اخر الاخبار

ليس من السهل أن تُقدَّم مرحلةٌ سوداءٌ من تاريخ العراق على الشاشة من دون الوقوع في فخّ اجترار الألم. لكن مسلسل "اسمي حسن"، للسيناريست الأستاذ حامد المالكي، وبإخراج سامر حكمت، وبمشاركة نخبةٍ من الفنانين المبدعين، اختار طريقاً أكثر وعورةً وأعمق أثراً، طريق استعادة تلك المرحلة لا بوصفها حكاية ماضية، بل بوصفها سؤالاً راهناً.

المسلسل يتناول فترةً سياسيةً–اجتماعيةً فارقةً عاشها العراقيون تحت تسلط نظام ديكتاتوري مستبد مارس الفاشية بأساليب مرعبة، وأذاق الشعب الأمرّين. غير أن استحضار تلك المرحلة لا يعني الاستغراق في الألم أو التقوقع داخل الذاكرة الجريحة، بل هو محاولة لفهم ما تبقى منها في الحاضر. فالبعث أزيح عن السلطة، ونظامه سقط، لكن هل السلوكيات التي ترسخت في ظله بادت جميعا؟ هنا تكمن أهمية هذا العمل.

الديكتاتورية لم تكن مجرد قبضةٍ أمنيةٍ أو آلة قمعٍ سياسي، بل كانت منظومةً فكريةً– ثقافيةً قائمةً على الإقصاء، وعلى تأليه السلطة، وعلى تحويل الدولة إلى أداة هيمنة. وهذه المنظومة، وإن أُزيحت عن الحكم وانكسرت سياسياً، فإنها لم تتلاشَ تماماً، بل تركت آثارها العميقة في الثقافة والسلوك وأنماط الإدارة، وبعضها ما يزال يتجلى في الواقع بأشكالٍ مختلفة.

إذا كانت قسوة الجلاد قد فتكت بالشعب العراقي في زمن الديكتاتورية، فإن قسوة الفساد اليوم لا تقل خطراً. الأولى كانت مباشرةً وعنيفةً، والثانية بطيئةٌ ومتغلغلةٌ. صحيحٌ أنّ المقارنة بين قسوة الجلاد في زمن الاستبداد وبين تعقيدات الحاضر ليست سهلةً ولا عادلةً في كل جوانبها، لكن ثمة خيطاً مشتركاً، فكلاهما استنزف الروح وأرهق الأمل. وفي الحالتين، يبقى الناس هم من يدفع الثمن.

ما يميز "اسمي حسن" أنه لا يكتفي بسرد الألم، بل يلقي كذلك ضوءاً على قوى سياسية واجتماعيةٍ وثقافيةٍ ناهضت الاستبداد، وأسهمت في استنهاض المجتمع. فالذاكرة لا تحفظ فقط سجلاً للضحايا، بل أيضاً سجلاً للمقاومة. واستعادة هذا وذاك تمنح الأجيال الجديدة إدراًكا لكون مقاومة الاستبداد كانت ممكنةً رغم بطش السلطة وأساليبها الفاشية. وبهذا المعنى، فإن الفساد اليوم ليس قدراً محتوماً ولا قوةً ماحقة لا تُواجَه، بل ظاهرة يمكن التصدي لها متى توفر الوعي والإرادة.

فنياً، برع المالكي وحكمت مع زميلاتهم وزملائهم الفنانين والفنيين، في تقديم عملٍ يتقاطع فيه السياسي بالاجتماعي، والتاريخي بالثقافي، بعيداً عن ثقافة الرثاثة والاسفاف، وما نشهده في المسلسلات التي تُنتَج للاستهلاك السريع. وهكذا ففي زمنٍ تتكاثر فيه الأعمال السطحية التي تمحو المعنى وتروج للتفاهة، يأتي هذا المسلسل ليعيد الاعتبار إلى الدراما بوصفها أداة وعي.

الدراما ليست ترفاً، بل وسيلة لطرح الأسئلة الكبرى: ما الذي تغيّر فعلاً، وما الذي لا يزال يحتاج إلى تغيير؟ وكيف ننهض؟ هذه الأسئلة لا تُطرح من باب جلد الذات، بل من باب حماية المستقبل من تكرار الماضي.

الذاكرة حين تستعيد بوعيٍ تصبح قوةً لا عبئاً. ومسلسل "اسمي حسن" يذكّرنا بأن التاريخ لا يُستدعى للبكاء عليه، بل لفهمه، وكي لا يُعاد إنتاجه بأشكالٍ أخرى.

لعل الكلمة الأخيرة ستكون مع اكتمال المشاهدة، لكن الانطباع الأول واضح: ثمة دراما تحاول أن تضع يدها على جرحٍ لم يلتئم تماماً، لا لتفتحه، بل لتقول إن الشفاء يبدأ بالاعتراف، وبحماية الثقافة من كل نزوعٍ إلى الاستبداد، قديماً كان أم جديداً.