ تجلس تحتَ الدخانِ، تفركُ عينيها وتغسلُ أنفها، بماءٍ ملوّثٍ أيضاً، وبينما تستمعُ إلى تصريحاتِ المسؤولين، يواصلُ الكبريتُ غاراتِه، ليُثبتَ أن الرائحةَ أقوى من الخطابةِ!

المُضحكُ، هو أن أزمةَ تلوّثِ هوائِنا تتناقلها وسائلُ إعلامٍ دوليةٌ، وتشخّصُ أسبابَها، فيما لا تزالُ الحكومةُ باحثةً عن الجهةِ المسببةِ.. ماذا لو كانت مُتنفذة؟! - البعض يسألُ!

أقولُ، ان الطفلَ الذي يلعبُ قربَ المطمرِ "مثلا"، يعرفُ الأسبابَ أكثرَ من الحكومةِ، والحكومةَ ربما تعرفُ ذلك أيضاً. إن عرفتْ وغضّتْ البصرَ، فتلك مصيبةٌ، وإن لم تعرفْ فتلك.. ضع ما شئتَ أيها القارئ!

في النهايةِ، قبل أن نبحثَ عن خطةٍ لإنقاذِ البيئةِ، يتوجب علينا وضعُ خطةٍ لإنقاذِ الحكومةِ.. الكبريتُ انتصرَ في كلِ الجولاتِ، ولا تزال صولاتُه مُستمرةً.. تدربيْ جيداً أيتها الحكومةُ.. تدربيْ.. أحدُهم قال: "خَزّيتونا"!

*************************************

مواساة

• تعزي اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في البصرة عائلة البلادي، بوفاة الشخصية الوطنية الاستاذ مكي جعفر البلادي، شقيق الفقيد الدكتور صادق البلادي.

الذكر الطيب للفقيد والصبر والسلوان لأهله وأصدقائه.

• تتقدم اللجنة الأساسية للحزب الشيوعي العراقي في قضاء الحي بخالص التعازي والمواساة الى عائلات الرفاق الدكتور على الحاج عويد العقابي وسلمان الحاج عويد وسالم الحاج عويد، وعائلة صديق الحزب وصفي سالم، وذلك بوفاة المربي وصفي سالم الحاج عويد ابن عم الرفيقة براڤدا علي.

للفقيد الذكر الطيب ولعائلته الكريمة الصبر والسلوان. 

• تعزي اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في ديالى الرفيق علي عبد الستار محمود (علي البعقوبي)، بوفاة عمه عبد القادر محمود حسين.

للفقيد الذكر الطيب ولأهله الصبر والسلوان.

*******************************************

الصفحة السادسة

فنزويلا.. الآلاف يتظاهرون احتجاجا على تهديدات واشنطن

كاراكاس – وكالات

خرج آلاف الفنزويليين في مظاهرة بالعاصمة كراكاس، احتجاجا على تهديدات الولايات المتحدة ضد بلادهم، ودعما للرئيس نيكولاس مادورو.

المتظاهرون حملوا أعلاما كبيرة لفنزويلا، وصور مادورو، وانتقدوا التمركز العسكري الأمريكي في منطقة الكاريبي، واصفين إياه بأنه تهديد على بلادهم.

وشارك في المظاهرة وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، حيث أكد في كلمة خلالها أن الشعب الفنزويلي "يزداد تكاتفا يوما بعد يوم، ويدافع بإصرار عن إرادته في حياة حرة".

وأوضح أنهم سيبذلون ما بوسعهم للدفاع عن فنزويلا، متهما "القوى الإمبريالية بالسعي للسيطرة على الموارد الطبيعية" في بلاده.

وتصاعدت التوترات مؤخرا بين الولايات المتحدة وفنزويلا، حيث أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في آب الماضي، أمراً تنفيذياً يقضي بزيادة استخدام الجيش بدعوى "مكافحة عصابات المخدرات" في أمريكا اللاتينية.

وفي هذا السياق، أعلنت واشنطن إرسال سفن حربية وغواصة إلى قبالة سواحل فنزويلا، فيما قال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إن الجيش جاهز للعمليات بما فيها تغيير النظام في فنزويلا.

*******************************************

حمدوك: الشعب السوداني يستحق دولة مدنية ديمقراطية

الخرطوم – وكالات

حذّر رئيس الوزراء السوداني السابق، عبد الله حمدوك، من خطورة عودة السودان إلى ما وصفه بـ "الإرث المظلم" للفصائل الإسلامية التي "اختطفت الدولة لعقود وأغرقت البلاد في صراعات لا تنتهي".

وقال حمدوك، في منشور على حسابه بمنصة إكس، إن "الحرب الحالية تُغذّيها القوى الأيديولوجية ذاتها داخل القيادة العسكرية، تلك التي تعرقل مسار السلام وتقاوم إطار عمل الرباعية".

ودعا حمدوك إلى وقف فوري لإطلاق النار دون شروط مسبقة، مؤكداً أن استمرار القتال يفاقم معاناة المدنيين ويدفع البلاد نحو مزيد من التفكك.

وشدد على أن "الشعب السوداني يستحق دولة مدنية ديمقراطية، خالية من التطرف ومن سياسات الماضي المدمّرة".

***********************************

انطلاق عملية اختيار الأمين العام الجديد للأمم المتحدة

نيويورك – وكالات

انطلقت رسميًا الثلاثاء عملية اختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة بإرسال دعوة لتقديم الطلبات إلى الدول الأعضاء، ليحل مكان أنطونيو غوتيريش اعتبارًا من الأول من كانون الثاني 2027.

وفي رسالة مشتركة أرسلت إلى الدول الأعضاء البالغ عددها 193، قام سفير سيراليون مايكل عمران كانو، الرئيس الحالي لمجلس الأمن، ورئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك "بتحريك" عملية الاختيار.

وجاء في الرسالة أن "منصب الأمين العام يكتسي أهمية كبيرة ويتطلب أعلى معايير الكفاءة والمقدرة والنزاهة، والالتزام الراسخ بأهداف ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه".

كما يتطلب مرشحين يتمتعون بخبرة واسعة في مجال العلاقات الدولية والمهارات الدبلوماسية واللغوية.

وتدعو بعض الدول الأعضاء إلى اختيار امرأة، وقد أشارت الأمم المتحدة في رسالتها "بأسف إلى أنه لم تشغل أي امرأة منصب الأمين العام على الإطلاق" وحضت الأعضاء "على النظر بجدية في ترشيح نساء".

ويجب على كل مرشح محتمل أن يرشَّح رسميًا من قبل دولة أو مجموعة من الدول وتقديم "رؤيته" ومصادر التمويل.

وبدأ تداول بعض الأسماء بشكل غير رسمي للمنصب منها الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشليه ورئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي والكوستاريكية ريبيكا غرينسبان التي تتولى حاليًا رئاسة وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد).

**********************************************

حرب الإبادة محت 69 عاماً من التنمية في غزة.. هيومن رايتس ووتش: إسرائيل ترتكب جرائم حرب بالضفة الغربية

رام الله – وكالات

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن إبعاد إسرائيل نحو 32 ألف فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس مطلع عام 2025 يرتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فيما خلص تقرير دولي إلى أن الحرب الإسرائيلية على غزة محت 69 عاما من التنمية البشرية، بما دمرته من منظومات الرعاية الصحية والتعليم والبنى التحتية وحتى البنوك.

ودعت هيومن رايتس ووتش إلى اتخاذ تدابير دولية عاجلة لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين ومنع حدوث المزيد من الانتهاكات.

وأكدت أن النازحين مُنعوا من العودة، وهُدمت مئات المنازل، وأن كثيرين فرّوا تحت القصف ومن دون أي مساعدات.

كفاح للعثور على مأوى

قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، الأربعاء، إن آلاف النازحين قسرا في قطاع غزة يكافحون للعثور على مأوى آمن استعدادا لطقس بارد يقترب، في ظل تداعيات حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على القطاع لمدة عامين.

وأوضحت الوكالة، في تدوينة على منصة "إكس"، أن "آلاف المهجرين قسرا في قطاع غزة يكافحون للعثور على مأوى آمن استعدادا للطقس البارد القادم".

وأضافت أن "النازحين لا يملكون خيارا سوى إقامة خيام بدائية"، مشيرة إلى أن "مزيدا من مواد الإيواء ما تزال مطلوبة".

ولفتت إلى أن أكثر من 79 ألف نازح يعيشون في 85 مركز إيواء تديرها "أونروا" في القطاع، وسط ظروف إنسانية تزداد سوءا مع اقتراب فصل الشتاء.

قيود الاحتلال مستمرة

وكان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، قد حذر من أن عائلات فلسطينية نازحة في غزة تواجه خطر الفيضانات داخل ملاجئ سيئة، مؤكدا أن السكان "معرضون للخطر بشكل كبير" في ظل سوء الأحوال الجوية، وأن القيود الإسرائيلية المستمرة تعيق دخول المساعدات الحيوية وتعرقل عمل منظمات الإغاثة بما فيها شركاء الأمم المتحدة.

وفي بيانات سابقة، أكدت حركة "حماس" والمكتب الإعلامي الحكومي بغزة أن الاتفاق نص على فتح المعابر والسماح بإخال مواد الإيواء من خيام وبيوت متنقلة، إلا أن إسرائيل تتنصل من الإيفاء بذلك.

وتسبب منخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة، في غرق عشرات من خيام النازحين في منطقة المواصي بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية.

يشار إلى أن قطاع غزة يحتاج إلى نحو 300 ألف خيمة ووحدة سكنية مسبقة الصنع لتلبية أبسط احتياجات سكانه من المأوى، بعدما دمرت إسرائيل البنية التحتية خلال عامين من الإبادة.

وتقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، جراء تداعيات عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية بدعم أمريكي، التي أدت إلى قتل أكثر من 69 ألف فلسطيني، وإصابة نحو 171 ألفا.

أسوأ انهيار اقتصادي

قالت مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين فرانشيسكا ألبانيزي إن تقريرا جديدا للأمم المتحدة خلص إلى أن الحرب الإسرائيلية على غزة محت 69 عاما من التنمية البشرية، بما دمرته من منظومات الرعاية الصحية والتعليم والبنى التحتية وحتى البنوك.

وكتبت ألبانيزي في منشور على موقع إكس أن هذا يمثل أسوأ انهيار اقتصادي تم تسجيله على الإطلاق، وأضافت "هذه ليست حربا، إنها إبادة جماعية".

ونشرت المقررة الأممية نسخة من ملخص التقرير الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، والذي أوضح أن الدمار الذي شهدته فلسطين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 "أطلق العنان لأزمات متلاحقة، اقتصادية وإنسانية وبيئية واجتماعية، ليدفع الأراضي الفلسطينية المحتلة من نقص التنمية إلى الدمار الكامل".

وحذرت الأمم المتحدة من انهيار غير مسبوق للاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، مؤكدة أن الحرب التي استمرت عامين محت أثر عقود من التنمية، ودفعت غزة إلى مرحلة الدمار الكامل.

دعم دولي مكثف

وقال التقرير إن الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب في البنية التحتية والأصول الإنتاجية والخدمات الحيوية ألغى عقودا من التقدم الاجتماعي والاقتصادي في قطاع غزة.

وأوضحت التقرير الأممي إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني تراجع إلى مستوى عام 2003، بما يعادل خسارة 22 عاما من التنمية.

وبين أن الأزمة الاقتصادية الناتجة تُعد من بين أسوأ 10 أزمات اقتصادية عالمية منذ عام 1960.

كما حذر من أن حجم الدمار في غزة يعني أن القطاع سيظل "يعتمد اعتمادا تاما على دعم دولي مكثف"، وأن عملية التعافي قد تستغرق عقودا طويلة.

وأشار إلى أن الحرب الإسرائيلية دمّرت على نطاق واسع كل ركيزة من ركائز البقاء من غذاء ومأوى ورعاية صحية، مما دفع غزة نحو "حافة الانهيار الكامل".

********************************************

تونس: إدانة مدافعين عن حقوق الإنسان تؤكد تجريم عمل المجتمع المدني

تونس – وكالات

قالت سارة حشاش، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، ردا على خبر إدانة المحكمة الابتدائية بتونس، المدافعَيْن عن حقوق الإنسان مصطفى الجمالي وعبد الرزاق كريمي، والإفراج عنهما بسبب الوقت الذي أمضياه أصلًا بعد بقائهما رهن الاحتجاز التعسفي لأكثر من 18 شهرًا: "سيثلج الإفراج عنهما صدور أفراد أسرتيهما الذين سيحتفلون بالتئام شملهم مع عزيزَيْهم بعدما أمضيا أكثر من 18 شهرًا رهن الاحتجاز التعسفي".

واضافت، انه "احتُجز هذان المدافعان عن حقوق الإنسان والعاملان في المجال الإنساني تعسفًا وأُخضعا لتحقيق جنائيٍ باطل، لمجرد قيامهما بعملهما. وكانت منظمتهما تؤدي عملًا حيويًا لمساعدة اللاجئين وطالبي اللجوء بالشراكة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والسلطات التونسية".

وأوضحت، أنه "ما كان ينبغي بتاتًا التحقيق مع مصطفى الجمالي، 81 عامًا، وعبد الرزاق كريمي، 61 عامًا، ناهيك عن ملاحقتهما قضائيًا؛ إذ يعتبر تقديم الملجأ والمساعدة للأشخاص المعرضين للخطر أمرًا حقوقيًا محتمًا". وبينت، ان "التُهم الموجّهة إليهما، بما فيها “تكوين وفاق أو تنظيم” بقصد مساعدة اللاجئين على “الدخول خلسة”، تشكل إساءة استخدام لقوانين مكافحة التهريب بهدف خنق الحيِّز المدني. وتُرسل هذه الإدانة رسالة مخيفة للمدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات حقوق الإنسان العاملة في تونس، موحيةً بأنهم عرضة لخطر الاعتقال والسجن عند الوفاء بالمهام المنوطة بهم.". وأكدت ان "هذه القضية تشكل مثالًا صارخًا على حملة القمع الأوسع نطاقًا التي تشنها السلطات التونسية على المجتمع المدني وحقوق اللاجئين والمهاجرين، والتي اتسمت باعتقالات تعسفية، وممارسات تمييزية على أساس العرق، وخطاب كراهية الأجانب. وينبغي للسلطات إسقاط حكم الإدانة".

********************************************

دراسة: ٣٨ مليون ضحية لعقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي

متابعة – طريق الشعب

تتزايد العقوبات خارج نطاق الشرعية الدولية، وتستهدف حاليًا قرابة ٦٠ دولة. وفي تسعينيات القرن العشرين، تجاوز عدد الوفيات مليون حالة وفاة سنويًا. وبلدان الجنوب العالمي هي الأكثر تأثرا بنتائجها.

إجراءات أحادية الجانب

لقد اكدت مقالة نُشرت في مجلة لانسيت المتخصصة بملفات الصحة العالمية، أن الإجراءات القسرية أحادية الجانب التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ سبعينيات القرن العشرين، تسببت بقرابة 38 مليون حالة وفاة. وتقدم الدراسة، التي أشرف عليها الاقتصادي فرانسيسكو رودريغيز من جامعة دنفر، مناهج جديدة لقياس التكلفة البشرية لهذه الإجراءات. ووفقًا للدراسة، تجاوز متوسط عدد الضحايا مليون ضحية سنويًا، وخلال بعض سنوات التسعينيات. وفي عام 2021، وهو العام، الذي تتوفر فيه أحدث المعطيات تسببت هذه العقوبات بأكثر من 800 ألف حالة وفاة، مما يعني أن عدد الضحايا يفوق ضحايا العمليات الحربية المباشرة.

وفقًا للدراسة، فان الأطفال وكبار السن، هم الأكثر تأثرا، لتعرضهم الشديد لسوء التغذية. في عام ٢٠٢١ وحده، توفي أكثر من مليون طفل نتيجةً العقوبات القسرية أحادية الجانب. ويتحمل سكان الدول المتضررة العبء الأكبر. على سبيل المثال، أدى الحصار الجائر، الذي فرضته الولايات المتحدة الامريكية على الشعب العراقي، والذي استمر 13 عاما، أدى في تسعينيات القرن العشرين إلى انتشار سوء التغذية، بالإضافة إلى نقص في مياه الشرب والأدوية والكهرباء. وفنزويلا مثال آخر، حيث تُظهر الدراسات أن أفقر شرائح السكان تعاني أكثر من غيرها من هذه العقوبات.

ويشير الباحثون أيضًا إلى زيادة ملحوظة في توظيف هذه العقوبات: فبينما خضعت قرابة 30 دولة في المتوسط لعقوبات قسرية أحادية الجانب في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ارتفع هذا العدد إلى قرابة 60 دولة في العقد الحالي، وينتمي معظمها الى بلدان الجنوب العالمي. والهدف هو حرمان هذه البلدان من الاستفادة من مصادر التمويل العالمي. وفرص شروط تجارية استبدادية، وخلق حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي، وتفاقم الأزمات السياسية بهدف الضغط في نهاية المطاف على هياكل هذه الدول. وتُستخدم هذه العقوبات في السياسة الخارجية لتأديب الحكومات التي تسعى إلى التحرر من الهيمنة الغربية والسعي إلى استعادة قرارها السيادي.

معلومات إضافية

 تمتاز هذه الدراسة بانها كشفت العلاقة السببية المباشرة بين فرض العقوبات وتدهور الأوضاع الصحية في البلدان المبتلية بهذه العقوبات، في حين اكتفت الدراسات السابقة بوجود علاقة عمومية فقط. ولم تدرس أي دراسة حتى الآن آثار العقوبات على معدلات الوفيات حسب العمر في المعطيات المتعلقة بهذه البلدان باستخدام أساليب مصممة لمعالجة تحديد العلاقة السببية في بيانات الرصد المتوفرة.

إن العقوبات الدولية هي قيود على التعاملات الدولية تفرضها حكومات المراكز الرأسمالية سعياً لتحقيق أهداف سياستها الخارجية. وتُعدّ مسألة تأثير العقوبات على الظروف الصحية في الدول المستهدفة، ومدى قوتها بما يكفي للتسبب في عدد كبير من الوفيات، من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر المعاصر حول إدارة شؤون الدولة الاقتصادية. وقد أثّرت المناقشات التي دارت في تسعينيات القرن العشرين بشأن الآثار الكارثية للعقوبات على وفيات الأطفال في العراق تأثيراً كبيراً على المناقشات السياسة، وكانت أحد العوامل الرئيسية لإعادة هيكلة العقوبات المفروضة لاحقاً.

التأثير على الخدمات الصحية

يمكن أن تؤدي العقوبات إلى انخفاض في كمية ونوعية خدمات الصحة العامة نتيجةً لانخفاض الإيرادات العامة؛ وانخفاض توافر الواردات الأساسية، نتيجةً لانخفاض عائدات النقد الأجنبي، مما يحد من إمكانية الحصول على الإمدادات الطبية والأغذية وغيرها من السلع الأساسية؛ وكذلك القيود المفروضة على المنظمات الإنسانية، التي تعيق قدرتها على العمل بفعالية في البلدان المحاصرة ة. وقد دفع القلق بشأن الأثر الإنساني لأنظمة العقوبات الشاملة التقليدية إلى إطلاق العديد من مبادرات الإصلاح على مر السنين.

