حظي النداء الوطني الذي أصدره الحزب الشيوعي العراقي باهتمام واسع، ليس من قبل القوى الوطنية الديمقراطية فحسب، بل وبدرجة أساسية من قبل جمهرة العراقيين، للدقة التي مثّلها، سواء بموعد إطلاقه، أو بتحديد المخاطر الهائلة التي باتت تحدق بالبلاد، أو بتشخيصه السليم للمشاكل والمعالجات.
فعلى صعيد التوقيت، جاء النداء متزامنًا مع ترسخ هيمنة تحالف من البرجوازية البيروقراطية، التي ضمّت مسؤولين سياسيين ومدنيين وعسكريين، مع البرجوازية الطفيلية التي تتغذى على المال العام، وتراكم أرباحها من المضاربة بالعقارات والأراضي، ومن الاستيراد والاحتكار وتجارة العملة والعمولات والفساد. هذا التحالف الذي استولى على مجمل الريع وتحكّم بإعادة توزيعه بما يؤمّن حماية مصالحه، مُقصيًا عن صنع القرار وعن النشاط الاقتصادي، الطبقات الشعبية من العمال والفلاحين والكادحين والطبقة الوسطى والبرجوازية الوطنية، مما أوقعه في تناقض تناحري مع الجميع، لا يمكن حله إلا بالتغيير الشامل. وتزامن إطلاق هذا النداء أيضاً مع اشتداد أزمة منظومة المحاصصة التي أنشأها هذا التحالف، جرّاء ما سببته من تآكل في مفهوم المواطنة وسلطة القانون، وما أدّت إليه من خراب اقتصادي واجتماعي.
كما جاء النداء ليعيد التذكير بالمخاطر التي أشرها الحزب دوماً، كالانتهاك الفجّ للسيادة الوطنية، والتدخل المهين في الشؤون الداخلية، وتحول البلاد إلى ساحة تُصفّى فيها الصراعات الدولية والإقليمية، وتعدد مصادر القرار، وتشويه الشكل الديمقراطي للفيدرالية، وضرب الهوية الجامعة، إلى جانب الأزمة الاقتصادية واستنزاف ثروات البلد وتحطيم قدراته الإنتاجية، ونهب ثروته الوطنية، وتراكم الديون عليه، وبقائه لفترات طويلة بحكومات تصريف أعمال جراء فشل أطراف الأوليغارشية في الوصول إلى صيغة توفر لكل منهم حصة دسمة من الريع والمناصب والنفوذ، وتبذير وارداته في مشاريع فاشلة بهدف شراء الولاءات وتخفيف عزلة الحاكمين، في ظل غياب أي استراتيجية تنموية واضحة، وتصاعد القمع والاستبداد، وتراجع حقوق المرأة والخدمات الأساسية المنصوص عليها في الدستور، كالتعليم والرعاية الصحية المجانيين، والحق في العمل والسكن، وحماية ودعم الثقافة الوطنية.
ويأتي الاهتمام بالنداء أيضاً كانعكاس لما حملته مشاريع الحزب من خارطة طريق لإنقاذ البلاد، والتي اعتمدت على اشتراطات مهمة:
أولها فتح الأبواب مشرعة للحوار مع كل القوى السياسية والاتحادات المهنية والفعاليات الثقافية والحركات الشعبية التي تتقاطع مع نهج المحاصصة، وتُجرّم أي انتهاك للحريات، وتعارض بقوة استخدام القيم الروحية أو العشائرية أو العنف في الصراع السياسي، ولا ترتضي بغير التغيير الشامل سبيلًا للخلاص.
وثانيها أن تسعى هذه الجهات، التي تتقاسم الكثير من المهام النضالية، على أساس مصالح منتسبيها في الأحياء والمصانع والأرياف والجامعات والمدارس والمؤسسات المختلفة، إلى توحيد جهودها أو التنسيق فيما بينها لإعادة بناء النقابات والروابط المهنية، ونقل دورها من موقع الدفاع السلبي إلى موقع المبادرة والمقاومة الجريئة، والتحديد الملموس لمطالب الناس وحقوقهم المشروعة وتبصيرهم بها وبسبل انتزاعها، وصولًا إلى بناء قاعدة شعبية واسعة ترفد قوى التغيير بالمزيد من الطاقات.
وثالثها عدم الاستهانة بأي جهد أو فرصة للتنوير والتحديث المجتمعي، وذلك لتبديد الظلمة التي تريد الأقلية المستبدة تأبيدها، ونقل الصراع من انقسامات أفقية بين مكونات المجتمع إلى انقسام عمودي بين الأوليغارشية من جهة، وباقي الشعب بوصفه كتلة اجتماعية متضررة من أنماط الريع والفساد من جهة أخرى، وتبنّي مشروع ثقافي - اجتماعي يفكك الثقافة الطائفية - العرقية المهيمنة والعوامل التي تغذيها، ويؤمّن تناغمًا ثريًا بين الهوية الوطنية والهويات الفرعية.
النداء صرخة امل وعمل، تبصّرنا بأن نجوم الليل حين تغور حزنًا، ترينا في تخومه الفجر البهّي.