اخر الاخبار

شكّل التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي علامةً فارقةً في السنوات الأخيرة، سواءً في التحول الجذري لسوق العمل أو في القلق الذي تخلقه الروبوتات، وهي تنجز أتمتةً كاملة؛ حتى باتت قادرة على تأليف سيمفونيات تتفوق فيها على بيتهوفن وتشايكوفسكي، واجراء جراحات يعجز عنها مجدي يعقوب، وتقاتل بأفضل مما تقدر عليه دبابات أبرامز، وتسُنّ قوانين أرقى مما توصل إليه بلاكستون، وتحل عمليات رياضية لم يفكك أسرارها أينشتاين.

ولعل تعدد وجهات نظر اليسار في مواجهة هذا القلق يبدو طبيعياً؛ حيث استخفّت بعض أطيافه بقدرة الروبوتات على أن تحل محل قوة العمل الآدمية، لأنها ببساطة عاجزة عن أداء نشاطات أولية دون تدخل بشري، ولهذا فالأتمتة برأيهم، تعزز القدرات الإنتاجية لكل عامل وتزيد من فائض القيمة حداً تزداد معه مكاسبه. ولتجنب جوانبها السلبية، تقترح هذه الأطياف فرض ضرائب على شركات التكنولوجيا، وضمان دخل أساسي، أو حماية اجتماعية للعاطلين، وسنّ قوانين تحمي العمال من الاستبدال الكامل بالإنسان الآلي.

أطياف أخرى رأت فيما يجري خطراً ينبغي التحكم به قبل أن يصبح خيال فرانكشتاين واقعاً كارثياً؛ لأن الأتمتة الجديدة شكلٌ من الابتكار التقني الذي يحل محل العمل البشري تماماً، مستندةً في مخاوفها إلى تضاعف عدد البشر الذين يعيشون ببيع قوة عملهم، والتسارع المريع في التفاوت الطبقي، حيث يستأثر عُشر البشرية بأكثر من 76 في المائة من الثروة، ويملك عشرة أغنياء فقط أكثر مما يمتلكه 3.1 مليار إنسان، منهم 828 مليون جائع و100 مليون مشرّد. وتشير هذه الأطياف إلى أن اعتماد تقنيات أكثر تقدماً، واستبدال الشغيلة بآلات متطورة باستمرار، سيخفض الطلب على العمالة، ويوفر فرص عمل جديدة بمضمون استغلالي أبشع، ويرفع مستويات البطالة التكنولوجية، ويخلق مجتمعاً آلياً، فينتج ركوداً يفضي إلى ثبات الأجور، واستيلاء رأس المال، لا العمل، على حصة متزايدة من الأرباح، مما سيعمّق، باضطراد، عدم المساواة بين البشر وبين المجتمعات. وتُظهر الدراسات صحة هذه المخاوف؛ فرغم النمو الاقتصادي في بعض الدول، زادت البطالة، وتدهورت قدرة العمال على انتزاع حقوقهم، واشتد التفاوت في معدلات الأجور، بالضد من مصالح العمال غير المهرة والمهاجرين والملونين والنساء.

ورغم أن اليسار يدعم بالتأكيد الأتمتة التي تحرر البشرية جماعياً من الكدح، فإنه لا يرى التقنيات خارج التقسيم الطبقي للمجتمع والتقسيم الجغرافي بين "الشمال" و"الجنوب"، وبالتالي فإن حدوث ذلك في ظل الرأسمالية، التي تقوم أساساً على أن يبيع البشر قوة عملهم كي يعيشوا، سيفرغه من مضمونه الإيجابي، مما يستلزم أن تقترن هذه الأتمتة "المنفلتة" بتدخل شعبي وحكومي في الاقتصاد يمنع كارثة البطالة الجماعية، ويقطع الصلة بين الدخل الذي يكسبه الناس والعمل الذي يقومون به؛ أي أن يكون هناك قانون اقتصادي ينص على أن جميع العمال، أو حتى أغلبيتهم، سيستفيدون من هذه التطورات. كما يجب معالجة ناتجين عرضيين مهمين هما انتفاء الحاجة للفلاحين في هذا النظام الآلي، وتغيير وسائل التعليم والتدريب، كي تحقق الاستقرار في الطلب على العمالة.

ويتوصل هذا اليسار إلى أن حكومة اشتراكية فقط هي القادرة على تحقيق وعد الأتمتة الكاملة، من خلال خلق مجتمع ما بعد العمل. بل ويربط البعض بين التقدم التقني الهائل المحكوم بنظام عدالة اجتماعية وبين قيام الشيوعية، لأن مستقبلاً مؤتمتاً يُولَّد فيه الذكاء الاصطناعي، والطاقة الشمسية، وتعديل الجينات، وتعدين الكويكبات، سيفضي لعالم من الترفيه اللامحدود، وانتقالةٍ من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية. ويستمر الحوار حتى فجر يفضي لنهار العدالة والتقدم.