**************************************

الصفحة السابعة

عمال القطاع الخاص.. ساعات عمل طويلة بأجور محدودة

بغداد – طريق الشعب

في ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، تتزايد شكاوى عمال القطاع الخاص من ظروف حياة قاسية، تتمثل في ساعات عمل طويلة، قد تصل إلى 16 ساعة يومياً، دون حصولهم على أي مخصصات مالية إضافية أو تعويضات تتناسب مع حجم الجهد المبذول. ورغم أن قانون العمل ينص على أن الحد الأقصى لساعات العمل اليومية يجب أن لا يتجاوز 8 ساعات، إلا أن الواقع - وفقا لشهادات العمال - يختلف كثيرا، حيث يغلب على بيئات العمل، الضغط والإرهاق المستمر. يقول أحمد ماجد، عامل في إحدى شركات القطاع الخاص "نبدأ العمل من الساعة السابعة صباحاً ولا نغادر قبل الحادية عشرة ليلاً في بعض الأيام. الإدارة تفرض علينا ساعات إضافية بشكل شبه يومي، لكن دون أي مقابل مادي. وإذا ما اعترض أحدنا، يُهدد بالاستغناء عن خدماته". يوضح أحمد أن البطالة المرتفعة تجعل العمال يشعرون بأنهم مضطرون لقبول هذه الظروف خوفاً من فقدان مصدر رزقهم الوحيد، ويضيف "نشعر أننا مجرد آلات لإنتاج الأرباح، وليس لنا أي حقوق".

أما كمال العبيدي الذي يعمل في ورشة نجارة، فيصف وضعه بأنه "مرهق وغير إنساني"، قائلا "أعمل منذ 20 عاما في هذه المهنة، لكن لم أتعرض لضغط مثل الذي نعيشه حالياً. في الأسبوع الماضي، عملت لأكثر من 90 ساعة، ولم أتقاض أي بدل إضافي، حتى أن صاحب الورشة يرفض شمولنا بالضمان الاجتماعي". ويشير كمال إلى أن ساعات العمل الطويلة أثّرت على صحته الجسدية، حيث أصبح يعاني من آلام مزمنة في الظهر.

العاملات وخشية الاعتراض

تقول سارة جعفر، عاملة في أحد المولات التجارية، إن المشكلة لا تقتصر على الرجال فقط، بل تشمل العاملات أيضا، "نحن نعمل في مواسم الأعياد حتى منتصف الليل، دون أي تعويضات عن الوقت الإضافي. الإدارة تبرر ذلك بأن العمل موسمي ويحتاج لطاقة إضافية، لكننا لا نرى أي انعكاس لذلك على رواتبنا، حتى مخصصات النقل لا تُرصد لنا". وتضيف "أن كثيرا من العاملات يخشين الاعتراض بسبب الخوف من فقدان الوظيفة، وهو ما يجعل المطالبة بالحقوق الأساسية شبه مستحيلة".

خطورة الساعات الإضافية على السلامة

وإلى جانب آخر من المشكلة، يشير فرات يوسف سائق شاحنة لتوزيع المشروبات الغازية قائلاً "العمل لساعات طويلة ليس فقط إرهاقا، بل يشكل خطرا على حياتنا وحياة الآخرين. أقود الشاحنة أحيانا وأنا شبه نائم. أخبرت المسؤولين بأن هذا يشكل خطورة، لكنهم قالوا لي بالحرف الواحد: هذه هي متطلبات العمل، ومن لا يعجبه فليبحث عن مكان آخر". ويؤكد فرات أنه شهد حوادث وقعت لسائقين آخرين بسبب الإجهاد، وأن تجاهل أصحاب العمل لهذه المخاطر قد يؤدي إلى كارثة، مشيرا إلى أن غياب تطبيق القوانين يجعل حياتهم اليومية معرضة للخطر المستمر.

غياب الرقابة وتجاهل القوانين

يرى عبد الله أزهر وهو عامل في أحد شركات القطاع الخاص، أن المشكلة تعود لغياب الرقابة الكافية من الجهات المختصة، ويقول لـ "طريق الشعب"، "لو كانت هناك جولات تفتيشية مفاجئة ومستمرة من قبل وزارة العمل، لما تجرأ أي صاحب عمل على مخالفة القانون. لكن بعض الشركات تستغل غياب الرقابة، وتضغط على العمال لتحقيق أكبر قدر من الإنتاجية بأقل كلفة ممكنة".

ويضيف عبد الله أن بعض العمال حاولوا تقديم شكاوى، لكن الإجراءات البيروقراطية الطويلة تثنيهم عن الاستمرار، ما يتركهم في دائرة الاستغلال والإرهاق المستمر.

المطالب العادلة للعمال

رغم هذه الشكاوى، يظل صوت العمال ضعيفًا أمام أصحاب الأعمال، خاصة في ظل غياب نقابات قوية في بعض القطاعات تدافع عن حقوقهم. ويؤكد العديد من العمال أن الحل يكمن في وضع آليات حقيقية لضمان التزام الشركات بالقوانين، وتوفير قنوات آمنة لتقديم الشكاوى، مع ضمان عدم تعرض أي عامل للعقاب بسبب مطالبته بحقوقه.

***********************************************

عمال يعرضون معاناتهم  مع عقود مخالفة لقانون العمل

بغداد – طريق الشعب

في ظل تزايد الشكاوى في بعض القطاعات الخدمية والصناعية، كشف عدد من العمال عن معاناتهم المستمرة مع عقود عمل غير قانونية لا تضمن لهم أبسط حقوقهم. ورغم أن أغلبهم يخشى الحديث علنا، فقد وافق ثلاثة منهم على الإدلاء بتصريحات بأسماء مستعارة تجنبا لأي تبعات.

يقول سامي عبد الكريم، وهو عامل في ورشة صناعية صغيرة، "أعمل أكثر من 12 ساعة يوميًا دون إجازة أسبوعية. عندما طلبت نسخة من العقد، قال لي المشرف إن العقد غير ضروري، وإن وجودي في العمل يعني أنني موافق على الشروط مهما كانت".

أما (م. ع) وهو عامل في أحد المطاعم، فيؤكد أن المشكلة لا تتوقف عند ساعات العمل، بل تتجاوزها إلى غياب التأمين الصحي وتأخير الرواتب، "نتقاضى أقل مما تم الاتفاق عليه، وكلما طالبنا بحقوقنا يقولون إن بإمكانهم استبدالنا بأي وقت. لم يظهروا لنا أي عقد مكتوب منذ بداية العمل".

خبراء في شؤون العمل أكدوا على أن هذه الحالات تكشف وجود فجوة بين القوانين والواقع العملي، مشيرين إلى أن غياب الرقابة في بعض المنشآت يسمح باستمرار المخالفات. وتشير المحامية سماح الطائي في هذا الخصوص إلى أن "القانون يلزم أصحاب العمل بتوفير عقد واضح ومكتوب، وإن أي انتقاص من هذا الحق يعد مخالفة صريحة، ومن حق العامل سواء كان عراقياً أو اجنبيًا، متواجد للعمل وفق القانون، رفع دعوى لدى محكمة العمل للمطالبة بحقوقه القانونية".

ويطالب العمال الجهات المختصة بتكثيف حملات التفتيش وتوفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ عن الانتهاكات، مؤكدين أن تحسين أوضاعهم سينعكس إيجابيا على جودة الإنتاج وسلامة بيئة العمل.

***************************************

عمال نظافة يواجهون الأمطار غياب تام لمتطلبات السلامة وتدن للأجور

بغداد – طريق الشعب

مع حلول فصل الشتاء، يقف عمال النظافة في الصفوف الأولى لمحاولة منع الشوارع من الغرق وتنظيف شبكات الصرف الصحي، رغم ما يتقاضونه من أجور متواضعة لا تعكس حجم الجهد المبذول.

عامل النظافة مصطفى علوان يقول لـ "طريق الشعب" إن "عمل عمال النظافة في كافة القطاعات يبدأ قبل الفجر، نحاول فتح المجاري حتى لا تغرق الشوارع ومع ذلك رواتبنا قليلة لا تتجاوز ٢٧٥ ألف دينار شهريا".

أما زميله ميثم حسن فيضيف "نعمل تحت المطر والبرد، وبدون معدات سلامة، الكثير من زملائنا فقدوا حياتهم بسبب التيار الكهربائي في موسم الامطار. الأجور قليلة، لكنها مصدر رزقنا الوحيد. ما نطلبه فقط هو تحسين ظروف عمل عمال النظافة، وتوفير أدوات أفضل، فاغلبنا أصحاب عوائل تعيش بمستوى اقتصادي دون المتوسط".

وفي مدينة البصرة، يواجه العمال تحدياً مضاعفاً بسبب انسداد المصارف وتراكم النفايات في بعض المناطق. ويوضح العامل ابراهيم سجاد أن الجهد يزداد مع كل موجة مطر " تتصل بنا الناس تطلب تدخلنا. نعمل لساعات طويلة كي لا تتكدس المياه والنفايات، لكننا بحاجة لدعم أكبر من الجهات المسؤولة التي في كل اعتصام لعمال النظافة يكتفون بإطلاق الوعود لكن دون تنفيذ يذكر".

****************************************

لحظة عمالية.. صوت لا يُسكَت

نورس حسن

منذ أن ولد الحزب الشيوعي العراقي من رحم المعامل والورش، حمل راية الطبقة العاملة بيد لا ترتجف، ودخل معارك نضالية دفع فيها الشهداء واحداً تلو الآخر. لم يكن تاريخ الحزب مجرد صفحات تقرأ، بل كان جسداً حياً يتقدم الصفوف، يقود الإضرابات، يصوغ الوعي، ويواجه أعتى أنظمة القمع دفاعا عن العامل الذي يسقط يوميا تحت ثقل القهر والاستغلال. هذا التاريخ لم يكتب بالحبر، بل بعرق العمال ودماء من سقطوا وهم يحلمون بوطن أكثر عدلا.

اليوم، وبعد عقود من المواجهات، يقف الحزب الشيوعي أمام تحديات جديدة لا تقل قسوة عمّا واجهه في الماضي. فالعمال الذين كان الحزب يقود نضالاتهم يواجهون ظروفا أشد قسوة: بطالة متفشية، حقوق منتهكة، عقود مؤقتة تستغل لابتزازهم، وبيئات عمل تفتقر لأبسط متطلبات السلامة. وفي ظل اقتصاد تديره شبكات الفساد، صار العامل الحلقة الأضعف في دولة لم تحسم خيارها بعد بين العدالة والغنيمة. وهنا يعود الحزب ليكون جدار الدفاع الأول عن الطبقة العاملة.

لكنّ قوى الفساد والمحاصصة ـ التي تخشى أي صوت يفضح مشاريعها ـ سارعت إلى استهداف الحزب والإساءة لتاريخه، خاصة بعد عدم حصوله على مقعد في البرلمان. ظنّت هذه القوى أن غياب العدد يعني غياب التأثير، وأن تاريخه النضالي يمكن أن يُمحى بمجرد حملة إعلامية منظمة. لم تدرك أن حزبا قدّم هذه القافلة من الشهداء، لن تهزه تخرصات "جيوش المحتوى المأجور"، وأن فكراً تربى عليه عمال العراق لا يمكن أن تقهره منصات الفساد.

الحزب الشيوعي لا يستمد شرعيته من قبة البرلمان، بل من تاريخ طويل عاشه بين العمال، ومن تواصل دفاعه عن حقوقهم، وهو يقف اليوم في مواجهة منظومة سياسية، تحاول تقويض أي مشروع وطني حقيقي. ورغم هذه الهجمة، يظل الحزب ثابتا، يرفع صوته بثقة: أن الطبقة العاملة ليست مجرد قوة إنتاج، بل قوة تغيير، وأن العراق لن ينهض ما دامت حقوق العمال تداس أمام أعين الجميع.

إنّ ما يثير رعب الفاسدين ليس مقعدا نيابيا غاب، بل تاريخاً حياً لم يمت، وفكراً ثورياً لا يزال ينبض في قلب كل عامل، شعوراً بأن كرامته تستحق أن تنتزع، لا أن تمنح. الحزب الشيوعي - منذ تأسيسه وحتى لحظة المواجهة الحالية - يبقى الصوت الأكثر صلابة في وجه الفساد، والأقرب إلى نبض العمال، والأقدر على أن يقول ما يخشاه الجميع: إن عراقا بلا عدالة للعمال… هو عراق بلا مستقبل.

*************************************************

الاستيراد الخارجي يهدد لقمة عيش الحرفيين.. مهن تتلاشى وأخرى تقاوم

حوراء فاروق

يشهد العراق منذ سنوات موجة استيراد واسعة للبضائع والمنتجات الجاهزة من مختلف دول العالم، خصوصاً من تركيا وإيران، وهي ظاهرة اتسعت رقعتها بعد عام 2003 مع انفتاح السوق العراقية على التجارة الخارجية دون وجود ضوابط كافية أو حماية للمنتج المحلي. ورغم أن هذا الانفتاح وفر للمستهلكين تنوعا في السلع وانخفاضا في الأسعار، إلا أنه ألقى بظلاله الثقيلة على عمال المهن الحرة، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة غير متكافئة مع المنتجات المستوردة الرخيصة.

صناعة محلية تنهار

قبل عقدين، كانت الأسواق العراقية تعج بالحرفيين وأصحاب الورش الصغيرة: النجارون، الحدادون، الخياطون، الحرفيون في الصناعات الجلدية والنحاسية، وغيرهم من أرباب المهن، الذين ورثوا مهاراتهم عن أجيال سابقة. أما اليوم، فالكثير من هذه الورش أغلقت أبوابها، وأصحابها تحولوا إلى أعمال أخرى أو انضموا إلى صفوف العاطلين عن العمل.

يقول أبو حيدر وهو نجار "كنا نصنع الأبواب والنوافذ بأيدينا، من الخشب العراقي، اليوم الزبون يفضل المنتج التركي الجاهز، سعره أقل وسريع التوريد، الأمر الذي أثر على منتجاتنا المحلية". ويرى أبو حيدر أن السبب لا يقتصر على رخص الأسعار، بل أيضا على غياب الدعم الحكومي، إذ لا توجد ضرائب تفرض على المستوردين ولا إعفاءات تشجع المنتج المحلي، مما يجعل السوق تميل تلقائياً لصالح البضائع القادمة من الخارج.

منافسة غير عادلة

من الناحية الاقتصادية، يعتمد العراق بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاته اليومية. وتشير بيانات وزارة التجارة إلى أن أكثر من 80 بالمائة من السلع المتداولة في السوق العراقية مستوردة. هذه النسبة المرتفعة خلقت منافسة غير عادلة مع المنتج المحلي، خصوصا في ظل ضعف البنية التحتية الصناعية وارتفاع تكاليف الإنتاج داخل البلاد.

الآثار الاجتماعية

إن تأثير الاستيراد لا يتوقف عند الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي أيضا. فإغلاق الورش الصغيرة يعني فقدان مصدر رزق لعدد كبير من العوائل، خاصة في المدن التي كانت تعتمد تاريخياً على المهن الحرة مثل النجف، الكاظمية، الكوفة، والموصل القديمة. ومع تراجع هذه المهن، ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب، وتزايدت الهجرة نحو المدن الكبرى أو خارج البلاد بحثا عن فرص أفضل.

يقول الخياط الشاب علي البياتي "كنت أعمل في ورشة للخياطة منذ عشر سنوات، لكن الزبائن يفضلون الملابس الجاهزة من الأسواق والمولات، أغلبها تركي أو صيني. اليوم أعمل في محل موبايلات لأن الخياطة لا تسد متطلبات عائلتي اليومية".

غياب الحماية الحكومية

يجمع معظم المراقبين على أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب السياسات الحكومية الواضحة لدعم الإنتاج المحلي. فبينما تعمل الدول على فرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع المستوردة لحماية صناعاتها، ما زال العراق يطبق نظاما تجاريا منفتحا بلا ضوابط فعالة.

وتشير تقارير اقتصادية إلى أن الصناعات الصغيرة في العراق تمثل أقل من 5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة متدنية جدا مقارنة بدول الجوار. ويرى الخبراء أن تعزيز هذه الصناعات لا يحتاج بالضرورة إلى ميزانيات ضخمة، بل إلى تشريعات عادلة وتسهيلات ضريبية وقروض ميسّرة للحرفيين.

محاولات خجولة

ورغم الصورة القاتمة، فهناك مبادرات محلية، راحت تحاول إنعاش المهن الحرة عبر دعم الحرفيين وتسويق منتجاتهم إلكترونيًا. لقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة مشاريع شبابية تروّج للمنتجات اليدوية عبر الإنترنت، مثل صناعة الجلود والحلي والأثاث التراثي، مستفيدة من وسائل التواصل الاجتماعي في الوصول إلى جمهور جديد داخل العراق وخارجه.

وبهذا الصدد، تقول فاتن الكعبي، التي تعمل في صناعة الاكسسوارات اليدوية وتروج لها عبر الإنترنت "أردنا أن نعيد الاعتبار للحرف العراقية، مثل صناعة الجلد والنحاس والزجاج اليدوي. نبيع حاليا داخل العراق وخارجه، وهناك إقبال من الجاليات العراقية في أوروبا. المشكلة تبقى في ضعف الدعم الحكومي وقلة التسهيلات".

 بين الانفتاح والفوضى

وأخيراً، لا يعّد الاستيراد الخارجي في حد ذاته مشكلة، بل هو ضرورة في اقتصاد عالمي مترابط، لكن الخطر يكمن في الفوضى التي ترافقه. فغياب الرقابة والدعم للعمال المحليين جعل السوق العراقية رهينة للمنتجات الأجنبية، فيما تلاشت مهارات مهنية عريقة كانت تمثل هوية البلد الاقتصادية والثقافية.

إن حماية عمال المهن الحرة لا تعني إغلاق الأبواب أمام التجارة العالمية، بل تتطلب توازناً مدروساً بين الاستيراد والإنتاج المحلي، وبدون هذا التوازن، سيبقى الحرفيون العراقيون في معركة خاسرة أمام سيل البضائع المستوردة، وستفقد البلاد أحد أهم أعمدتها الإنتاجية والاجتماعية.

*****************************************

الصفحة الثامنة

مساهمة في تقييم تجربة الانتخابات.. عودة أخرى إلى الينابيع

رضا الظاهر

قيل الكثير، وربما سيقال ما هو أكثر، بشأن نتائج انتخابات تشرين الثاني 2025. ففي وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي تمتد أمامنا لوحة واسعة من الآراء والتحليلات والتعليقات. ومن الطبيعي أن تضم هذه اللوحة طيفا متنوعا من المواقف في اتجاهات تمتد من تخطئة مشاركة الحزب الشيوعي والقوى اليسارية والمدنية في الانتخابات اعتمادا على حقيقة كونها غير ديمقراطية وبعيدة عن النزاهة. وتمر هذه الاتجاهات عبر الشماتة بالحزب الشيوعي، بل ومطالبة البعض بحل الحزب نفسه، بزعم أنه "مات سريريا"، أو "عفا عليه الزمن" في أحسن الأحوال. وارتباطا بذلك لا يتوهم منصف أن الحملة المعادية للحزب حملة غير متوقعة، ومن غير المعقول ولا المنطقي الظن بأن خصوم الحزب سيلقون أسلحتهم. وتصل هذه الاتجاهات الى أن هزيمة "ماحقة" حلت بالشيوعيين والمدنيين!

