لم تكنْ تظاهرات حملة الشهادات العليا في بغداد، ولا احتجاجات المقاولين أمام بوابات المنطقة الخضراء، وقائعَ عابرة في روزنامة الاحتجاج، بل تعبيراً مكثفاً عن مأزق اقتصادي–اجتماعي بلغ حدوده القصوى، وكشف بوضوح طبيعة الصراع القائم، صراع بين مجتمع يُفقَر تدريجياً، وطغمة راكمت المال والنفوذ تحت مظلة اقتصاد ريعي فاسد.
في ملف فرص العمل والتعيين، لم تعد المطالب عامة أو فضفاضة، إنما باتت محددة بالأسماء والاختصاصات. فقد شهدت الأسابيع الفائتة عدداً من الاحتجاجات، رصدتها وتابعتها جريدة "طريق الشعب" ضمن تغطياتها الميدانية، إذ نظم خريجو المهن الطبية وقفةً أمام وزارة المالية للمطالبة بتعيينهم، قبل أن تُفرَّق بالقوة. وفي محافظة ميسان، تظاهر الأطباء المقيمون من دفعة 2024 غير المعينين أمام مدخل مستشفى الحكيم، مطالبين بالتعيين. كما شارك خريجو كليات طب الأسنان في احتجاجات مماثلة، في مشهد يعبّر عن انسداد الأفق أمام اختصاصات يُفترض أنها من ركائز أي نظام صحي. وفي مثال آخر، تواصلت احتجاجات موظفي مطار بغداد الدولي للأسبوع الثالث على التوالي، رفضاً لقرار فصل المطارات عن الملاحة الجوية، لما يحمله من تهديد مباشر للأمن الوظيفي ومستقبل العاملين.
أما في ملف الخدمات الأساسية، فتتكرر الصورة ذاتها وبالوضوح نفسه؛ ففي حي النداء، قطع محتجون الطريق الرابط بين محافظتي النجف وكربلاء، احتجاجاً على تسويف مطالب توفير الخدمات. وفي كركوك، نظم أهالي حي كردستان تظاهرة للمطالبة بتحسين التيار الكهربائي وزيادة ساعات التجهيز. وفي البصرة، نظم أهالي ناحية المصطفى وقفة احتجاجية للمطالبة بتوفير الماء الصالح للشرب، فيما شهدت ناحية المحاويل تظاهرة مماثلة رغم قرار منع التظاهر. أما في الديوانية، فقد خرج أهالي حي السلام في تظاهرة وسط مركز المحافظة احتجاجاً على تردي الواقع الخدمي وعدم إكمال مشاريع البنى التحتية. هذه الاحتجاجات، سواء تعلقت بالعمل أو بالخدمات، تكشف الوجه الطبقي للأزمة: آلاف من أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة يصطدمون بجدار دولة لا تبصر حاجات المواطنين.
في قلب هذا المشهد، يبرز الإنفاق الانتخابي الفاحش بوصفه فضيحةً طبقيةً مكتملة الأركان. أموال تُنثَر بسخاء على الدعاية، فيما يُطلَب من الخريج انتظار وظيفة، ومن المواطن انتظار ماء وكهرباء، ومن المقاول انتظار مستحقاته. هذه ليست مفارقة، بل سياسة واضحة: المال يُستخدَم حيث يخدم السلطة، ويُحجَب حيث يخدم المجتمع.
ثم تأتي قرارات المجلس الوزاري للاقتصاد، الصادرة في 15/11/2025: تقشف، جبايات، وتقليص نفقات، أعقبتها إجراءات بزيادة الضرائب والرسوم والتعرفة الكمركية على عدد من المواد، ومنها الأدوية، ما تسبّب في ارتفاع الأسعار، لتقع أعباؤها الثقيلة على الفقراء ومحدودي الدخل.
قرارات تقدم بوصفها "إصلاحاً"، لكنها في حقيقتها تحميلٌ منظم لكلفة الأزمة على الفئات الأضعف، من دون أي اقتراب جدي من اقتصاد الظل، أو العقود الوهمية، أو شبكات الفساد المحمية.
لهذا، لن تتوقف هذه الاحتجاجات، حتى لو خفت صوتها. فالصراع لم يعد على مطلب هنا أو قرار هناك، بل على شكل الدولة ومحتواها. فحين تتحول الحقوق إلى مطالب، والمطالب إلى احتجاج، والاحتجاج إلى قمع أو تسويف، فذلك إعلان صريح بأن الدولة لم تعد تُدار لصالح مواطنيها، بل ضدهم.