الحرب، بالنسبة لي ولأبناء جيلي، جزء من ثقافتنا، ولعنة، ومنذ وقت مبكر، ونحن في المدارس، كنا نوقع على بيانات بوجوب التعايش السلمي بين الشعوب، وذم اعمال الحرب وسباق التسلح، ونُشكّل في ذاكرتنا البريئة صورة بشعة لمشعلي الضغائن واسياد الحرب، فهي (عندنا) تندلع من نقطة غامضة، داكنة، ثم تعم العالم باهوالها.
بالنسبة لي، ربما لأني ولدتُ في ايامٍ هي ذروة في الحرب العالمية الثانية، وقد بقيت في ذاكرة الطفولة مشاهد الجنود الانكليز في ناقلاتهم وهم يرمون لنا بعلب البسكويت، فيما يحذرنا الكبار من أكله، ويعلمون بعضنا على اشارات باليد تعني ازدراء اولئك الجنود وشتمهم، وشاء حظي ان اكون في قلب الحروب الاخرى التي تلت. في حرب السويس كنت متظاهراٍ، وفي حرب الخامس من حزيران كنت عالقاً على الحدود السعودية الكويتية العراقية وأتابع "صوت العرب" وفي حرب 73 وجدت نفسي في طابور المتطوعين امام مكتب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في بغداد للقتال الى جانب الفلسطينيين والعرب، ثم كنت خلال دوامة الحرب العراقية الايرانية، محللا، وكاتبا يوميا. اما حرب العالم على العراق، مرتين، بعد تداعيات غزو الكويت، فكنت قد أيقنت بان الهمج والطغاة اخطر على بلدانهم من الحروب التي يدخلونها بالشعارات "التي ما قتلت ذبابة" على قول نزار قباني، وكنت، ايضا (مع ابناء جيلي) احمل العراق طفلا ألوذُ به بالحيطان كي لاتصيبه شظية، من حرس صدام حسين، او من جيوشٍ لا يُعرف ايّة فصيلة دم تحمل.
*قالوا:
{ستنتهي الحرب، ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد}.
محمود درويش