انفتاح على الرأي الآخر

وأيّا كانت طبيعة هذه التباينات في الرأي والتحليل، فان ضرورة التقييم النقدي والموضوعي والجريء لنتائج الانتخابات تستدعي، من بين أمور أخرى كثيرة، عدم إغفال أي من هذه الآراء، حتى تلك التي تنطوي على التشفي والشماتة (مستثنين، بالطبع، تلك المواقف العدائية المسبقة والحاقدة، وبعضها مليء بالشتائم، واللغة الهابطة والنظرة السطحية، وتلك التي تدعو، بأشكال مختلفة، الى إلغاء وجود الحزب الشيوعي).

ومن نافل القول إنه ما من راجح عقل كان يتوهم بأن هذه الانتخابات ستغير الواقع المأساوي القائم بعصا الساحر.

نحن إذن، والحال هذه، بحاجة ماسة الى نقاش واسع، متعدد الأشكال والمستويات، سواء داخل الحزب الشيوعي، أو مع القوى اليسارية، أوالقوى المدنية، ومع الناس بشكل عام، وخصوصا الحريصين والقادرين على تقديم تحليلات عميقة ونقدية بناءة لا غنى عنها في عملية التقييم.

لابد من حوار جاد ومسؤول ومنفتح، بعيدا عن التهيب من الحقائق، والتبريرات، والتخندق، والعقل الجامد. نحن بحاجة الى تحليل ما جرى بطريقة علمية وواقعية، لا تخشى النقد، ولا تستسلم لليأس.

نحن، اليوم، أمام تراجع وانتكاس، وليس من المبالغة القول إننا نواجه هزيمة. ويهدف هذا المقال الى تقديم مداخلة أولية في العودة الى الينابيع لاستلهام دروس الخبرة الثورية كجزء من المساهمة في تقييم نتائج الانتخابات، وتحديد منطلقات ومهمات العمل اللاحق.

وفي عملية التحليل لابد، أولا، من الاعتراف بحقيقة ما جرى من إخفاق، دون خشية من إطلاق سمة "الهزيمة" على ما جرى، ولابد، ثانيا، من تحليل الحقائق بمنهجية علمية وواقعية، والخروج، ثالثا، باستنتاجات نستند إليها في عملنا على أسس سليمة مدروسة.

علينا أن نجيب، من بين أسئلة أخرى، على قضايا عديدة بينها: لماذا شاركنا في انتخابات لم نكن مستعدين لتحقيق فوز فيها حتى ولو بحدود متواضعة؟ ما هي مبررات المشاركة؟ وهل كان ينبغي علينا أن نقاطع؟ وما هي مبررات المقاطعة؟ لماذا عزوف الملايين ومقاطعتهم الانتخابات، وبينهم، يا للغرابة والأسى، شيوعيون، وكذلك يساريون وعلمانيون ومدنيون؟ وما الذي قامت به منظمات الحزب ومرشحوه استعدادا للانتخابات؟ وأية مسؤولية عن النتائج يتحملونها؟ ما هو وضع القوى المدنية وصلاتها بالجماهير؟ وهل بوسعها، والحزب الشيوعي جزء أساسي فاعل فيها، أن تتحول الى معارضة حقيقية فاعلة؟ ؟ ماذا بشان القدرة على تعبئة الناس، وخصوصا الشباب والنساء،  وإمكانية إقناعهم بضرورة ممارسة حقهم الديمقراطي في انتخاب ممثليهم الحقيقيين؟ وما هي سمات الوضع الراهن، والطبيعة الطبقية للسلطة،  والتحولات في البنية الاجتماعية، وتأثير كل ذلك في الوعي السياسي؟ وكيف نفهم دور الثقافة السائدة والمهيمنة، ثقافة التخلف والفساد والمحاصصة والطائفية وشراء الأصوات؟ وما هو الدور الذي لعبه المال السياسي والإنفاق الباذخ على الدعاية الانتخابية – اكثر من 3 مليارات دولار - وامتلاك احزاب سياسية أذرعا مسلحة؟ ماذا عن سماح مفوضية الانتخابات بتوظيف اكثر من مليوني مراقب؟ وماذا بشأن التحالفات الانتخابية والسياسية، وارتباط ذلك بالأهمية الحاسمة للطبيعة الطبقية للحزب الشيوعي واستقلاليته؟ ... وقائمة الأسئلة لا تقتصر على ما ذكرناه، ولا ريب أن المتصدين لهذه المعضلة من الرفاق أو الأصدقاء أو المحللين لديهم أسئلتهم الملحة والهامة، التي ستسهم، بالتأكيد، في إضاءة اللوحة.

وفي هذا السياق يتعين علينا التذكير بالقضايا الأساسية التي تضمنها بيان اللجنة المركزية لحزبنا الصادر في الثالث عشر من تشرين الثاني، والذي جاء فيه إن "هذه هي المرة الأولى منذ عام 2003 التي يقصى فيها الصوت المدني على هذا النحو الواسع من البرلمان في مؤشر خطير على طبيعة البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جرت فيها الانتخابات". وإذ أكد البيان على "إدراك الحزب المقدمات التي سبقت هذا الاستحقاق، وما يكتنف العملية الانتخابية من اختلالات بنيوية، ومع ذلك خضنا المنافسة بهمة عالية وروح مسؤولة". وشخص البيان "أن ما أفرزته العملية الانتخابية كان نتاجا واضحا لهيمنة المال السياسي والسلاح، والمحاصصة، واستغلال النفوذ والسلطة وموارد الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية، وتأجيج النعرات الطائفية والنزعات العشائرية والمناطقية، وهو ما حوَل التنافس الانتخابي الى سباق غير متكافىء، أعيد فيه إنتاج ذات القوى المهيمنة والمصالح الضيقة". ويستخلص البيان "إن ما أفرزته هذه الانتخابات ينذر بمرحلة صعبة من استمرار التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويكرس احتكار السلطة والثروة بيد أقلية متنفذة، وتفشي الفساد في المجتمع ومؤسسات الدولة واستمرار انفلات السلاح". ومن الدلالة البليغة أن يختتم البيان بالقول "إننا سنجري عملية تقييم شاملة للانتخابات ونتائجها بغية الوصول الى استنتاجات مناسبة للعمل على تنفيذها في المستقبل القريب".

إن العودة الى الينابيع الماركسية تستدعي، من بين أمور أخرى، إضاءة عدد من الموضوعات من بينها: ماذا تعني الهزيمة؟ ولماذا شاركنا في الانتخابات؟ ولماذا لم نقاطع، وما هي الدروس المستخلصة من خبرة الحركة الثورية في هذا الميدان؟

لماذا المشاركة؟

ابتداء يتعين القول إنه من الخطأ الاعتقاد بأن البرلمان هو موضع السلطة الرئيسي. فالحراك الجماهيري، على أهمية البرلمان والنضال من داخله، هو أكثر أهمية من النشاط البرلماني.

ومن الخطأ، أيضاً، الاعتقاد بما يروّجه بعض "اليساريين المتثاقفين" من أن المشاركة في الانتخابات ليست سوى تزكية للقوى الحاكمة المتنفذة، وأن الطريق البرلماني الى التغيير هو اعتراف ببقاء سلطة المتنفذين.

من المعروف أن الاشتراكيين الثوريين في ألمانيا شاركوا في مؤسسات رجعية، وكذلك فعل البلاشفة في روسيا، رغم إجحاف قوانين الانتخاب. وشارك الثوريون في القرن العشرين، وفي مختلف أنحاء العالم، في انتخابات يصعب القول إنها نزيهة حقاً. ويشاركون، اليوم، في انتخابات المؤسسات "البرجوازية"، وهم يعرفون، تماماً، أنهم غير قادرين على استبدال تلك المؤسسات في هذه اللعبة الديمقراطية، لأن التوازن السياسي والاجتماعي لا يسمح، ببساطة، بالإخلال المطلوب بهذه الدرجة.

ولو أن الماركسيين يضعون شروط توفر "النزاهة" المطلقة في الانتخابات، ومنح المؤسسات التشريعية "صلاحيات حقيقية"، وعدم استخدام "المال السياسي"، وما الى ذلك من شروط يضعها "مثقفون يساريون" داعون الى المقاطعة، لما شارك أي ماركسي أو اشتراكي ثوري أو مثقف حقيقي في أية انتخابات في ظل دولة "برجوازية".

هل زكّى ثوريو ألمانيا (روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت) البرجوازية وجرائمها وانتهاكاتها، أم أنهم استثمروا مؤسساتها لفضح سياسات البرجوازية، وتمرين الشغيلة على الكفاح، ونشر الوعي السياسي، والتحريض على استثمار السخط والنضال ضد مسببي المعاناة ؟

متى نقاطع ؟

إذا كانت المشاركة هي، بوجه عام، الخيار الصحيح، وقد كان هذا رأي الماركسيين الحقيقيين على الدوام، فهناك ظروف معينة تكون فيها المقاطعة هي الخيار المناسب. فمتى يحدث هذا ؟

ابتداء يتعين القول إن موقف المقاطعة يجب أن يكون الاستثناء وليس القاعدة، وإن الظروف الاستثنائية التي تبرر شن حملة مقاطعة "ايجابية" هي عندما تكون مثل هذه الظروف جزءاً لا يتجزأ من التحضير لـ "انتفاضة ثورية"، وهذا الشرط غير قائم، بالطبع، في واقع بلادنا الراهن، ولا يسمح به التوازن السياسي والاجتماعي الحالي، مع التأكيد في الوقت نفسه على الاستنتاج البالغ الأهمية بأن العوامل التي أدت الى تفجر انتفاضة تشرين الباسلة في 2019 ما تزال قائمة مع تعمق الأزمة البنيوية لمنظومة حكم أقلية المحاصصة والفساد، ومخاطر تدهور الاقتصاد، واحتمالات تطور الأوضاع في ظل متغيرات إقليمية ودولية.

وكان البلاشفة في روسيا القيصرية أول من استخدم الانتخابات البرلمانية بشكل ثوري، حيث كان استقلالهم التنظيمي عن المناشفة يسمح لهم باستخدام البرلمان كمنبر للدعاية والتحريض.

ومعلوم أنه في أيلول 1905 دعا لينين الى مقاطعة مجلس الدوما (الذي دعا اليه القيصر لاحتواء الحركة الثورية، وكان ذلك مجرد مجلس شورى يستطيع القيصر حله في أي وقت) كجزء من الإعداد لانتفاضة مسلحة، وأقر البلاشفة اقتراحه. وبعد هزيمة التمرد في كانون الأول 1905 واصل البلاشفة دعم المقاطعة في انتظار تجدد الانتفاضة. لكن عندما تبين أن الانتفاضة المسلحة أصبحت غير ممكنة غيّر لينين موقفه في آب 1906، وأيد المشاركة في البرلمان، وخاض نضالاً مريراً من أجل ذلك، حتى وصل به الأمر الى التصويت، في مؤتمر للحزب عام 1907، مع المناشفة وضد بعض البلاشفة. واستنتج لينين: "مقاطعة نشطة .. تكون هي التاكتيك الصحيح في ظل طفرة واسعة وعالمية سريعة للثورة، آخذة في التطور الى انتفاضة مسلحة، وفي ظل غياب هذه الشروط تدعو التاكتيكات الصحيحة الى المشاركة في الانتخابات".

فأين تكمن صحة شعار المقاطعة عام 1905 وخطأه عام 1906؟ ولماذا صوت لينين مع المشاركة وبالضد من بعض البلاشفة عام 1907 ؟ الجواب لا علاقة له بعبقرية لينين أو عصمة البلاشفة، بل بالظروف الموضوعية التي رفع فيها شعار المقاطعة، والظروف الأخرى المختلفة التي جرى فيها التخلي عن شعار المقاطعة.

من ناحية أخرى  يجب الاعتراف بأنه مازالت هناك ثقافة سياسية سائدة لدى بعض "المثقفين" ممن يرون في كل أشكال العمل السياسي الشرعي مجرد مهادنة للنظام وإقرار بشرعيته.

ومن بليغ الدلالة أن نستذكر، هنا، ما قاله لينين في كتابه (مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية) من أن "ما هو أصعب بكثير (من أن يكون المرء ثورياً عند اندلاع الثورة) وما له قيمة أكبر كثيراً، هو أن يكون المرء ثورياًعندما لا يتيح الوضع بعد نضالاً مباشراً ومكشوفاً وجماهيرياً حقاً وثورياً حقاً، وأن يستطيع الذود عن مصالح الثورة، بالدعاية وبالتحريض وبالتنظيم، وذلك في مؤسسات غير ثورية، بل وحتى رجعية بجلاء، في ظروف غير ثورية، وبين جماهير قاصرة عن أن تفهم في الحال ضرورة وجود منهج ثوري في النضال".

وتبقى المسألة الحاسمة، في هذا السياق، ليس العودة الى التراث الثوري والتجربة التاريخية حسب، وانما التقييم الواقعي للوضع الطبقي وميزان القوى الاجتماعي والسياسي، ووضع وتطبيق البرامج الفعالة في ضوء ذلك.

ومن المفيد، هنا، أن نشير الى ما كتبه انجلز في مقدمته لكتاب ماركس (الصراع الطبقي في فرنسا) عام 1895، اذ أكد أنه "اذا كانت المزايا الوحيدة للانتخابات الحرة هي أنها تسمح لنا بمعرفة أصواتنا وزيادتها، وتعزز ثقة العمال، وتتحول الى أفضل وسيلة للدعاية، وتحدد مستوى تحركنا لتلافي التأخر أو التسرع غير المناسبين، إذا كانت هذه هي مزية الانتخابات فانها "كافية"، لكنها فعلت أكثر من ذلك بكثير. ففي الدعاية الانتخابية تتاح لنا فرصة فريدة للتواصل مع الجماهير في المناطق التي مازلنا بعيدين عنها، وفي اضطرار الأحزاب الأخرى للدفاع عن مواقفها في مواجهة هجومنا أمام الجماهير".

دروس من رسائل ماركس إلى كوغلمان

لدينا اليوم، كما في كل حين، "أساتذة ماركسيون" يعتبرون مقاييسهم هي الأفضل، بل إنها، وحدها، الكمال بعينه، لاغين كل ما ومن يختلف معهم.

وعلى الرغم من أن كل رسائل ماركس الى لودفيغ كوغلمان (وهو ناشط سياسي الماني كان صديقا مقربا له) تتسم بأهمية بالغة لفهم الماركسية على نحو أعمق، فإننا سنركز على بعض ما يسميه لينين "سياسة ماركس الثورية"، كما ورد في المقدمة الغنية التي كتبها لينين للترجمة الروسية للرسائل.

من المعلوم أن ماركس كان قد أبدى حكماً قاطعاً حول ثورة 1848 الألمانية، ثم استنكر، بنفسه، عام 1850، أوهامه التي أبداها عام 1848 حول حدوث ثورة اشتراكية وشيكة. وفي عام 1866 حين أخذ يلاحظ تنامي أزمات سياسية جديدة كتب يقول في رسالة مؤرخة في 6 نيسان من ذلك العام: "هل يدرك أصحابنا التافهون، ضيقو الأفق (المقصود بهم البرجوازيون الليبراليون الألمان) أخيراً أن الأمر سيصل بنا، في آخر المطاف، الى حرب جديدة كحرب الثلاثين سنة، إذا لم تنشب ثورة تطيح بآل هابسبورغ وآل هوهنزوللرن ..."

وبعد ثلاث سنوات (أنظروا الى رسالة ماركس الى كوغلمان بتاريخ 3 آذار 1869) تحدث ماركس بحماسة حقيقية عن أن "الباريسيين أخذوا، حقاً وصدقاً، يدرسون ماضيهم الثوري القريب العهد استعداداً للنضال الثوري الجديد الذي يقترب". وبعد أن وصف ماركس النضال الطبقي، كما يبينه هذا التحليل للماضي، استنتج قائلاً: "هكذا تغلي قِدر التاريخ الساحر، فمتى نبلغ الحال عندنا (في ألمانيا)".

وهذا، كما يؤكد لينين في المقدمة، "ما ينبغي أن يتعلمه من ماركس أولئك الماركسيون المثقفون الروس، الذين أوهنهم الارتياب، وصيّرهم الادعاء بالعلم والمعرفة بلداء بلهاء، والذين يميلون الى خطب الندامة، ويتعبون من الثورة ويحلمون بجنازتها، كما يحلمون بعيد من الأعياد، مستعيضين عنها بنثر دستوري. ينبغي عليهم أن يتعلموا من نظري البروليتاريا وزعيمها الإيمان بالثورة، والطريقة التي ينبغي بها دعوة الطبقة العاملة الى الدفاع حتى النهاية عن مهماتها الثورية المباشرة، والصلابة الروحية التي لا ترضى بنحيب الوجل عندما تمنى الثورة بهزائم مؤقتة".

ما من منصف لا يقدر موقف ماركس المدهش من كومونة باريس وتقييمه اللاحق لها، ونتذكر قولة ماركس الشهيرة: "أية مرونة، أية مبادرة تاريخية، أية مقدرة على التضحية عند هؤلاء الباريسيين ... إن التاريخ لم يعرف، حتى الآن، مثالاً على بطولة كهذه ...".

من المعروف أن ماركس حذر، في رسالة شهيرة وجهها باسم الأممية، في أيلول 1870، أي قبل حوالي 6 أشهر من قيام كومونة باريس، العمال الفرنسيين صراحة وبوضوح قائلاً "إن الانتفاضة ستكون ضرباً من الجنون".

ولكن ماذا كان موقف ماركس عندما بدأ هذا المسعى اليائس، كما قال في رسالته في أيلول 1870، يتحقق في آذار 1871؟ هل استغل المناسبة، كما فعل "ماركسيون آخرون" اتخذوا موقف المثقفين النادمين في أحداث كانون الأول 1905 في روسيا، لمجرد إذلال خصومه البرودونيين والبلانكيين الذين قادوا الكومونة ؟ وهل بات أسير الجزع والتذمر والتشوش، ليوجه، كما فعل بعض "ماركسيي" روسيا مع مكافحي كانون الأول 1905، تلك التوصية التي تشبه توصية تافه ضيق الأفق، راضٍ عن نفسه: "لم يكن ينبغي حمل السلاح" ؟

كلا، ففي نيسان 1871 كتب ماركس الى كوغلمان رسالة زاخرة بالحماسة، "رسالة نكون سعداء لو علقناها في بيت كل اشتراكي ديمقراطي روسي، في بيت كل عامل روسي يعرف القراءة"، حسب تعبير لينين.

إننا لنرى، هنا، أعمق المفكرين، وقد تنبأ بالفشل قبل ستة أشهر، ينحني أمام مبادرة الجماهير التاريخية، بينما نرى في المقابل تصريح "ثوري" متحذلق يزعم أنه "لم يكن ينبغي حمل السلاح !".

وبوصفه مشاركاً في نضال الجماهير، ومتتبعاً لمراحله بكل الحمية والحماسة اللتين اتصف بهما، أخذ ماركس ينتقد من منفاه في لندن، الأعمال المباشرة التي يقوم بها الباريسيون "الجريئون حتى الجنون"، "المستعدون لاقتحام السماء".

