من المعروف أن السياسة النقدية جزء لا يتجزأ من السياسة الاقتصادية العامة للدولة وأهميتها تتجسد في التعبير عن مراقبتها لعرض النقد عن طريق البنك المركزي عبر استيعاب الآليات التي ينتقل أثر هذه السياسة لتحقيق أهداف السياسة الاقتصادية وبوجه خاص في الجزء المتعلق بدور البنك المركزي في هذه السياسة التي تتمثل في أربعة أهداف أساسية التي يعرفها الاقتصاديون بالرابع السحري المتمثل برفع مستويات النمو وفي واستقرار سعر الصرف ومحاربة التضخم وتحقيق التوازن الخارجي في ميزان المدفوعات.
ومن المناسب الإشارة إلى أن العراق بدأ بتطبيق ما أسماها سياسة الإصلاح المالي والمصرفي منذ عام 2004 بهدف مواكبة التطورات المالية والمصرفية العالمية التي تقوم أساسا على التحرر من القيود وزيادة حد المنافسة بين المصارف واستعمال وسائل تكنولوجية متطورة للاتصالات والمعلومات، ومن بين هذه المعرقلات وحدودية الخدمات المصرفية وقلة الخبرات الكافية لتقديم القروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الداعمة لعملية النمو الاقتصادي.
وكان لتداعيات ضعف الرقابة المصرفية على الجهاز المصرفي الذي يزيد عدده على 90 مصرفا تحولها بشكل أو بآخر إلى منصة للمضاربة بالعملة مما نتج عن ذلك اضطراب سعر الصرف الذي يتحمل مسؤوليته المباشر البنك المركزي بحكم وظيفته الرئيسية في التنظيم والمراقبة، وبناء على ما تقدم من هذا الانفلات أدى إلى ظهور علامات أشد غرابة في البيئة المصرفية يمكن إيجازها بضعف القطاع الخاص في الاقتصاد العراقي وتوجيه رأس المال إلى الخارج بدلا من الداخل بالإضافة إلى ضعف تقاليد العمل المصرفي والثقافة المصرفية.
إن مجمل التوصيفات التي تطرقنا لها تعد أسبابا مباشرة لعلامات الانهيار التي تتعرض له قيمة الدينار العراقي والتي كانت منطلق سخط معظم العراقيين ولاسيما الشرائح الفقيرة وأصحاب المداخيل الشحيحة التي يتقاضاها موظفو الدولة ارتباطا بسعر قيمة الدولار الذي يقابله انخفاض قيمة الدينار العراقي الذي أقدم عليه البنك المركزي في عام 2021 وارتفاع قيمة الدولار الذي يقابله انخفاض قمة الدينار والذي يشكل ضربة قاتلة في معيشة العراقيين اليومية وخاصة الضغط المستمر على القدرة الاستهلاكية وما رافق ذلك من ارتفاع مستوى الأسعار في السوق، ومما هو جدير بالإشارة إلى أن الدولار بات من أبرز الأدوات التي تتيح لوزارة الخزانة الأمريكية فرض سيطرتها على المصارف المركزية في العالم بحجة قيامها بإصدار الدولار الذي أصبح عملة عالمية ومنحت لها حق السيطرة بحجة حمايته من الانتقال إلى المنظمات الإرهابية في العالم التي تمتلك حق محاربتها في العالم ولها الحق في مراقبة حركة الدولار في العالم مما يمنحها الحق في فرض هيمنتها على المصارف العالمية.
وانطلاقا مما تقدم فإن ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازي حاليا الذي وصل في حده الأقصى 1850 دينار للدولار الواحد ثم انخفض إلى 1530 دينار بالتوازي مع ارتفاع سعر الذهب وعجز السلطات النقدية والحكومة عن خفضه،(إن ارتفاع سعر صرف الدولار وعجز السلطات النقدية والحكومة عن خفضه وتحقيق استقرار الدينارهو مظهر لأزمة أعمق من الإجراءات الرقابية التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية ونظام التتبع للدولار المحول من العراق فضعف الثقة بالبنك المركزي والمصارف العراقية والتحويلات الصادرة عبرها يعكس النسبة العالية من التحويلات التي لا تذهب إلى الجهات المعلن عنها رسميا*.
ومنعا للانفلات في أسواق العملة التي تتسبب في ارتفاع سعر الدولار وانعكاساته عل الاقتصاد العراقي وحياة الناس اليومية فإن الدولة مطالبة بتحويل مناهجها إلى أفعال على الأرض من خلال:
1. قيام البنك المركزي بممارسة دوره في إحكام الرقابة على حركة النقد داخل السوق عبر دراسة ورصد ما يجري في السوق وحركة العملات بين المصارف الحكومية والأهلية وجهات تحويلها.
2. ومن الصعوبة الاعتماد على أشكال الرقابة على الجهاز المصرف بالأساليب التقليدية والتركيز بجدية باعتماد الأتمتة في عملية الرقابة التي تمكنها من رصد حركة العملة اليومية بين المصارف.
3. مراجعة المصارف الأهلية وتتبع تحويلاتها اليومية وفرض أقسى العقوبات على المصارف المخالفة وعدم التساهل في ذلك لأي سبب من الأسباب.
ـــــــــــــــــــ
*الرفيق رائد فهمي
طريق الشعب 3 كانون الثاني 2023