في هذا الأسبوع قرّر، لا يُعرَف منْ، أن يمنع مهرجانًا للقراءة في الناصرية. وكان، لا يُعرَف منْ، قد قرّر أن يُكفِّر مهرجانًا للغناء في البصرة، وفي معرضٍ للكتاب قرّر، لا يُعرَف منْ، أن يمنع عرض مطبوعات لأنها لا تروق له. جرى كلّ هذا في عراقٍ "ينعم" بالديمقراطية، وينصّ دستوره على احترام حرية التفكير والتعبير؛ دستوره الذي لا تسري بنوده على هذا الذي يقرّر دون أن يعرفه أحد، هذا الذي يرى الغناء ممنوعًا، والضحك مكروهًا، والفرح مؤجَّلًا، والكتاب خطرًا.
ولكن، هل أتى هذا بجديد؟!
طيلة قرون، حاول "الأسياد" الذين استغلّونا وأجاعونا وسرقوا نتاج عملنا، وغيّبونا عن مراكز القرار، وأحرقونا حطبًا في صراعاتهم وحروبهم، أن يُغرقونا في لجة الأسى ويحرمونا من مصادر المعرفة، كي يمتلكوا عقولنا، ويمنعوا عنها دهشة الاكتشاف وجِدّة البحث، فنَتيه في فوضى العبث؛ عسى أن نرى في القناعة بالظلم كنزًا لا يفنى، ونقدّس الملكية المستغِلّة، ونفقد الثقة بالقدرة على الفعل الذي تشرق من أفقه شمس الحرية والعدالة. ثم جاءت الثورة الرقمية فاستبشرنا بها، معتقدين أنها فضاءٌ حرٌّ ومشاعٌ للجميع، قبل أن نكتشف أنها سوقٌ هائلةٌ تبيعنا أنفسنا، ومصانعُ لتوجيه انتباهاتنا إلى حيث يريدون، وتكافئنا خوارزمياتها غالبًا بالتفاهة، لتحوّل تجاربنا الإنسانية إلى سلعةٍ تُباع وتُشترى.
وخلال عقود وعقود مضت، كان الفاشيون يتحسّسون مسدساتهم حين يسمعون مفردة ثقافة، ويحطّمون رؤوس المفكرين عسى أن يميتوا فيها الفكرة، ويمزّقون أجساد المبدعين كي لا تبزغ منها شموس التنوير.
لكنهم سرعان ما مضوا جميعاً، وتحطّمت أسلحتهم، مذ ازدان وعينا بالكتب وبددت لنا نوافذ رقميةٌ حلكة العتمة، فعرفنا أن في العالم سعةً تفوق المساحة التي يريدون حبسنا بين جدرانها. وتسلّلت إلى أرواحنا ضحكةٌ صافية، وولد فيها الفرح، لا بوصفه ترفًا، بل لأنه إدراكٌ وفعلُ مقاومةٍ في جوهره، فالضحك أمام من يبثّون الرعب، والسخرية من خطابات التجهّم، والغناء رفضاً لأوامر المستبدّين، متصنعي الحكمة الزائفة، تمرّدٌ إنسانيٌّ على القهر، وشررُ احتجاجٍ سيندلع من مستصغره اللهيب.
وأيضاً مذ وعينا بأن القراءة تجسيد حقيقي لشكل أصيل من أشكال المقاومة، لأنها تحصيل للمعرفة، وإعادةً لامتلاك الزمن وتأمّل اللغة والإبحار بعيدًا في عمق الفكرة وخلق حوارٍ داخليٍّ بعينٍ ناقدة تميّز بين ما هو ظاهر وما تخفيه السطور، لاسيما مع سرعة التدافع في وسائل التواصل الاجتماعي.
وأيضاً مذ أدركنا بأن المشكلة ليست في التكنولوجيا، كما لم تكن يومًا في الكتاب، وليست في الفرح رغم القهر والاستغلال، بل فيمن يوظّفها ليحمي السُّحت الذي يكتنزه، ويديم سلطاته الجائرة التي تستعبدنا وتسرق لقمة أطفالنا.
ولهذا تفتحت الأفاق رحبة، وتواصل الصراع ضد التجهيل في كل أرض وحين، وضد التدجين على شبكات الثورة الرقمية، وجرت صيانة أدوات المقاومة، الفرح والقراءة والتزوّد بالمعرفة، في مواجهة لا تلين للخصم الطبقي، وبقيت خالدةً تنعش الأرواح، مسرحيات بريشت، وروايات توماس مان، وأغاني جارا، وقصائد نيرودا وأراغون ودرويش والنواب، وموسيقى ثيودوراكيس، ولوحات بيكاسو ودالي، فيما لم يتوقّف عقل غرامشي عن الابتكار!
وبقيت فضاءات أرواحنا نابضةً بالخير للبشر، ومشرقةً بالحب والفرح، وعطشى للمزيد من المعرفة. وبقي العناد الثوري الذي يسكننا يسخر من الخوف، وتهزّ ضحكته البريئة عروش الطغيان.
ولكن، ورغم هذا كله، لا يكف الذي لا يعرفه أحد، من المحاولة، دون أن يُحسن حتى التوقيت، فمنع القراءة بيوم الشهيد الشيوعي، سيلهم الجميع اليقين بأن هذا الذي لا يعرفه أحد لا يمكنه أن ينتصر علينا.