وكتب ماركس في رسالته الى كوغلمان في 12 نيسان 1871 إنه "مهما يكن من أمر، فان الانتفاضة الباريسية، حتى ولو قضى عليها ذئاب المجتمع القديم وخنازيره وكلابه السافلة، هي أمجد مأثرة قام بها حزبنا منذ انتفاضة حزيران".

ومن المحتمل أن يكون كوغلمان قد أعرب في جوابه الى ماركس عن بعض الشكوك، مشيراً الى أن القضية يائسة، والى ضرورة التمسك بالواقعية لا بالرومانتيكية، مقللاً من شأن ودلالات وتأثيرات الانتفاضة الباريسية.

وسرعان ما وجه ماركس (في 17 نيسان 1871) تأنيباً قاسياً الى كوغلمان قال فيه: "قد يكون من السهل جداً صنع تاريخ العالم لو كان النضال لا يقوم إلا ضمن ظروف تؤدي حتماً الى النجاح".

عرف ماركس أن يرى أنه لابد من كفاح ضارٍ تخوضه الجماهير في بعض فترات التاريخ حتى في سبيل قضية يائسة، وذلك من أجل تثقيف الجماهير نفسها في ما بعد، ومن أجل إعدادها لجولات الكفاح اللاحقة.

وقيم ماركس هذه التجربة الفريدة على نحو في غاية الدقة والواقعية والأمل بالمستقبل، دون أن ينسى أبداً أنه، هو نفسه، أقر، في أيلول 1870، أن الانتفاضة ستكون "ضرباً من الجنون". فقد كتب في رسالته الى كوغلمان في 17  نيسان 1871 يقول "إن الأوباش البرجوازيين الفرساليين (قوة قصر فرساي) وضعوا الباريسيين أمام أمرين لا ثالث لهما: إما قبول التحدي للمعركة، وإما الاستسلام دون معركة. ولو تمت الحالة الأخيرة لكان تفسخ معنويات الطبقة العاملة كارثة أعظم بكثير من خسارة أي عدد كان من الزعماء".

*      *      *

قال صديق لي: هنيئا للشيوعيين "حدائق الهزيمة" .. وهنيئا لخصومهم "مستنقعات الفوز بسلطة غاشمة"!

قلت: إذا كنا اليوم قلّة فلن يكون هذا الواقع مؤبَّداً .. وذكّرت بنيرودا الذي قال: لو أنهم اقتلعوا كل الأزهار، فانهم لن يستطيعوا أن يمنعوا حلول الربيع" ..

*********************************************

الصفحة التاسعة

فخري كريم.. سيرة نضال وتنوير

جاسم الحلفي

يُعدّ الرفيق فخري كريم (أبو نبيل) من أبرز الشخصيات السياسية اليسارية والثقافية التقدمية البارزة في تاريخ العراق المعاصر، ومن الوجوه الأساسية في مسيرة الحزب الشيوعي العراقي. جمع في تجربته بين العمل السياسي والفكري والإعلامي، وكرّس حياته في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، سواء من خلال نضاله في الوطن ضد الدكتاتورية، أو عبر نشاطه في المنفى والمنابر الدولية دفاعاً عن قضية العراق وشعبه. منذ أن خطّ أولى خطواته السياسية في سن السادسة عشرة، وحتى اليوم، بقي صوته حاضراً في كلّ لحظة مفصلية من تاريخ العراق المعاصر، مدافعاً عن حلم لم يتزحزح: عراق ديمقراطي، متحرّر من الاستبداد والتبعية، يتّسع لجميع المواطنين بعدل وكرامة.

  عرفه الفكر والثقافة والكتابة، كما عرفته ميادين السياسة والحركة الثقافية والمفاوضات الصعبة. وكان من أشدّ المدافعين عن استقلال القرار الوطني، والمبادرين في بناء جسور الحوار بين الفرقاء السياسيين، دون أن يتخلّى عن بوصلته الفكرية والطبقية.

 كمثقف منخرط في الهمّ العام، لعب دوراً محورياً في تشكيل الوعي النقدي ما بعد 2003، وساهم في بلورة خطاب مدني ديمقراطي يسعى إلى تجاوز الطائفية والمحاصصة نحو دولة المواطنة والمؤسسات.

النشأة والبدايات السياسية

وُلد الرفيق فخري كريم (أبو نبيل) في بغداد عام 1942ونشأ في قضاء الحبانية بمحافظة الأنبار وسط أسرة كادحة.

تُعَدُّ الحبانية فسيفاء اجتماعيَّةً فريدةً، اجتمعت فيها أعراقٌ متنوّعةٌ ومتعايشةٌ بسلام، وجمعت شرائحَ تبحث عن لقمة عيش كريمة في زمنٍ مضطرب.

انخرط في النشاط السياسي في عمر السادسة عشرة، ونشط بشكل لافت بعد ثورة 14 تموز 1958 متأثراً بمناخ النهوض اليساري الذي اجتاح العراق. التحق بالحزب الشيوعي العراقي مبكراً، وتميز بين رفاقه بشغفه الفكري ومواقف عملية رصينة، يجمع بين سرعة البديهة وقوة الاقناع والنزاهة الشخصية مع الصلابة التنظيمية. مع الاعتماد على نفسه معيشياً ومنذ فتوته، تنقل بين مهنٍ صغيرةٍ – من البيع والشراء إلى أعمالٍ متنوعةٍ – ليسهم في إعالة عائلته ويبلور في نفسه إحساساً مبكراً بالمسؤولية والاعتماد على الذات.

صقلته تجارب تنظيم العمل الحزبي وحلقات التثقيف اليساري، ووسّعت آفاقه التحليلية. امتاز بالوضوح والصراحة والروح النقدية، فكان صوتاً شجاعاً في الدفاع عن الفقراء والحريات وحق العراقيين في وطنٍ عادلٍ لا يحكمه الطغيان ولا تقسمه الطائفية.

تاريخ حزبي حافل من أجل الكرامة

منذ انخراطه المبكر في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، انكبّ فخري كريم على العمل السياسي والتنظيمي بإخلاص نادر، متنقلاً بين ساحات النضال الشبابي والنشاط الثقافي، والهم النقابي، والعمل الصحفي. وسرعان ما أصبح من الكوادر الفاعلة في تنظيمات الحزب ببغداد، قبل أن يتوسّع دوره ليشمل مواقع قيادية على المستويين العربي والدولي.

 تعرض خلال ستينيات القرن العشرين للملاحقة والاعتقال بسبب مواقفه المناهضة للسلطة، ومشاركته في قيادة الحراك المعارض. وتميّز بخطه النقدي داخل الحزب، مدافعاً عن نهج معارض للسلطة لا يهادن ولا يساوم، لم ينكفئ أمام القمع، بل واجهه بصلابة سياسية وثقافية عززت حضوره بين المناضلين والمثقفين.

 برز دوره في تلك المرحلة في رسم سياسات الحزب الإعلامية والثقافية، وأسهم في ترسيخ مواقفه الوطنية، خصوصاً فيما يتعلق بالتحالفات، وانقلاب 8 شباط الدموي، والنهج القومي الإقصائي الذي تبنّاه النظام الدكتاتوري.

في المؤتمر الثالث للحزب عام 1976، انتُخب مرشحاً لعضوية اللجنة المركزية، ثم أصبح عضواً كاملاً في المؤتمر الرابع العام 1985، وانتُخب لاحقاً عضواً في المكتب السياسي، حيث تولّى مسؤوليات أساسية، من بينها العلاقات الوطنية والخارجية، وتنظيم العمل النقابي على صعيد الحراك الثقافي والإعلامي، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الانضباط الحزبي وتحديث أدوات النضال، في ظل تصاعد القمع البعثي وتضييق العمل السياسي.

في عام 1979، وبعد الهجمة الفاشية التي شنّها النظام على الحزب، كُلّف بتمثيل الحزب خارج العراق وبشكل خاص في لبنان وسوريا. وهناك، اضطلع بدور استثنائي في إعادة تنظيم صفوف الرفاق الذين اضطرتهم الملاحقات الأمنية إلى مغادرة العراق بوسائل شاقة وخطرة. أشرف على إعادة هيكلة العمل الحزبي، وتنظيم خطوط الاتصال، وتأمين الإيواء، كما ساهم في صياغة وجهة جديدة للملمة صفوف الحزب، بعد الضربة القاسية التي تلقاها من النظام الدكتاتوري.

كان له دور حاسم في الحفاظ على استقلالية القرار الحزبي في فترات بالغة الحساسية، خصوصاً خلال تجربة "الجبهة الوطنية" وما تلاها، حين رفض التنازل عن المشروع التحرري لليسار مقابل تحالفات شكلية أو مصالح آنية.

 في ثمانينيات القرن الماضي، كان من أوائل الرافضين للحرب العراقية–الإيرانية، معتبراً إياها حرباً عبثية لا مصلحة وطنية فيها. فضح الخطابات الزائفة التي روّجت للحرب تحت شعار "الدفاع عن الوطن"، وكشف زيف المشروع البعثي الذي استغل هذا الشعار لتبرير الاستبداد والتدمير، محذراً من انزلاق بعض اليساريين خلف هذا الخطاب.

 رفض أيضاً انخراط الحزب في مؤتمرات المعارضة التي رعَتها الولايات المتحدة، مثل مؤتمري لندن وصلاح الدين، معتبراً إياها أدوات لإعادة تشكيل المشهد السياسي على أسس طائفية وعرقية. وكان من بين القياديين الذين طالبوا الحزب بالانسحاب من المؤتمر الوطني العراقي، وقد دافع بشدة عن استقلالية القرار الوطني، ورفض الزج بالحزب في معادلات الخارج، مؤمناً أن التغيير الجذري يجب أن يُصنع من داخل المجتمع العراقي، لا في غرف الفنادق وبرامج العواصم.

وفي المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي عام 1993، كان لفخري كريم دور محوري في الدعوة إلى تجديد الحزب فكرياً وسياسياً وتنظيمياً. ورغم مناشدات واسعة من الرفاق، لم يرشّح نفسه لقيادة الحزب، متمسكاً بقناعته بضرورة التغيير في هيكل القيادة. وأكد حينها أنه سيواصل نشاطه كـشيوعي ليس بالضرورة من موقعه كقيادي، مبدياً استعداده لدعم الحزب سياسياً وفكرياً وفي ميدان العلاقات الذي يبرع فيه، وبادر في تقديم المشورة وإبداء الرأي وفي كل ما طلب منه، من موقعه كشيوعي حامل رسالة التغيير والتنوير.

تميّزت مساهماته السياسية بوضوح الموقف، والقدرة على الربط بين النضال اليومي والرؤية الاستراتيجية للصراع الاجتماعي–السياسي. ظلّ منحازاً إلى الفقراء والكادحين، لا تغريه المواقع، ولا تُربكه التحولات، واضعاً في جوهر مشروعه السياسي، فكرة العدالة الاجتماعية لا كشعار فقط، بل كمرتكز نضالي لا يُساوَم عليه.

نصيرا في الجبال.. قلم وبندقية

التحق فخري كريم بصفوف قوات الأنصار في كردستان، حيث كان جزءاً من القيادة السياسية، وتولّى مسؤولية الإشراف على إعلام الحزب المركزي، بما في ذلك إذاعة صوت الشعب العراقي والجريدة المركزية. عمل على تطوير الخطاب الإعلامي للحزب، وجعل من الإذاعة صوتاً مقاوِماً يخاطب الداخل، ومن الجريدة أداةً للتثقيف والنقاش السياسي والفكري بين المناضلين.

جمع في تلك المرحلة بين العمل المسلّح والإعلام الحزبي، وأسهم في صياغة التوجهات السياسية للأنصار، رابطاً بين الميدان والقيادة، وبين الكلمة والبندقية في مشروع تحرري واحد.

النهج: مشروع فكري في مواجهة الانغلاق العقائدي

 في النصف الاول من السبعينيات، بعد إعلان (الجبهة الوطنية) وتحول الحزب إلى النشاط العلني طرح فكرة إصدار مجلة فكرية - نقدية، للأحزاب الشيوعية والعمالية في البلدان العربية مستقلة تُعنى بإعادة قراءة الفكر الاشتراكي وتجديده بعيدا عن الصنمية والتقديس والجمود العقائدي والانغلاق الحزبي. لكن مشروعه لم يلق القبول من قبل قيادة الحزب وقد طرح فكرة "النهج" أول مرة وهو لا يزال في بغداد، بوصفها منصة فكرية تبحث في أزمة الاشتراكية وموقع اليسار في عالم متغيّر، وتستعيد مركزية الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخطاب التقدمي.

 لكن تصاعد القمع الدموي ضد الشيوعيين، وحملة الإعدامات والاعتقالات التي ضربت الحزب في الوطن، دفعت المشروع إلى التجميد المؤقت. وبعد اضطرار فخري كريم إلى مغادرة العراق، والتنقّل بين بيوت الأمان ثم الاستقرار في سوريا، أعاد إحياء الفكرة من المنفى. ففي دمشق، برزت الحاجة إلى منبر فكري نقدي يعبّر عن صوت يساري جديد، يفتح النقاش حول التجربة، ويؤسس لمسار مختلف. وهكذا صدرت مجلة "النهج"، لتصبح واحدة من أبرز المنابر الفكرية العربية في عقد الثمانينيات، بمقارباتها الجذرية، وانفتاحها على تيارات فكرية وفلسفية متعددة، من دون أن تتخلى عن انحيازها الطبقي والاجتماعي.

 لم تكن "النهج" مجرد مجلة حزبية أو نظرية، بل كانت مختبراً فكرياً لتحولات اليسار في البلدان العربية، ومنصة لتفكيك الاستبداد، وكشف مأزق السلطويات "التقدمية"، واستعادة دور الثقافة والفكر كسلطة مضادة.

وقد تولّى فخري كريم إدارتها التحريرية والفكرية، وأسهم من خلالها في بناء شبكة من الحوارات بين المثقفين العرب والمنفيين والناشطين، وجعل من المنفى منصة لفكرٍ لا يهادن، ولا يكتفي بالتشخيص، بل يسعى إلى تأسيس أفق تغييري جديد، يمهّد لاحقاً لما صار يُعرف بمشروع "المدى".

المنفى وبناء مشروع "المدى": من الحلم الثقافي إلى الفضاء العام

في أعقاب صدور مجلة "النهج" ونجاح المشروع التنويري، توسع أفق مشروعه، منتقلاً من فكرة المجلة الفكرية إلى مؤسسة ثقافية متكاملة تجمع بين الإعلام والنشر والعمل المدني. هكذا وُلدت نواة مشروع "المدى"، بوصفه امتداداً عضوياً لتجربة "النهج"، ولكن بأدوات أوسع وأفق أكثر اتساعاً.

 لم تكن "المدى" مجرد دار نشر أو مؤسسة ثقافية، بل رؤية ثقافية متكاملة، انطلقت من قناعة راسخة بأن الديمقراطية لا تُبنى من السياسة وحدها، بل من الثقافة والوعي، وبأن مواجهة الطائفية والاستبداد لا تتم إلا عبر إشاعة قيم العقل والنقد والتنوير. وقد تبنّت "المدى" هذا المسار، من خلال نشر مئات الكتب في الفكر والفلسفة والتاريخ والرواية والعلوم الإنسانية،

  بعد سقوط الديكتاتورية عام 2003، عاد فخري كريم إلى العراق حاملاً مشروع "المدى"، لا باعتباره مشروعا تجارياً، بل منبراً لثقافة البديل، واتجاها ديمقراطيا – اجتماعيا في الحركة الثقافية، وفضاء تنويريا، وفكرا تجديديا، ومؤسسة مستقلة للوعي والديمقراطية. أسّس مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، وأصدر في حينها جريدة المدى التي حظيت بأوسع ما تحظى به صحيفة محلية وعربية من اهتمام عالمي، إعلامي وسياسي منذ انطلاقتها، ومن اللافت أن صحيفة المدى دشنت أعدادها الأولى بنشر فضيحة (كوبونات النفط)  التي أحدثت صدمة في وعي الرأي العام العالمي، تولت الأمم المتحدة متابعتها بتشكيل لجنة تحقيق دولية، انكشفت من خلال ملاحظاتها خيوط الفساد الدولي، وتورط آلاف الشركات والأحزاب والمسؤولين الكبار في العالم، وواصلت المدى نشر ملفات فساد عدة للتصدي لهذه الآفة وغيرها من مظاهر الفساد الإداري والمالي والتعديات على المواطنين.

وأطلق من خلال المؤسسة سلسلة معارض للكتاب، وملتقيات فكرية سنوية، ومبادرات مدنية للحوار، أبرزها معارض الكتاب في أربيل والسليمانية وبغداد والبصرة، الذي جمع مفكرين وكتاباً من العراق والمنطقة والعالم في نقاشات حول الحداثة، والتعددية، والدولة المدنية، وسلسة مكتبات المدى في بغداد والمحافظات.

وفي بغداد، أطلقت (المدى) سلسلة نشاطات لإعادة الحياة للثقافة المقموعة والمنفية، وتحويلها إلى أدوات للنهوض بالعراق الجديد، اتخذت الفعاليات طابع تحدٍ للإرهاب وكسر لسطوته، وجذب أوساط أوسع للنشاط الثقافي والفني، وينفرد هذا النشاط باهتمامه بالإبداع والمبدعين وتكريمهم والاحتفاء بهم.

كما أسس مشروع الكتاب المجاني - مشروع كتاب مع جريدة حيث أطلقت الدار في سنواتها الأولى العديد من المبادرات لتفعيل الحياة الثقافية، والارتقاء بها وبدور المثقفين والمبدعين والعمل على اعتماد صيغ جديدة لتوسيع دائرة القراءة وتوزيع الكتاب. وفي هذا السياق، بادرت (المدى) لنشر كتاب تنويري يوزع مجانا شهريا مع صحف عربية عدة تحت شعار (كتاب مع جريدة) ومن بين الصحف العربية التي شاركت في المشروع:

• الحياة السعودية

• القبس الكويتية

• السفير اللبنانية

• الاتحاد الإماراتية

• الثورة السورية

• الايام البحرينية

• القاهرة المصرية

• جريدة المدى العراقية

• الاتحاد العراقية

لم يتوقف المشروع عند النشر والصحافة، بل تطوّر إلى بنية مؤسسية مستقلة، حافظت على استقلاليتها رغم كل التحديات. وقد واجه مشروع "المدى" ضغوطات كثيرة، لكنه ظل، بفضل الرؤية التي قادها فخري كريم، فضاءً حراً، يحافظ على شروط المهنية والتنوير في بلد تتهدّده قوى الظلام والفساد والمحاصصة.

داعم فاعل للحراك المدني

شكّل فخري كريم أحد أبرز الأصوات الداعمة للحراك المدني في العراق، منذ انطلاقة الاحتجاجات الأولى عام 2011، حيث سخّر منابر "المدى" لتغطية أصوات المتظاهرين، وفضح القمع، وتوثيق المطالب الشعبية. لم يتعامل مع الاحتجاج كحدث عابر، بل كتحوّل اجتماعي عميق، ورأى فيه تعبيراً صادقاً عن وعي جديد يتكوّن خارج الأطر التقليدية.

 لعبت "المدى"، بإشرافه، دوراً فاعلاً في إطلاق حملات ضد الظلامية والانغلاق والتطرف، أبرزها حملة "بغداد لن تكون قندهار"، التي رفعت صوت المدينة في وجه محاولات فرض النمط المتشدد على فضائها العام. وفي السياق ذاته، عمل على إعادة الاعتبار للنخب الثقافية والفكرية، من خلال دعم الملتقيات والحوارات الفكرية ومعارض الكتاب، بوصفها أدوات أساسية لمقاومة الرداءة والتجهيل الممنهج.

آمن فخري كريم بالحركات الاجتماعية بوصفها طاقة التغيير الأكثر حيوية، ورفض خطاب "اليأس المبرمج" الذي تسوّقه المنظومة الحاكمة لترسيخ الأمر الواقع. وكان يؤكد أن التغيير ليس مستحيلاً، بل يتطلّب وعياً ناضجاً، وإرادة جماعية، وتراكماً نضالياً طويل النفس.

 في انتفاضة تشرين 2019، كان من أوائل الداعمين لها، وواكبها عبر إصدار ملحق يومي لجريدة "المدى" حمل عنوان "الاحتجاج"، كرّسه بالكامل لتوثيق الحركة، وأصوات ساحاتها، وشهدائها، ومطالبها.

كما ساهم في تأسيس ودعم مبادرات مدنية وثقافية فاعلة، من بينها الجمعية الثقافية التي تعنى بتنمية الثقافة ودعم المثقفين، إلى جانب جمعية الناشرين والكتبيين في العراق، إيماناً منه بأن النضال المدني لا ينفصل عن مشروع التنوير الشامل، وأن بناء وعي جديد هو شرط كل تغيير حقيقي.

كذلك مبادرة صندوق التنمية الثقافية التي رعت مئات المثقفين وخصصت لهم رواتب شهرية مجزية لإدامة مشاريعهم واستمرار عطاءهم في المجال الثقافي والإبداعي.

والى جانب هذا الصندوق تدعم المؤسسة الفرق المسرحية والطاقات الفنية الشابة، عبر تبنيها أعمالهم، وتضمينها في المهرجانات السنوية التي تقيمها المؤسسة، أو من خلال إقامة نشاطات خاصة بها، وقد تبنت المؤسسة عناصر شابة متميزة ومواهب واعدة في الموسيقى، والفن التشكيلي والنحت، حيث تتكفل برعايتهم مادياً ومعنوياً حتى مرحلة إنهاء الدراسة الجامعية.

في التأليف والكتابة: فكرٌ منحاز للحرية والعدالة

لم يكن فخري كريم مجرّد ناشر أو ناقل لأفكار الآخرين، بل كان كاتباً ملتزماً وصاحب مشروع ثقافي - سياسي منحاز للحرية والعدالة الاجتماعية. كتب مئات المقالات في الفكر السياسي والثقافي، تناولت تحوّلات العراق، ونقدت الاستبداد والطائفية، وسلطت الضوء على شخصيات ديمقراطية ويسارية كان لها أثر في مسار التنوير والتحرّر.

أدار تحرير صحيفة "طريق الشعب" في لحظات مفصلية من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، وأسهم في بلورة خطابها التحريري والنقدي، بوصفها منبراً سياسياً وثقافياً في آنٍ معاً.

من أبرز مساهماته الفكرية، في مطلع شبابه، كتابته لمقدمة الطبعة العربية لكتاب (تحت أعواد المشانق) للمناضل "يوليوس فوتشيك"، حيث قدّم قراءة مؤثرة في معنى الصمود في زنازين الفاشية، وبسالة المناضل وعدم الرضوخ الشهادة والموقف الثوري.

كرّس فخري كريم جانباً مهماً من جهده الفكري للكتابة والتأليف، بوصفها امتداداً لمشروعه السياسي والثقافي. فإلى جانب مقالاته الافتتاحية ومداخلاته الفكرية، أصدر مجموعة من الكتب التحليلية والنقدية تناول فيها قضايا العراق والمنطقة من زوايا سياسية واجتماعية وثقافية، منتصراً لقيم الديمقراطية والمواطنة، ومتفككاً لبُنى الاستبداد والطائفية والفساد.

من أبرز كتبه:

• ملامح زمن

• دولة اللادولة

• ثلاثية الفساد، الإرهاب، الطائفية

• لكي لا أستقيل من هذا الوطن

• من دولة الاستبداد إلى استبداد الدولة

• الإخوان: الحقيقة والقناع

• تقاسيم على وتر الديمقراطية

تشكل هذه الكتب مراجع مهمة لفهم أزمة الدولة والهوية والعدالة في العراق، وتُجسّد رؤية مفكر يساري ديمقراطي لم يهادن في الموقف، ولا ساوم في المبادئ.

بعد 2003 مستشار سياسي وناشر عقلاني في زمن التمزق

 بعد سقوط النظام الديكتاتوري في 2003، لم يسعَ فخري كريم إلى موقع سلطوي، بل اختار أن يكون فاعلاً ثقافيا ومنتجاً للفكر المعاصر داخل المشهد الجديد. عُيّن كبير مستشاري رئيس الجمهورية، لم يأخذ راتباً مقابل الخدمة التي قدمها، بل استمر كما أسس لحياته معتمدا على نفسه، عصامياً، كريماً معطاءً فشكّل من موقعه هذا جسراً للحوار بين القوى السياسية، وساهم في تقديم مقترحات لتجاوز الأزمات، بما يمتلكه من خبرة سياسية، وعمق فكري، وعلاقات واسعة.

محاولات الاغتيال بين استهداف الجسد وقتل الرسالة

لم تكن سيرة فخري كريم خالية من المخاطر، فقد تعرّض خلال مسيرته النضالية والفكرية إلى سلسلة من محاولات الاغتيال، الجسدية والمعنوية، استهدفت وجوده ومشروعه، لكنها لم تنل من قناعاته ولا من التزامه العميق بقضايا الحرية والعدالة والديمقراطية.

في عام 1969، وأثناء عودته سرّاً إلى العراق قادمًا من الخارج، تعرّضت السيارة التي كانت تقله إلى قصف جوي مباشر، نجا منه بأعجوبة، في واحدة من أوائل المحاولات لاغتياله على الأرض العراقية.

وفي الثامن والعشرين من تموز عام 1982، وبينما كان في بيروت، تعرّض لمحاولة اغتيال غادرة عند الساعة الواحدة ظهراً، حين أطلقت عناصر مرتبطة بأجهزة النظام البعثي النار عليه داخل سيارته. نجا من الموت، لكن مرافقه الشخصي الشهيد (أبو جنان) سقط في تلك المحاولة، فيما أُصيب أحد أصدقائه بجروح بليغة.

وبعد عودته إلى العراق عام 2003، والشروع في إصدار جريدة المدى وإطلاق مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، تعرّض لأكثر من محاولة اغتيال نجا منها، منها على طريق الحلة بغداد، حيث أمطر الإرهابيون سيارته برشقات من الرصاص.

وفي حادثة لافتة، تعرّض مكتبه في بغداد إلى قصف صاروخي، أُصيب فيه مدير إدارة جريدة المدى بجروح، وتم القصف في نفس اليوم والساعة من محاولة اغتياله في بيروت، في الثامن والعشرين من تموز، الساعة الواحدة ظهرًا، في تكرار غريب لزمن الاستهداف وذاكرته.

 أما أخر المحاولات، فكانت في الثاني والعشرين من شباط عام 2024، بعد خروجه من معرض العراق الدولي للكتاب، حيث تعرّض لكمين مسلح في منطقة القادسية غرب بغداد، أثناء عودته إلى منزله برفقة زوجته الدكتورة غادة العاملي. أمطرته سيارة كامنة بوابل من الرصاص، لكنه نجا بأعجوبة.

ولم تقتصر محاولات الاغتيال على السلاح والرصاص، بل امتدّت إلى محاولات الاغتيال المعنوي من خلال حملات التشويه والتحريض الإعلامي، التي استهدفته بسبب مواقفه المستقلة، ونجاحه في بناء منابر إعلامية وثقافية حرّة، وتصديه للخراب السياسي والفكري، ووقوفه بوجه قوى الطغيان والاستبداد.

فخري كريم لم يكن يوماً متفرجاً أو محايداً، بل كان في جوهر المعركة ضد الدكتاتورية والتسلط والتفرد بالسلطة، وضد الظلامية والتخلف والعنف السياسي. خاض معركة متواصلة من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وحرية الفكر، والثقافة التقدمية. ومن هذا الموقع الصريح، لم يكن مستغرباً أن يتحوّل إلى هدف دائم للأنظمة القمعية والمليشيات الطائفية وأدوات التضليل.

لكن كل تلك المحاولات، بدل أن تردعه، زادته تمسكاً بمشروعه التحرري، وإيماناً بأن الفكرة الواضحة والموقف الجريء والكلمة الحرة قادرة على مواجهة الرصاص، متى ما صدرت عن ضمير حي وانحياز صادق إلى الناس والوطن.

 التكريم والجوائز

حظي بتكريمات عالية تعكس تقدير الأوساط الثقافية والسياسية لدوره، وهناك إشادات مهمة بدوره الثقافي، وقياداته للحراك الثقافي التنويري، كما ونال (وسام البارزاني) تقديراً لجهوده في تعزيز الحوار بين الفرقاء الكرد، ودوره في الوساطة لنزع فتيل الاقتتال الداخلي، من خلال لقاءات محورية شملت صلاح الدين، ومقر البارزاني، ومقر جلال طالباني، بصفته شخصية موثوقة من الطرفين.

كما مُنح (جائزة شخصية الإعلام العربية لعام 2025)، التي أعلنت عنها قمة الإعلام العربي في دبي، تكريماً لمسيرته الممتدة في الدفاع عن حرية الكلمة، ودوره الريادي في تأسيس مؤسسة "المدى" بوصفها منصة ثقافية - إعلامية مستقلة، ومجالاً لصوت التعددية والانفتاح.

موقعه الرمزي اليوم: ضميرٌ نقدي واستمرار في العطاء

جمع فخري بين الفعل الثقافي والرؤية السياسية، وبين الوفاء لجذوره اليسارية والانفتاح على آفاق المستقبل. ظلّ منحازاً إلى العقل النقدي، والحرية، والمواطنة، مناهضاً للاستبداد بكلّ صوره، سواء كان عسكرياً أو طائفياً أو دينياً مغلّفاً بشعارات الحداثة.

رأى في الدولة المدنية الديمقراطية خياراً لا بديلاً له، وفي العدالة الاجتماعية ركيزةً لأي استقرار حقيقي، وفي الثقافة سلاحاً ضد التطرّف والفساد والانحطاط العام. لم تغره المناصب، ولا أَسَرَه الخطاب الشعبوي، بل اختار على الدوام أن يكون شاهداً نقدياً من موقع المسؤولية الوطنية.

يمثّل الإرث الفكري لفخري كريم أحد أعمدة حضوره في الحياة العامة العراقية، لا بوصفه صاحب قلم أو ناشراً فقط، بل كمفكّر عضوي ظلّ وفياً لقضايا التقدّم والعدالة، في كل محطة من محطات مسيرته.

ورغم اشتداد العواصف، بقي صوته حاضراً، يقترح، يُحاجج، ويُجادل من موقع اليسار الديمقراطي، ساعياً نحو دولة مواطنة لا دولة طوائف، وديمقراطية تُبنى على العدالة لا المحاصصة.

رغم كل التحولات، والصدمات التي عصفت بالمشهد العراقي، ظل فخري كريم حاضراً، لا من موقع السلطة أو الادّعاء، بل كـضمير نقدي وركن من أركان الوعي الوطني. يُنظر إليه اليوم بوصفه أحد أهم وجوه الجيل المؤسِّس للمعارضة الديمقراطية العراقية، وأحد القلائل الذين حافظوا على استقلال الموقف، مناهضين للاستبداد القديم والجديد معاً، دون أن يسقطوا في أوهام اللحظة أو مغريات الاصطفاف.

رمزيته لا تستمدّ من موقع رسمي أو امتياز، بل من رصانة فكر، ووضوح موقف، ومسار طويل لم ينكسر تحت ضغط القمع أو غواية التكيّف. وفي زمن الالتباس، ما زال صوته مطلوباً عند كل مفترق، لا ليقدّم الوصايا، بل ليعيد التذكير بما هو ثابت: أن لا ديمقراطية من دون عدالة، ولا إصلاح من دون استقلالية القرار الوطني.

في هذه السيرة، لا نستعرض محطات حياة شخصية سياسية وثقافية فحسب، بل نقف أمام تجربة مركّبة لرجلٍ جمع بين الكفاح السياسي، والعمل الفكري، والنشاط المدني، وظلّ وفيًّا لقيم الحرية والعدالة والديمقراطية، حتى وهو يواجه الاستبداد بأشكاله المتعددة، ويتنقل بين ساحات النضال والمنافي، وساحات الفكر والصحافة.

إنها سيرة فخري كريم كما عاشها وكما كافح من أجلها، لا كما أراد الخصوم أن يختزلوها، ولا كما حاول أن يصوغها المترددون أو المتواطئون مع زمن الرداءة. سيرةُ رجلٍ لم يبحث عن موقعٍ في السلطة، بل عن موقعٍ في الضمير العام. رجلٍ واجه الطغيان بالسلاح يومًا، وبالكلمة طيلة العمر، وحافظ على بوصلته منحازة للفقراء، وللثقافة التقدمية، ولحق الإنسان في وطنٍ لا تحكمه الطوائف ولا تقسمه الولاءات.

هذه السيرة ليست فقط وثيقة شخصية، بل شهادة على زمنٍ عراقي طويل، مثقلٍ بالصراع والخسارات، لكنها أيضاً شهادة على قدرة الإنسان، حين يختار موقعه عن وعي، ويترك أثراً لا يُمحى.

***************************************

الصفحة العاشرة

ماذا نعرف عن {الديمقراطية التمثيلية} التي أسقطها ممداني؟

عمار علي حسن*

بعد أيام من الاحتجاجات التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية ضد الرئيس دونالد ترامب تحت شعار: "لا للملوك"، جاء فوز زهران ممداني، الديمقراطي الاشتراكي والمسلم، بمنصب عمدة نيويورك، ليزيد من قوة الدفع الجماهيري الغاضبة في وجه "الديمقراطية التمثيلية"، وكيف تحاول تصحيحها من داخلها، أو مزاوجتها بنوع من "الديمقراطية التشاركية"، حيث تحاط العملية الانتخابية بحشد جماهيري، يلتف حول قيادة معارضة أو مختلفة، غير مكتفٍ بالتعبير عن موقف في صندوق الاقتراع.

إننا هنا أمام حدث غير عابر، يمكن مقاربته، من زاوية مختلفة ووفق تحليل أعمق، على أنه تعبير عن أزمة "الديمقراطية التمثيلية" في الغرب كله حاليا، والتي تتوالى مظاهرها متراوحة بين كتابات وأدبيات مُكرَّسة لانتقادها، وبين نزول الناس إلى الشارع ليعلنوا أنها لم تعد كافية لحياة سياسية أكثر نجاعة وكفاءة، وأن الوقت قد حان لتصحيح مسارها من داخلها، بالحضور الدائم للرأي العام، والتفافه حول من يشعر أنه يعبر عنه، ولن يغفل مطالب الناس وآراءهم.

فعلى مدار العقود الثلاثة الماضية تراكمت انتقادات الديمقراطية التمثيلية، التي ولدت في الغرب مع نهاية القرن الـ18، وأخذت تنمو وتتطور وتترسخ على مدار قرنين من الزمن، وانتقل صداها وتأثيرها إلى دول غير غربية، وكانت تتسع رقعتها حتى ارتفع صوت الحديث عن موجتين ثالثة ورابعة منها.

وقادت هذه الانتقادات إلى طرح أفكار مهمة حول "الديمقراطية التشاركية"، التي بوسعها أن ترمم الشروخ، وتسد الفجوة، التي نجمت عن ابتعاد ممارسات السلطة السياسية المنتخبة في الغرب عن النصوص من دساتير وقوانين وبرامج حزبية وانتخابية، وكذلك عن التقاليد التي صنعتها المؤسسات الرسمية والأهلية على مدار قرون.

وإذا كانت أزمة الغرب السياسية قد جاءت قبل ذلك من خارج النظام الديمقراطي، مع صعود الفاشية والنازية وطرح الشيوعية التي انحازت إلى الطريق الواحد والحزب الأوحد، فإنها هذه المرة تأتي من قلب الديمقراطية نفسها، حيث كان النظام السياسي الأميركي على عيوبه أحد كبار ممثليها في العالم الحديث والمعاصر.

ووفق ما أورده د. وحيد عبدالمجيد في كتابه: "ديمقراطية القرن الحادي والعشرين"، فإن هذه المشكلة نجمت عن جمود أصاب النظم الديمقراطية الراسخة بفعل تراكمات عدة، أدت، في خاتمة المطاف، إلى تمكين نخب سياسية واقتصادية من الإمساك بزمام الأمور، واحتكار السلطة والثروة والسيطرة على الإعلام وإنتاج القيم، بما قاد إلى تفريغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي، وتحويلها، بمرور الوقت، إلى مجرد آلية وصول الحكم، دون الأخذ بجوهرها الذي تلخصه العبارة الراسخة التي تعرفها على أنها "حكم الشعب لنفسه".

وقد فصَّلت في هذه المسألة "نظرية النخبة" على يد الإيطالي فلفريدو باريتو التي تم رفعها في وجه نظرية الطبقة بمفهومها الماركسي، حيث تطفو على السطح صفوة أو نخبة أو سُراة تشكل مجموعة تتفوق على بقية المجتمع، مستندة إلى مركز اجتماعي متقدم، أو ألمعية فكرية، أو قدرة علمية، أو امتلاك ثروة طائلة، أو مرتبة دينية، ثم مقاربة "العُصبة" التي طبقها على السلطة في الولايات المتحدة أرفينج ليستر جانيس في كتابه: "فكر العصبة.. دراسات نفسية للقرارات المتعلقة بالسياسات والإخفاقات"، حيث أثبت أنه كانت في أميركا دوما مجموعة تفكر في شأن عام، بلغ أفرادها الموقع الذي يمنحهم حق التفكير هذا عبر التعيين أو الاختيار للمناصب العامة، أو يكون الشعب قد انتخبها لتؤدي هذا الدور، الذي لا تمضي الحياة الاجتماعية المعقدة من دونه.

ويمثل ترامب ومن معه في إدارة الشأن العام أحد تجليات "مقاربة العصبة"، بل يتجاوزه في كثير من الأحيان، نازعا إلى انفراد بالقرار بما يصوره أشبه بـ "حاكم فرد" على غرار الأنماط السائدة في دول العالم الثالث.

وهي مسألة لم يخفِها ترامب نفسه، الذي طالما حمل خطابه شيئا من الحسد للحكام المستبدين، متمنيا لو كان السياق والترتيب السياسي والاجتماعي والقانوني والثقافي الأميركي يسمح له بأن يكون واحدا منهم.

وقد استشعر الأميركيون، أو قطاع كبير منهم، هذا الميل النفسي عند ترامب فخرج سبعة ملايين منهم في مظاهرات حاشدة تحت شعار: "لا للملوك" في أكثر من 2600 موقع بمختلف أنحاء الولايات المتحدة، وفي مدن كبرى مثل نيوريوك، وبوسطن، وشيكاغو، وأتلانتا؛ احتجاجا على ما وصفوه بتنامي النزعة الاستبدادية والفساد في إدارة ترامب، والتي تُقلّص الديمقراطية إلى حدها الأدنى، فتجعل منها مجرد وسيلة مؤقتة، تستخدم كل عدة سنوات؛ بغية الوصول إلى السلطة دون عنت ولا عناء، ثم يختفي دورها لسنوات، حتى يحل موعد الانتخابات الجديد.

ولم يكتفِ الشعب الأميركي بذلك، بل جاء إلى أعلى منصب في نيويورك بشاب يتبنى أفكارا واتجاهات مناقضة تماما لما يراه ترامب ويقوله ويفعله.

إن الديمقراطية ليست مجرد "صندوق انتخاب"، فهذا مجرد واحد من إجراءاتها أو آلياتها، إنما هي أيضا منظومة قيم مثل الحرية، وتكافؤ الفرص، والتعددية، والنزاهة، والمواطنة، والسلمية، وإعلاء القانون، والفصل بين السلطات، وسياق ثقافي واجتماعي يحمي هذه القيم، ويفزع حين يجد إحداها قد تم انتهاكها.

وهي بكل هذا، ليست نظامَ حكمٍ مثاليا ولم يزعم المدافعون عنها ذلك، لكنها أفضل ما عرفه البشر، إلى الآن، من طريقة تجعل الأمة هي مصدر السلطة والشرعية، وها هي تثبت ذلك بانتخاب ممداني على غير إرادة رئيس قوي نازع إلى الانفراد بالقرار.

وبالطبع فإن هؤلاء المحتجين ومن صوتوا لممداني يستشعرون الداء الذي يسري في أوصال الديمقراطية الأميركية، مع اتساع الفجوة بين الشعارات والبرامج والتطبيقات، وتصدع الآمال التي علّقها الناس في أعناق من انتخبوهم دوريا ليجلسوا في مقاعد مؤسسات تُشرع وتراقب وتسهم في صناعة القرار، حين لا يتصرف هؤلاء على مدار الوقت لصالح من انتخبوهم، سواء كانوا أعضاء في مجلسي النواب والشيوخ، أو حتى الرئيس الأميركي نفسه.

وما يزيد من مخاوف هؤلاء أن ترامب شرع منذ عودته إلى سدة الرئاسة في اتخاذ عدة إجراءات يريد منها تقليص الأدوار الرقابية والتنفيذية التي تقوم بها المؤسسات السياسية، وغلّ يد القضاء بقدر المستطاع، وممارسة ضغوط على وسائل الإعلام والجامعات، ومكاتب المحاماة، وتصعيد أنصاره في الجهاز الإداري للدولة دون أدنى اعتبار لمبدأ "الاستحقاق والجدارة"، وتزكية لون من الشعبوية الصارخة، دون التحسب لما يسببه هذا من تقويض للنظام الديمقراطي التمثيلي، الذي عرفته الولايات المتحدة منذ قيامها وإلى الآن.

يريد هؤلاء المحتجون طرح "الديمقراطية التشاركية" التي يشكل النضال المدني الفردي والمنظم أحد روافدها، في وجه ما شاب "الديمقراطية التمثيلية" من نقائض بوجه عام، وعلى يد ترامب خصوصا، ولذا رأينا المسيرات الحاشدة تحمل رموزا رافضة للاستبداد، مثل ارتداء بعض المحتجين زيّ تمثال الحرية، ورفع لافتات تحمل عبارات مثل "لا لحكام يشبهون الدكتاتوريين"، أو الصياح العالي خلف ممداني حين أعلن اختلافه بوصفه مهاجرا واشتراكيا ومسلما.

على المستوى العام، تطرح "الديمقراطية التشاركية" عدة آليات لتعزيز وجودها، ومنها: تنظيم استفتاءات دورية على القرارات التنفيذية الكبرى، وتمكين الناس، عبر اقتراع عام، من سحب الثقة من أي مسؤول تنفيذي أو تشريعي إذا ثبت تراخيه أو فساده أو خروجه على المصلحة العامة، وإقامة حوار سياسي واجتماعي دائم حول إدارة الشأن العام، وحضور المجتمع المدني في الحياة العامة بشكل قوي، ووجود شفافية يقظة وفعالة.

لكن هذه التصورات تلقى رفضا من ترامب الذي وصف المحتجين ضده بأنهم "لا يمثلون شعب بلدنا".، بل عدَّها مؤامرة يقودها الملياردير جورج سوروس و"غيره من اليساريين المتطرفين"، ثم قلل من شأنها حين رآها "صغيرة جدا وغير فعالة". وها هو يهاجم فوز ممداني، محاولا التقليل منه.

وبغض النظر عن الشد والجذب بين أنصار ترامب ومعارضيه، فإن احتجاجات الأميركيين هذه تعكس أزمة "الديمقراطية التمثيلية"، وتدفع المنادين بـ"الديمقراطية التشاركية" خطوة إلى الأمام، ليقدموا لقاح التشارك والمراجعة والتصحيح إلى الديمقراطية بشكلها التقليدي، على اعتبار أن الأزمة في جوهرها تكمن في نظام التمثيل السياسي، وليس في الديمقراطية نفسها، ليس في الولايات المتحدة وحدها، إنما في النظم الديمقراطية جميعا.

ولن يكون هذا التلقيح عبر إسقاط الديمقراطية التمثيلية تماما، إنما بتصحيحها عبر اتخاذها آلية لدفع وجوه جديدة أكثر التصاقا بالشعب إلى أعلى الهرم السياسي في الولايات المتحدة، مثلما جرى مع ممداني، وسيجري مع غيره لاحقا، على أن يعود ممثلو الشعب إليه دائما بعد انتخابهم، لا أن يحصلوا على تفويضه ويعطوه ظهورهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب وباحث في علم الاجتماع السياسي

"الجزيرة نت" – 10 تشرين الثاني 2025

*******************************************

المكارثية الأكاديمية في فرنسا

حسن مراد*

“التهجم على الجامعات، هو تهجم على الديمقراطية”، بهذه العبارة لخص جان فرنسوا هوشيه، رئيس المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، في مقابلة إذاعية في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، رؤيته لتصاعد الضغوط على المؤسسات الأكاديمية في فرنسا. وجاء تصريحه في سياق نقاش حول تقرير صدر بعنوان “الدفاع عن الحرية الأكاديمية وتعزيزها… تحدٍّ عالمي وضرورة طارئة لفرنسا وأوروبا”.

التقرير أعدته ستيفاني بالم بناءً على طلب “تجمع رؤساء الجامعات الفرنسية” لرصد العراقيل التي تحول دون حرية العمل الأكاديمي في البلاد.  التقرير أوضح أن عدداً من الأنظمة الديمقراطية باتت هي الأخرى مصدر تهديد لحرية العمل الأكاديمي، بعدما كان التضييق حكراً على الأنظمة التسلّطية.

آخر فصول التضييق الأكاديمي في فرنسا تجلّى في محاولة منع انعقاد مؤتمر بعنوان “فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي وديناميات معاصرة”، الذي كان يحضِّر له قسم التاريخ المعاصر للعالم العربي بالشراكة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – فرع باريس.

كان يفترض عقد المؤتمر يومي 13 و14 تشرين الثاني/ نوفمبر في حرم “كوليج دو فرانس”، وهي من أعرق المؤسسات العلمية الفرنسية، لكن ضغوطاً مارستها صحف وأساتذة باحثون ووزير التعليم العالي، دفعت بمدير “كوليج دو فرانس” إلى إلغاء فعالياته، لتُنقل في اللحظة الأخيرة إلى مقر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

استند قرار الإلغاء الصادر عن مدير “كوليج دو فرانس”، في 9 تشرين الثاني، إلى حجتين: عدم استيفاء المعايير العلمية – الأكاديمية، ومخاوف تتعلق بسلامة المشاركين والمكان بسبب الجدل الذي أثاره انعقاد المؤتمر.

في حديث إلى موقع “درج”، وصف سلام الكواكبي، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، هذه المبررات بالضعيفة، بدليل تقديم “كوليج دو فرانس” اقتراحاً أولياً بعقد المؤتمر خلف الأبواب المغلقة، وهو ما رفضه المنظمون. اقتراح رآه الكواكبي “سخيفاً” وتأكيداً على انتفاء أي حجة متينة، فالمدير كان يسعى إلى تفادي “وجع الرأس” ليس إلا.

كما يثير التذرع بالحرص على سلامة المشاركين جملة أسئلة: هل حاولت إدارة “كوليج دو فرانس” اتخاذ ما يلزم من الإجراءات لضمان سلامة الحضور قبل اللجوء إلى قرار الإلغاء؟ وهل ستُلغى مستقبلاً أي فعالية أكاديمية مثيرة للجدل؟ سلام الكواكبي وضع هذه الحجة في خانة “الحياد السلبي”، ما يمنح أي تغريدة على وسائل التواصل الاجتماعي القدرة على إجهاض نشاط أكاديمي.

بخصوص غياب “التعددية والنزاهة العلمية” الواردة في بيان “كوليج دو فرانس”، لم توضح الإدارة ماهية مآخذها وملاحظاتها على برنامج المؤتمر. وحتى لو افترضنا أن البرنامج انطوى على خلل أكاديمي، لماذا اقتُرحت إقامته على نحو مغلق؟

في المقابل، أصدرت الجهات المنظمة للمؤتمر بياناً مشتركاً أكدت فيه التزامها بمعايير أكاديمية واضحة: فالمشاركون ينتمون إلى خلفيات أكاديمية متعددة، ودعوتهم كانت نتيجة “سمعتهم العلمية”، كما راعت الجلسات التنوع في الاختصاصات والتيارات الأكاديمية.

برنامج المؤتمر يدعم مضمون البيان، إذ عُرضت سير الباحثين المشاركين التي تشير إلى اختيارهم بناء على معرفتهم الأكاديمية لا تحزّبهم المفترض. من جانب آخر، تجد مضامين جلسات المؤتمر أرضية أكاديمية – بحثية (تاريخ العلاقات الدولية، دراسات ما بعد الكولونيالية، العلاقات الأوروبية – الشرق أوسطية …). يتوسع الكواكبي في هذا السياق موضحاً التالي: “المؤتمر ليس مناظرة إعلامية وسياسية” بل فعالية علمية متخصّصة.

قرار إلغاء انعقاد المؤتمر قوبل بسخط واسع في الوسط الأكاديمي الفرنسي، ليُحمّل وزير التعليم العالي والبحث الفرنسي، فيليب باتيست، المسؤولية الرئيسية عن انتهاك الحرية الأكاديمية، خصوصاً بعد نشره تغريدة لم يخفِ فيها تواصله مع مدير “كوليج دو فرانس” لهذا الغرض. سلام الكواكبي كشف لـ”درج” عن إرسال باتيست رسالة إلى مدير “كوليج دو فرانس” تضمنت “تهديداً مهذباً” و”أمراً مبطناً” بإلغاء المؤتمر بذريعة “غياب الموضوعية”، وهي رسالة اطلع عليها منظمو المؤتمر عبر مصدر من داخل الوزارة.  على إثر ذلك، تداعى أكاديميون في فرنسا إلى توقيع عريضة تطالب باستقالة الوزير المذكور بعد تعمّده “منع البحث الأكاديمي حول إسرائيل – فلسطين”.

شبكة “بلاست” الإعلامية كشفت من جهتها عن دور لتجمع من الباحثين يعرف باسم ““شبكة الأبحاث حول العنصرية ومعاداة السامية”، مصنفة ما حدث في خانة “المناورة الجامعية الموالية لإسرائيل”.

الغليان الذي شهده الوسط الأكاديمي الفرنسي خلال الأيام الماضية، يعيد إلى الأذهان تصريحاً للبروفيسور في علم الاجتماع التاريخي، جان فرنسوا بايار، في آذار/ مارس 2024 ، قال فيه: “تعيش فرنسا حالة من المكارثية الفكرية”. وقد تفاقمت هذه الحالة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر ليزداد منسوب التضييق الأكاديمي على الجامعات والباحثين.

سلام الكواكبي قارب المسألة من زاوية “محاربة البحث العلمي من النيو ليبراليين المقربين من إسرائيل”، ما يفرض طرح سؤال حول دوافع الخشية الفرنسية من الأصوات الأكاديمية في هذا التوقيت؟

في سياق رصدها واقع الحريات الأكاديمية بعد 7 أكتوبر، أشارت ستيفاني بالم في تقريرها الى أن الحروب تُحدث تحولات في مختلف المجالات، بما فيها المجال الأكاديمي: “في هذه الظروف تختلف النظرة إلى الباحثين، بحيث يتحولون رغماً عنهم من مجرد مراقبين إلى أطراف فاعلة حقيقية”. المقصود بهذه العبارة هو قدرة الباحث الأكاديمي على التأثير في الرأي انطلاقاً من معرفته ونظرته النقدية التي توفر له الأدوات اللازمة لتصويب السجال.

يضيف التقرير أن الحاجة إلى هذه الخبرات الأكاديمية في أوقات العنف، تجعل أصحابها عرضة لمحاولات التطويع السياسي، التي تهدف إلى فرض قيود على عمل الباحثين وتوجيه إنتاجهم المعرفي، ما يؤدي إلى “تشققات” داخل الكليات والأقسام: “ليس لأسباب داخلية إنما لمحاولات تطويعها من جهات سياسية وإعلامية”. 

الباحث السياسي المتخصص في شؤون العالم العربي، لوران بونفوا، اعتبر في مقالته المعنونة “الوسط الأكاديمي الفرنسي، غزة وإسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023 … تقييم نقدي”، أن الحروب تعد أوقاتاً عصيبة على الباحثين، إذ يخلق المناخ السياسي والهوية الشخصية والمسيرة المهنية مساحات التقاء بين الباحثين المتخصصين في الدراسات الفلسطينية أو الإسرائيلية من جهة والناشطين في الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني من جهة أخرى، ما يدفع البعض إلى وصفهم بـ”الباحثين الناشطين”. علاوة على ذلك، مكانة الباحثين العلمية تدفع إلى الاستعانة بخبراتهم للمشاركة في المناظرات الإعلامية أو لتقديم استشارات للمؤسسات الرسمية (وزارة الخارجية، رئاسة الجمهورية)، ما يجعل الحد الفاصل بين المعرفة العلمية والتعليق السياسي أقل وضوحاً بنظر الرأي العام الفرنسي.

ما ورد في مقالة بونفوا وتقرير بالم، إلى جانب الانقسام الشعبي والسياسي الحاد في فرنسا بعد 7 أكتوبر، يساهم في تفسير محاولات تقييد أنشطة الباحثين الذين لا يتبنون السرديات الإسرائيلية.

لكن التضييق لم يبدأ بطبيعة الحال مع محاولة منع المؤتمر الأكاديمي “فلسطين وأوروبا”.

ففي 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وجهت سيلفي روتايو، وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي السابقة، رسالة إلى رؤساء الجامعات الحكومية الفرنسية تطلب منهم فيها التبليغ عن أي شخص (أستاذ، باحث، إداري، طالب) يُشتبه بتأييده حركة حماس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*صحفي لبناني

موقع "درج" – 14 تشرين الثاني 2025

*********************************************

العدد 74 من دورية "سياسات عربية" قضايا في السياسة والفكر السياسي بعد الثورات العربية

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد الرابع والسبعون من الدورية العلمية المحكّمة "سياسات عربية"، التي تُعنى بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية، وتصدر كلّ شهرين. تضمّن العدد ملفًّا خاصًّا بعنوان: "قضايا في السياسة والفكر السياسي بعد الثورات العربية"، قدّم له عماد العلي، محرّر الملف. وضمّ الدراسات الآتية: "المعرفة العفوية وروح الثورة" لمحمد بامية، و"العدل وأزمة ’النظرية السياسية‘ في الفكر السياسي العربي المعاصر: في الحاجة إلى التسويغ" لنبيل فازيو، و"الثورة بين الأهداف الواقعية والمضامين المعيارية: نحو قراءة جديدة في الثورات العربية" لعماد العلي، و"في الخطاب السياسي العربي المعاصر: بحث في التجربة السياسية الجزائرية من منظور الفلسفة الاجتماعية" للزواوي بغوره. وفي باب دراسات، نُشرت دراسة بعنوان "العلاقات الهندية - القطرية: نمو حذر في ظل اعتماد متبادل متزايد" لمحمد وسيم ملا.

وفي باب "دراسة مترجمة"، نُشرت ترجمة عبد الكريم أمنكاي لمقالة أندرياس يونهير "الذكاء الاصطناعي والديمقراطية: إطار مفهومي". أما باب "التوثيق" فتضمّن أهم "محطات التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي" ووثائقه و"الوقائع الفلسطينية"، في المدة 1 آذار/ مارس – 30 نيسان/ أبريل 2025. وفي باب "مراجعات الكتب"، قدّم أحمد مأمون مراجعة لكتاب أنتوني لونشتاين بعنوان "مختبر فلسطين: كيف تصدّر إسرائيل تقنيات الاحتلال إلى العالم".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" – 17 تشرين الثاني 2025

*******************************************

الصفحة الحادية عشر

الجديد في المكتبة

- عن منطقة الشاكرية/ التي تقع على ضفاف كرخ نهر دجلة، والتي سكنها عدد كبير من الفلاحين هرباً من الاقطاع، والذين بنى لهم الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم مدينة جديدة عرفت بمدينة الثورة/ الصدر حالياً؛ عن هذه المنطقة صدرت رواية للشاعر الراحل كريم العراقي بعنوان "الشاكرية" عن دار سطور- بغداد.

كذلك صدرت رواية اخرى عن دار كلكامش- بغداد من تأليف احمد عواد الخزاعي بعنوان "دروب الشاكرية".

- للروائي والمترجم العراقي المغترب فلاح رحيم صدر مؤخراً كتاب جديد بعنوان "قوة الدين في المجال العام" تأليف يورغن هابر ماس، تشارلس تيلر، جوديت بتلر، كورنيل ويست. وكان الاستاذ فلاح رحيم قد اصدر من قبل رواياته : " الشر الاخير في الصندوق/ صوت الطبول من بعيد/ ليلة الثاني من آب". كما ترجم "الأبله الرائع/ رواية شوساكو اندو، حكاية الجند/ لصموئيل هاينز/ البحث عن ملاذ للشعر- مقالات في الشعر الغربي الحديث/ كتاب حكايتان لتوماس مان". كما قام بتأليف كتاب "ازمة التنوير العراقي".

*****************************************

التنوير: تحرير العقل وتغيير العالم.. من التنوير إلى {تنوير التنوير}

عباس عبد جاسم *

قبل مقاربة الكيفية التي تعلمن بها التنوير بالعلمانية كديانة سياسية ضد التقاليد وميتافيزيقيا الدين ، والكيفية التي تعقلن بها باستخدام العقل والعقلانية ضد الأساطير والخرافات والأوهام التاريخية – آثرنا إجتراح مفهوم جديد، اصطلحنا عليه بـ ( تنوير التنوير) ، يبدأ من الدين الحاضنة للتنوير، بوصفه أقرب الى الاستنارة الدينية منه الى المنظومة الكنسية ، الذي أنجزته الحداثة عبر لاهوت العصور الوسطى بنسخته الإصلاحية ، التي إنطلقت منها علمنة أوربا، ومن ثم ليتجاوز الأصولية المسيحية على وفق مبادئ التنوير الكونية ( الأنسية/ المدنية/ الديمقراطية ) لمواجهة تيارات التطرف والتكفير والعنف الديني الراديكالي في العالم .

إذن قبل أن نؤسِّس لمفهوم ( تنوير التنوير) لابد من تعريف ( التنوير) ، فقد سُئِل كانط : ما هو التنوير ؟ فأجاب : "هو خروج الانسان من القصور الذي يرجع إليه هو ذاته " أي " الاستعمال العمومي للعقل في كل الميادين" . " ينظر : ايما نويل كنط / إجابة عن السؤال : ما هو التنوير؟ / ترجمه عن الالمانية : اسماعيل المصدّق  " .

 ولكن هل ما يزال تعريف كانط يمتلك حيوات متجَّددة بما يجلعه مكتفيا ًبذاته وفق قوانين تطور اللحظة التاريخية المعاصرة أم أن مفهوم ( التنوير) تعرّض عبر سياقه التداولي الى تغيير جذري في الماهية والمعنى والوظيفة ؟

لقد كان التنوير نتاج إنفصال العلم عن الدين، والفلسفة عن اللاهوت، والعلم الطبيعي عن الفلسفة، بل وارتبط التنوير بالطبيعة العلمانية القائمة أصلا ًعلى إستبدال العقل بالدين، وإحداث القطيعة مع التراث المسيحي .

وبذا لايمكن تعريف التنوير، فقد أكد الفيلسوف اليهودي موسى مندلسون على أن مصطلح التنوير"يصعب تعريفه ، لانه عبارة عن "عملية" لم تكتمل بعد " في كيفية إستخدام العقل .

ولكن يمكن تحديد أنوار التنوير، ومنها : العقلانية/ الحرية/ الاستقلالية/ المدنية/ التسامح بوصفه رديفا ً للتنوير .

وعلى الرغم من أن العقل يشكل مركز جدل التنوير، فان هذا الجدل ينفك عن اتجاهات متعاكسة من حيث ثنائية الأضداد: الدين والخرافة/ العقل والجهل ، كـ : الديانة المنزوعة عنها العقلانية/ العقلانية المنزوعة عنها الديانة .

لهذا يتعارض في نسق التنوير كل من العقل والعلم مع الدين والخرافة ، فـ "الأديان متعدّدة ، والعلم واحد" ينظر: تزفيتان تودوروف / روح التنوير/ تعريب حافظ فويعه " .

 فقد آمن كانط وديكارت بالعقل ، في حين كان روسو أقل إيمانا ً بدور العقل والعلم منهما، أما " فولتير فلم يعادِ الدين البتة – فقد كان ربوبيا ً، بل جاهر بعداء صارم لرجال الدين" . " ينظر: صالح مصباح/ في إستشكال التنوير/ مباحث في التنوير موجودًا ومنشودًا "

وان كان التنوير محاثيا ًللحداثة ، فكيف زحزحت ما بعد الحداثة – التنوير؟

لقد إنتهى التنوير في أوربا والغرب، لأنه " إستنفد العقل التحررّي من طاقته الروحية والاخلاقية بسرعة – كما ذهب الى ذلك محمد أركون – وتحوّل الى عقل توسّعي راغب في السلطة والهيمنة على الآخرين" . " ينظر: محمد اركون/ تجربة الاستعمار" ص 80  "

وإن كان ليس ثمة حاجة الى تحديد بدء التنوير المبكّر سواء كان في القرن السابع عشر أو القرن الثامن عشر، فإن ثمة ضرورة لتحديد بدء تفكّك التنوير ما بعد الحداثة " كفلسفة  تنطوى على نزعة تناهض فلسفة ( التنوير) التي أعطت الدور المركزي للعقل وإمكان تحقيق المجتمع العقلاني المنشود" . " ينظر : خلدون الشمعة / أفول عصر التنوير وصعود ما بعد الحداثة في الأدب العربي"

لقد صنع التنوير فكرة فصل الدين عن الدولة، وقد أدّى إنزياح الدين في مجريات السياسة الى ظهور ديانة سياسية جديدة ، هي "عبادة الدولة" ، ومن ثم تقديس "عبارة الفرد" في الانظمة الشمولية ، وذلك على النقيض تماما ً من الأنظمة الليبرالية التي أطاحت التقديس السياسي والكاريزمي، لأن التقديس شأن فردي خاص بالانسان وحده .

وبذا فإن سؤال ( تنوير التنوير) ، يرتبط بقوانين تطور حركة ما بعد الحداثة وآلياتها الجديدة في كسر( التطور المحجوز) في السياق التاريخي للتنوير ما بعد التحرر من اللاهوت الميتافيزيقي، والانفتاح على البنى المعرفية المتحوّلة ما بعد الانسان والانسانية بأفق كوني .

إذن نستطيع الاستدلال على ما يدعم اطروحتنا لمفهوم ( تنوير التنوير) من خلال فكرة المفكر البروتستانتي بيير بايل (-1647 1706 ) حيث " يغلب ، ولأول مرّة في تاريخ الفكر الاوربي النور الطبيعي، فوق الطبيعي، وهذا العمل يعد خطوة جديدة في اتجاه التحررّ من اللاهوت الديني، والتوصل الى العقلنة الكاملة لاحقا ً" . " ينظر: هاشم صالح / مفهوم التنوير ومدلولاته في الفكر الاوربي " .

وما ندعوه بـ ( تنوير[ عقلانية ] التنوير] هو الربط بين التنوير بدلالته الوظائفية ، والعقلانية بدلالتها المعرفية ، ومن ثم الجمع بين ( نور العقل) و( نور الايمان) ، وبذا يصبح ( العقل مركز قلب المؤمن) .

ومن روح التنوير المبكر، ينبعث "تنوير التنوير" بروح جديدة من رماد الحروب المذهبية والعرقية ، لتمثيل روح اللحظة التاريخية المعاصرة .

وبذا لم تعد ثمة ضرورة للتمسّك بروح التنوير( القديمة) ، وخاصة بعد أن أخفقت الحداثة في تحقيق مشروعها التنويري غير المكتمل

ومن روح التنوير أيضا، الذي توقف عند حدود الاصلاح الديني لمرحلة اللاهوت الميتافيزيقي، تبدأ تمثيلات " تنوير التنوير" لِما بعد الحداثة .

ومن خلال تلازم ( العقلانية والعلمانية والمدنية ) يكون التنوير، قد مرّ بنوعين من التحولات : تحرير العقل ، وتغيير العالم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

* ناقد وكاتب/ رئيس تحرير مجلة "الاديب الثقافية" بابل. 

************************************************

مسرحية {ناتان الحكيم} في عصر التنوير.. باكورة التعايش والتسامح بين الثقافات والأديان

د. بهاء محمود علوان

كان لعصر التنوير الأثر الكبير على الكاتب الألماني الكبير ليسنك، وقد تتوج هذا التأثير في مسرحية "ناتان الحكيم" امتدت للفترة الأدبية المعروفة باسم عصر التنوير تقريبًا 1720 - 1790. وتُعد فجر العصر الحديث في الأدبِ وسائر الشؤون الحياتية، وقد جاء روادها من البرجوازية الأوروبية، الذين ناضلوا من أجل الحرية والفكر، وتمردوا على هياكل السلطة السائدة. وكان من المبادئ الأساسية لعصر التنوير أن على كل فرد استخدام عقله الخاص، وبالتالي تحرير نفسه من الظلم. نشأت هذه الفكرة مع الفيلسوف إيمانويل كانط، الذي ساهم بشكل كبير في تشكيل هذا العصر.

وكان يُنظرُ إلى عصر التنوير بأنه مجرد فترة أدبية في القرن الثامن عشر، أعقبت عصر الباروك، وبالتالي فُهم على أنه انتقال من العصر الحديث المبكر إلى الحداثة. وشملت الحركات المضادة لعصر التنوير: عصر (العاصفة والاندفاع)، اللتين تطورتا أيضًا من منتصف القرن التاسع عشر فصاعدًا. على النقيض من هذه الحركات، التي اتسمت بالعاطفة والعبقرية، اعتبر عصر التنوير العقلانية أهم الصفات الإنسانية. استُخدم مصطلح (التنوير) لأول مرة حوالي عام 1770 لوصف تلك الحقبة في البلدان الناطقة بالألمانية. وقد صاغ كانط مصطلح (التنوير) في مقالته الشهيرة ( ما التنوير؟) المنشورة في مجلة برلين الشهرية عام 1784. أما في الفرنسية، فيُستخدم مصطلح (قرن الأنوار) بينما في البلدان الناطقة بالإنكليزية، فيُطلق على عصر التنوير اسم (التنوير أيضاً)، حيثُ يرمز نور المعرفة إلى جلب النور إلى ظلمات العصور الوسطى. وبناءً على ذلك، كان من أهم اهتمامات عصر التنوير تحرير الناس من تبعية العصور الوسطى للنبلاء والكنيسة. 

وفي العودة لمسرحية (ناتان الحكيم)، والتي تعد مسرحية فلسفية من تأليف غوتهولد إفرايم ليسينك، والتي نُشرت في عام 1779. استعان ليسينك بمصادر أدبية وتاريخية عديدة أثناء كتابتهِ للمسرحية، حيثُ تعد هذهِ المسرحية المتقنة من حيث النص والهدفِ والمضمون مسرحية تستكشف مُثُل عصر التنوير في التسامح ونظرة عميقة للإنسانية. تدور أحداث المسرحية في القدس خلال الحملة الصليبية الثالثة عام 1192. عنوان المسرحية يشير إلى التاجر اليهودي ناتان، الذي تُجسّد شخصيته انسجامًا تامًا بين اليهود والمسيحيين والمسلمين. ومثلُها كمثلِ مسرحية (إفيجينيا في تاورس) لغوته. ولأهمية مسرحية (ناتان الحكيم)، فإنها تُدرّس ضمن المناهج الدراسية في ألمانيا منذ أوائل القرن التاسع عشر. خلال فترة الديكتاتورية النازية، وقد مُنعت المسرحية لتصويرها أفعالًا نموذجية لبطل المسرحية ناتان. تُعد المسرحية من أهم أعمال الكلاسيكية الألمانية، وتُعبّر عن رؤية مثالية للإنسانية. على خلفية الحملة الصليبية التاريخية، يخلق ليسينك واقعًا مُعاكسًا مُسترشدًا بمُثُل عصر التنوير.

ويُعدّ (الخاتم) محور المسرحية وحيث يرمز ليسنك إلى جميع مُثُل التنوير في التسامح والتعايش. وكان اعادة صياغة موضوع أدبي شائع الاستخدام ومتداول في الثقافات العالمية، ليوظفه في فكرة اندماج الثقافات. في أوائل القرن الثالث عشر، كتب الكاتبُ الإيطالي (جيوفاني بوكاتشيو) قصة مشابهة في مجموعته القصصية (ديكاميرون). باستخدام مثل الخاتم أيضاً. وفي المسرحية يحاول ناتان الحكيم تجنب معضلة مُستحيلة. وحين يسأله السلطان أي الطوائف الدينية الرئيسية (يهود، مسيحيون، أم مسلمون) على حق. وهنا لابد أن نشير إلى تلك الحقبة التي كُتِبتْ فيها المسرحية سادت فيها الصراعات بين الشرقِ والغرب للاستحواذ على القدس. وكان الصراع مريراً على الشرق الأوسط والمدينة المقدسة (القدس) على أشده. كان ذلك في زمن الحملة الصليبية الثالثة، كان السلطان مهتمًا بحل هذا الصراع الدموي. يُجيبه ناتان بقصة (الخاتم):

ينتقل الخاتمٌ المقدس والقادر على إرضاء الله والإنسان من الأب إلى ابنه المُفضّل. ويتمكن هذا الابن أن يُورثه كذلك إلى أحد أبنائهِ المفضلين لديهِ، حيث ان الأبٌ لديهِ ثلاثة أبناء، لا يُفضّل أيّاً من أبنائه لِذا صنع خاتمين إضافيين مشابهين للخاتم حتى لا يعرف أيُ أحدٍ منهم الخاتم الأصلي. وبدأ الأبناء يتجادلون حول أصل الخاتمين المصنعين، تماماً كما يتجادل اليهود والمسيحيون والمسلمون حول الدين الحق.

ويلجؤون إلى المحكمة لإيجاد الخاتم المفضل، أو معرفتهِ. ولم يتوصل القاضي إلى قرار حول أيُ الخواتمِ هو الأصل. عندها نصح بإثبات أصل كل خاتم من الخواتم الثلاثة وأن يثبت ذلك في التعايشِ والتفاهمِ فيما بينهم.

(ناتان الحكيم) لعب الدور الريادي في الأحداث وفي تقريب وجهات النظر بين الراهبِ الذي يمثل الديانة المسيحية، وبين صلاح الدين الأيوبي الذي يمثل الديانة الإسلامية، وقد سعى ليسينك إلى تعزيز مثاله التنويري عن الحركات الدينة التي كانت سائدة في تلك الحقبة، ونظر إليها بعقلانية كبيرة وبفكرٍ تنويري أيضاً. وقد تأثر مفهومه للدين تأثرًا شديدًا بالاعتبارات العقلانية، والنظر الى التدين الذي يقوم على العقل، ويختلفُ اختلافًا كبيرًا عما يُسمى بالموروثات الدينية السائدة، ليُمثل التوافق والتناغم بين الأديان ويسود المفهوم الشامل للتدين القائم على العقل والاعتبار العقلاني انطلاقًا من روح عصر التنوير، مؤكداً على قوة العقل في صنع السلام.

ان أهم مُخرجاتْ عصر التنوير هو زوال الفوارق الطبقية وإمكانيات التعليم الجديدة، حيثُ تغيرت النظرة إلى العالم وفهم الإنسانية، حينَ برز الفرد ككائن مستقل. وقد أوجزَ الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عصر التنوير بسمتين حين قال:

(تحلّ بالشجاعة لاستخدام فهمك الخاص).

(التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي فرضه على نفسه).

وخلاصة ما ذهبَ إليه كانط هو أن البشر يمتلكون القدرة الفطرية والحق في التفكير العقلاني. ومن هنا انبثق هدف اكتشاف الأفراد لكفاءاتهم الذاتية، وعيش حياة يقررون مصيرها بأنفسهم من خلال التعليم. وقد أُشير إلى هذا التطور أيضًا باسم التحرر.

***********************************************

قصة قصيرة.. فجر في مدينةٍ مخنوقة

سهيل الزهاوي

حدث ذلك في السليمانية… المدينة التي تعلّمت أن تدفع ثمن كرامتها بلا تردد، وأن تبقى صامدة بوجهٍ مرفوع. كان الفجر يتسلّل خجولًا على أطراف البيوت، والليل ما يزال يجرّ عباءته الثقيلة بين الأزقة، حين شقّ الصمت صوتٌ معدنيّ قاسٍ. هليكوبتر تهبط واطئة، تخدش بظلّها جدران المدينة، وتنفث من مكبّر الصوت صرخة آمرَة: "أيها المواطنون … يُمنع التجوال منعًا باتًا حتى إشعار آخر. سلّموا الخونة والمجرمين." ارتجف جسدي قبل أن تفتح عيناي وعيهما. كلمة "الخونة" كانت القناع الذي ترتديه السلطة كلما أرادت أن تستر خوفها من أي قلب يجرؤ على الرفض. شعرتُ أن النداء موجَّه إلي وحدي، وأن نبضات قلبي يمكن أن تُفهم كجريمة تستحق العقاب. لم أملك وقتًا للتفكير. أسرعت نحو كومة المنشورات الممنوعة. لم تكن مجرد أوراق؛ كانت شراراتٍ من الحقيقة تكشف وجه السلطة وتذكّر الناس بما سُلب منهم. لملمتها بيدي المرتعشتين، وهرعت إلى الحديقة الخلفية حيث شجرة الرمان العتيقة. حفرت تحت جذورها حفرة صغيرة، وضعت الأوراق فيها بحنانٍ كمن يُخفي أبناءه عن أنياب الذئاب، ثم عدت التراب كأنني أدفن جزءًا من روحي على أمل أن ينهض يومًا. كنت مختفياً منذ سنتين في بيتٍ مهجور يتقاطع مع بيت جيراننا الطيبين. بيتٌ متروك منذ سنين، أثاثه مغطّى بطبقة سميكة من الغبار، وصمته عابقٌ برائحة الغياب، كأنه لا يعرف معنى الحياة. الغرفة الوحيدة التي كنت أستخدمها… كانت تحمل أثر دفءٍ غامض، كأن أحدًا عاش بها زمنًا ثم اختفى. ولأنني كنت أعلم أن العيون تُفتّش في التفاصيل، قلبتُ ملامح الغرفة، ونثرت عليها مظهر الخراب حتى لا يظنّ أحد أن إنسانًا مرّ بها. ثم تسللت إلى المخبأ السري في الطابق السفلي. باب ضيّق مموه ببلاطات تشبه الأرضية لا يزيد عرضه على خمسةٍ وعشرين سنتيمترًا، وطوله خمسون، يفضي إلى فراغٍ بالكاد يكفي لزحف الجسد.

متر واحد ارتفاعًا… متران طولًا… قبرٌ بلا نافذة ولا سماء.

تسللت إليه وكأنني أعبر ولادةً بطيئة نحو عالمٍ بلا هواء. ظهر عند الباب الفتى ذو الملامح الهادئة—ابن الجيران، ابن السادسة عشرة — بعينين تجمعان براءة الطفولة وثقل الخوف. كان يعرف أن هذا البيت مهجور، وأن وجودي فيه يمكن أن يبتلع عائلته كلها في دوامة الانتقام. ومع ذلك أغلق الباب المعدني عليّ، ورتّب فوقه الفرشة والسرير الخشبي ليُخفي أثر المدخل، ثم اختفى… وبقايا طفولته ترتجف على كتفيه. كان حضوره وعدًا بأنني لست وحدي… وأن شجاعةً غير مرئية تحرس هذا القبر الضيق.

توقف الزمن. كل دقيقة تحولت إلى دهْر. وعند الحادية عشرة صباحًا، دوّى انفجارٌ عنيف.

ارتجّ المخبأ وسقط الغبار من السقف كأن البيت ينهار فوقي.

اقتحم رجال السلطة الدار… وقع أحذيتهم الحديدية يهزّ الأرض، وصوت أسلحتهم يطعن السكون.

سمعت صراخهم يأمر الفتى بالإجابة، وسمعت صوته الهادئ يردّ بثباتٍ عجيب… رغم أنه يعرف مكاني، ويقف فوق قبري الإسمنتي مباشرة.

امتد الخوف في عروقي كأفعى.

جفّ حلقي، وضاق صدري، وصارت الرئة تستجدي هواءً لا يأتي.

ولم يكن خوفي حينها من أن ينكشف أمري، فالموت كان يبدو أحياناً خلاصاً من هذا الرعب، بل كان رعبي كله على عائلة الفتى الطيب؛ كنت أعرف أن قبضهم عليّ تعني لهم هدم البيت وإبادة العائلة بأكملها، جزاءً على إخفائي. كلّ شهيقٍ وزفيرٍ مني كان فضيحةً تكفي لقتلي، كأنّ أنفاسي وحدها جريمة تستحق الموت، فكتمتها حتى كادت رئتاي تنفجران. وعندما خفتت الأصوات فوق رأسي، وساد صمتٌ مخيفٌ يوحي بالرحيل، دفعتُ باب المخبأ قليلًا، فتحت شقًا ضيقًا، ابتلعت جرعة هواء، ثم أعدت إغلاقه بسرعة. لم أكن وحدي تماماً في هذه العتمة، ففي الساعة السادسة مساءً، سمعتُ طرقاً خفيفاً على السرير الذي يغطي المدخل. كان هو، الفتى الصغير، يتسلل في صمتٍ يحمل في عينيه بشائر النجاة. همس لي بأن حظر التجوال قد رُفع، وأنهم أعلنوا ذلك في مكبرات الصوت. بساعديه النحيلين، اللذين حملا من الشجاعة ما يفوق الجبال، أزاح السرير والفرشة، وساعدني على الخروج من ذلك القبر الإسمنتي. نظرتُ إليه بعينين دامعتين، أدركتُ فيهما حجم الخطر الذي خاضه مرتين لأجلي، فصمتنا معًا كان أبلغ من آلاف الكلمات. كان جسدي مثقلًا بالغبار، وروحي مثقلة بما هو أعمق من الغبار والتراب. لكن المدينة لم تستقبلني. كانت مشدودة الأعصاب، يقطع صمتها صراخ الرصاص من جهة الحامية العسكرية، وكأن الغروب نفسه يُقاد إلى المقصلة.

لاحقًا عرفت حجم الفاجعة:

شبابٌ أبرياء فرّوا من جحيم الحرب العراقية–الإيرانية… أُعدموا بلا محاكمة. بيوت هُدمت.

عائلات اقتيدت إلى مصير مجهول… اختفوا كأنهم لم يولدوا.

وقفت في ذلك البيت الموحش، أتأمل الجدران التي احتضنت رعبي وصمتي.

ظننت أنني خرجت من المخبأ… لكن الحقيقة أنني لم أخرج منه قط.

مدينة مغلقة ببابٍ من إسمنت الوعود الكاذبة… بلا نافذةٍ تطل على الحرية.

********************************************

الصفحة الثانية عشر

في {غاليري مجيد}.. د. فوزي الهيتي عن الفلسفة وجدواها

متابعة – طريق الشعب

في مناسبة اليوم العالمي للفلسفة 20 تشرين الثاني، احتضنت قاعة "غاليري مجيد" في بغداد، الجمعة الماضية، محاضرة عنوانها "لماذا الفلسفة، وما جدواها اليوم؟"، ألقاها د. فوزي حامد الهيتي، التدريسي في قسم الفلسفة بكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

المحاضرة التي استمع إليها جمع من المثقفين والمهتمين في القضايا الفكرية، استهلت بالحديث عما دعا اليونسكو إلى تخصيص يوم عالمي للفلسفة، لا سيما بعد أن لاحظت ان الصراعات ترتفع في الأماكن التي يغيب عنها التفكير الحر.

وفي محاضرته، تحدث د. الهيتي عن الفائدة من الفلسفة عبر محاور عدة، مشيرا إلى أن الفلسفة تمنح الفرد القدرة على تحليل الأفكار بدلا من التقليد والاتباع الأعمى، وانها تساعده على تعرية العلم الزائف، ويمكن أن تجعل الحياة أفضل، متسمة بالفضيلة.

فيما ألقى الضوء على "مأساة الفلسفة"، من حيث ضعف حضورها رغم أهميتها الكبيرة في مواجهة المشكلات اليومية. 

ثم تحدث عن حضور الفلسفة الأساسي في مجال العلم، والذي رآه يكمن بالدرجة الأولى في بناء البراديمات الكبرى (النماذج الفكرية أو نظم التفكير المعنية برؤية العالم وفهمه).

وأضاف قوله أن الفلسفة تكشف التحيّز المعرفي المُنغلق، وتهتم بإعادة صياغة الأخلاق بالشكل الأمثل، لافتا إلى أن "الفلسفة هي الوحيدة اليوم قادرة على تحدي الذكاء الاصطناعي، بدعوتها إلى تشريع أخلاقيات ضابطة للتكنولوجيا والبيئة".

وخلص المحاضر إلى ان الفلسفة يجب أن تكون دائما في خدمة الإنسان، وانها تعمل على ترقية الوعي الإنساني، وتحث البشر على التواضع وتقبّل الاختلاف في الرأي "فالفلسفة وجدت كي تقول لنا: لا حقيقة مطلقة أيها الإنسان.. تواضع، طريقك طويل نحو الإنسانية الأكثر نضجا".

وأثارت المحاضرة أسئلة ومداخلات طرحها العديد من الحاضرين، وعقّب عليها د. فوزي الهيتي بصورة ضافية.

*****************************************

الموصل.. اختتام مهرجان أبي تمام الشعري السابع

 متابعة – طريق الشعب

اختتمت الاثنين الماضي في مدينة الموصل، فعاليات مهرجان أبي تمام الشعري السابع، والذي أقامه اتحاد الأدباء والكتاب في نينوى بدعم من "جامعة النور" في المحافظة، على مدى 3 أيام.

وشارك في المهرجان الذي حملت دورته هذه اسم الشاعر يوسف الصائغ، شعراء من نينوى وبغداد ومحافظات عدة، فضلا عن شعراء عرب. وشهد حفل افتتاحه، السبت الماضي على قاعة النشاط المدرسي في الموصل، كلمات في المناسبة، ألقاها كل من الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب الشاعر عمر السراي، ومدير عام تربية نينوى محمد إبراهيم عبودي، ورئيس قسم النشاط المدرسي الشاعر خالد اليساري. إذ أشارت الكلمات إلى أهمية دور الثقافة في الحياة، إضافة إلى أهمية مهرجان أبي تمام في دفع عجلة الأدب في نينوى، ونشر المفاهيم الإنسانية بما يخدم الوطن بعامة.

وفي مساء اليوم نفسه، انطلقت أولى جلسات المهرجان الشعرية، وذلك على قاعة "فندق رامادا"، بحضور جمع كبير من المثقفين ومحبي الأدب، ومشاركة شعراء عديدين، لتستمر الجلسات الشعرية على مدى أيام المهرجان، وتُقام في أماكن موصلية عدة. 

**********************************************

نداء..  قمع الموسيقى يمهد لقمع الحرية

سعد عزيز دحام

إلى كل فنانٍ يوقظ بضوء ريشته عتمة العالم، إلى كل كاتبٍ يحرّر بالحبر ما تعثر في الروح، إلى كل مثقفٍ ما زال قلبه يخفق للعراق، إلى ضمير هذا الوطن الذي لم ينطفئ.

يا حُرّاس الجمال، يا صُنّاع الدهشة، يا عشّاق النغم الذي يشبه صلاةَ الحياة.

اليوم تتعرض البصرة، رئة العراق ومدينة السياب والخليل والفراهيدي، لهجمة غليظة تُحاول أن تخنق نبضها، وتغتال موسيقاها، وتطفئ ابتسامتها التي قاومت كل العواصف. لم يكن المنع القسري لحفلٍ فني مجرد إجراء عابر، بل كان محاولة لانتزاع روح المدينة، ولإلباس البصرة ثوباً غريباً عنها، ثوباً يحمل ملامح (قندهار) المتجهّمة، لا ملامح البصرة الوضّاءة التي علّمتنا معنى الشِعر والحب والتمر والماء والضوء.

نحن اليوم أمام لحظةٍ أشبه بامتحانٍ للضمير، فحين يُحاصَر الفن، تُحاصَر الحياة ذاتها. وحين تُقمع الموسيقى، يُمهَّد الطريق لقمع كل شكلٍ من أشكال الحرية. الصمت ليس خياراً. الصمت قبولٌ خفيّ بأن يتحول العراق تدريجياً إلى سجنٍ واسع، تُحركه قيود المحرّمات بدلاً من قوة القانون، ويقوده مزاج التشدد بدلاً من روح الدستور.

لذا، ندعوكم يا من بأقلامكم تُضيئون العتمة، وبريشكم تُنبتون الأمل، وبأصواتكم ترفعون سقف الحلم، ألا تتركوا البصرة وحيدةً في مواجهة هذا الظلام. هذه المدينة التي أنجبت أول القصيدة العربية تستغيث اليوم بأبنائها. قفوا معها. اكتبوا، ارسموا، غنّوا، فالفن ليس ترفاً، بل هو خط الدفاع الأخير عن إنسانيتنا.

إن الدفاع عن حق البصرة في الفرح هو دفاع عن حق العراق كله في البقاء على قيد الضوء. لنهتف معاً بصوت واحد، لا يرتجف: البصرة مدينة للحياة، وستظل كذلك، ولن تكون يوماً مقبرةً للأحلام.

عاشت البصرة، مدنية، حرة، خلاقة، وباقية كما أرادها عشّاقها. سعد عزيز دحام

***********************************************

يوميات

• يُنظم نادي السرد في الاتحاد العام للأدباء والكتاب، هذا اليوم الخميس وغدا الجمعة، ورشة بعنوان "فن كتابة المذكّرات والسيرة واليوميات"، يُحاضر فيها الكاتبان زهير الجزائري ود. ميثم هاشم طاهر، ويديرها الكاتب خضير فليح الزيدي.

تُباشر الورشة أعمالها في الساعة 4 مساء في كلا اليومين، على قاعة الجواهري في مقر الاتحاد بساحة الأندلس.  

• يُنظم "مُلتقى روّاد المتنبي" الثقافي في بغداد غدا الجمعة، محاضرة بعنوان "آفاق طريق التنمية"، يُلقيها الباحث الاقتصادي ثامر الهيمص.

تبدأ المحاضرة في الساعة 11 ضحى على "قاعة علي الوردي" في المركز الثقافي البغدادي بشارع المتنبي.

• يُضيّف ملتقى "بيتنا الثقافي" في بغداد بعد غد السبت، د. طه آل ياس، ليلقي محاضرة بعنوان "العقل العام وسلطة المجتمع: إرث التنوير الكانتي".

تبدأ المحاضرة في الساعة 11 ضحى على قاعة المنتدى في ساحة الأندلس.  

• يعقد نادي الشعر في الاتحاد العام للأدباء والكتاب، بعد غد السبت، جلسة شعرية بعنوان "مرايا الشعر"، يُشارك فيها الشعراء د. رعد البصري، أحمد حسن مكطوف، عدي السراي ووليد البغدادي.

الجلسة التي من المقرر أن يديرها الشاعر حماد الشايع، ويُقدم فيها الناقد د. اياد الحمداني اضاءات نقدية، تبدأ في الساعة 11 ضحى على قاعة الجواهري في مقر الاتحاد.

******************************************

أما بعد ..  اختلال قيمي لأطفالنا

منى سعيد

أثار حفل الشاب السوري" الشامي" الذي أقيم أخيرا على قاعة دجلة في بغداد ، موجة من السخط المجتمعي خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي  باعتباره  اختلالاً قيمياً  لسلوك أطفالنا، وتجاوزاً على براءتهم، وانتهاكا لها بعدما ارتقت مسرح الحفل  مراهقات صغيرات ، يبكين بحرقة وبصخب مرددات أغانيه. ولم يكتفين بذلك بل  قبلن المطرب  " في حبيّات وغراميات " ورفضن النزول عن المسرح ، وسط دهشة الجمهور و تفاعلهم الفوضوي معتبرين الأمر تعديا على حرمة البيوت واستنفارا لعواطف الصغيرات.

 وبدوره حلل هذه الظاهرة علميا الأستاذ فواز الصفار رئيس تحرير مجلة " أصدقائي" الموجهة للأطفال في فديو حقق انتشارا واسعا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرا انها أولا وأخرا تعكس مدى تدني الثقافة لدى الأطفال فضلا عن ضعف وهشاشة منظومتنا التربوية. 

واوضح ان عدد  الأفراد في مجتمعنا العراقي  ضمن الفئة العمرية من صفر الى 14 سنة بلغت 16,555,000  حسب آخر احصاءات التعداد السكاني الذي أعلن أمس ،  أي أنهم يشكلون نسبة عالية جدا تقترب من  ثلث السكان وأغلبهم غير مثقفين.

ووفق احصاءات رسمية سابقة قُدر عدد الأميين ب 11 مليون أمي،  ترتفع فيها نسبة الأمية لدى الإناث في المناطق الريفية على نحو خاص بسبب الفقر ، وضعف الميزانية المخصصة لقطاع التعليم ، ونقص المدارس في المناطق النائية.

واكد أن من أهم وسائل التوعية فضلا عن إصلاح النظام التربوي ككل ومكافحة الأمية ،  ايلاء  ثقافة الطفل الاهتمام اللازم،  ضاربا مثلا بمجلته التي يخرجها بجهد شخصي منذ سبع سنوات بواقع خمسة آلاف نسخة شهريا لكن إعدادها تدنت إلى خمسمائة نسخة فقط في العام الماضي وعجز عن إصدارها هذا العام بسبب التكاليف الباهظة للكتّاب والرسامين ، موجها اللوم إلى الجهات الثقافية المعنية ، كوزارة الثقافة والجهات المتنفذة الأخرى التي لم تتوان عن صرف ملايين الدولارات لغرض استضافة مؤتمرات لبضعة أيام لا ندري مدى أهميتها للمجتمع العراقي مثل مؤتمر(السيدة الأولى) الذي كلف خمسة ملايين دولار، ساخرا بالقول" لو احصل على خمسة ملايين دولار ، اخلي حتى الطفل ببطن أمه يقرأ"!  موضحا في الوقت نفسه بذله الجهود المكثفة لعرض طلباته بتوفير الرعاية للمجلة ولغيرها من المشاريع الثقافية التي تعنى بالطفولة.

أما دار ثقافة الأطفال فتشهد انتكاسة ثقافية مفجعة مقارنة بما نتذكره عنها،  وأنا شاهدة عليها لاشتغالي بها لمدة خمس سنوات، اذ كان نتاجها أبان السبعينات والثمانينات يتسم بالغزارة والنوعية.  وحدها  مجلة (مجلتي) كانت تطبع مليون نسخة شهريا- فضلا عن جودتها، وسعة انتشارها لأغلب الدول العربية ولشمال أفريقيا ، والتي لا يمكن مقارنتها بتاتا بحال الدار اليوم، وما تنتجه من أعداد شحيحة بكوادر ضعيفة وبتوزيع قاصر لا يبلغ القراء.

قف.. مسرحية السهرة

عبد المنعم الأعسم

يسهر مشاهدو حوارات الديكة على الفضائيات، هذه الايام، ومنذ انتهاء الانتخابات، على مسرحية (وقل مهزلة) مسلية بعنوان "المنقذ" وهو الشخص الذي سيكون رئيس وزراء لأربع سنوات قادمة يتكفل خلالها بانقاذ القارب من الغرق، وإيصال قراصنة المال العام، وسُراق عقارات، وسمعة الدولة، الى برّ الامان، ولكي لا ينقلب القارب وسط العواصف، ويغدو ركابه طُعما للحيتان الكواسر.

الاسماء كثيرة، بعضها أطلق جسّاً للنبض لقياس المقبولية، والبعض الاخر دُسّ في الشبكة العنكبوتية من قبل مولعين بحرق الاسماء، والبعض الثالث من الوزن الخفيف (وقل الريشة) مما أضحك ترشيحه متابعي المسرحية، والبعض الرابع، يتخفى، ويتغيّب، ليقال انه رُشّح من دون علمه، والبعض الخامس، مرفوض من الجار القريب، والسادس مرفوض من الحليف الحبيب، والسابع سبقته الخطوط الحمراء من منتسبي نادي المحاصصة، والثامن رائحة فضائحه وفساده تُزكم الانوف، والتاسع كل رصيده من بيت سياسي تركه، والعاشر بلا طعم، ولا رائحة، ويمشي الحايط، الحايط..

وقد يستبق المراقب نهاية المسرحية فيتوقع ان يكون "المنقذ" بمثتابة لُغم.. فيحدث ما لا يُحمد عقباه.. وبأسهم بينهم. 

*قالوا: "يأتي على الناس زمان لا تـُقرّ فيه عينُ حليم".

لقمان الحكيم

******************************************

بعقوبة.. منتدى {أبو رقية} يواصل نشاطه الثقافي

بعقوبة – محمد الخياط

يواصل منتدى "أبو رقية" الثقافي في بعقوبة، تنظيم نشاطاته كل يوم سبت من الأسبوع، بحضور كبير لوجوه ثقافية وعلمية واجتماعية.

وفي نشاط المنتدى الأخير، ألقى الكاتب ثابت الدليمي محاضرة بعنوان "خرنابات في التاريخ"، تحدث فيها عن تاريخ قرية خرنابات في ديالى، وعرّج على تفاصيل كثيرة فيها.

وشهدت المحاضرة التي أدارها الباحث عبد المطلب العزاوي، تفاعلا من قبل الحاضرين، الذين قدموا مداخلات غنية.

*****************************************

معرض العراق الدولي للكتاب يحتفي بمائة امرأة عراقية

متابعة – طريق الشعب

المطربة سليمة مراد والشاعرة نازك الملائكة وأول وزيرة عراقية نزيهة الدليمي والمعمارية زهاء حديد، سيُحتفى بهن ضمن مائة امرأة عراقية من المبدعات، كاتبات وفنانات تشكيليات وسياسيات، فضلا عن أول سائقة وأول مصورة فوتوغرافية وأول عارضة أزياء في البلاد، وذلك في معرض العراق الدولي للكتاب بنسخته السادسة، والذي تقيمه "مؤسسة المدى" للثقافة والفنون والنشر في الفترة من 3 حتى 13 كانون الأول المقبل، على أرض معرض بغداد الدولي.

وفي حديث صحفي، قالت المدير العامة لـ"مؤسسة المدى"، غادة العاملي، أن "في كل دورة من دورات معرض الكتاب نخصص رمزاً نحتفي به ونستعرض إنجازاته وننظم محاضرات وبرامج عنه، وفي هذه النسخة سنكرم ونحتفي بمائة امرأة عراقية قدمن إنجازات حضارية خلال قرن من الزمان".

وعن الاستعدادات للنسخة المُرتقبة من المعرض، ذكرت العاملي انه "كثفنا جهودنا على حضور الكتب العلمية، لأننا في كل دورة نبحث وندرس ما يحتاجه القارئ العراقي والجامعات وسوق الكتب، وتوصلنا بعد دراسات دقيقة إلى أن هناك إقبالاً على الكتب العلمية. حيث يعاني سوقنا شحّتها، لهذا استوردنا عناوين بكميات كبيرة في الطب والهندسة والكومبيوتر والأمن السيبراني، من دور نشر عالمية، وبلغات عدة، وكلها من إصدارات العامين الماضي والحالي".

كما تحدثت عن دور النشر التي ستشارك في المعرض. وقالت: "نحن نختار دور نشر رصينة معيَّنة لديها قراء وجمهور في العراق. إذ ستقتصر المشاركة على 350 دارا عراقية وعربية وأجنبية"، مبينة أن "الأهمية لا تكمن في عدد دور النشر أو في كميات عناوين الكتب، إنما بنوعية العناوين وحداثتها".