اخر الاخبار

يُشكّل تسوّل الفتيات خطراً جسيماً ينتهك طفولتهن ويهدد مستقبلهن، إذ يجعلهن عرضة للاستغلال والعنف والاتجار بالبشر، وقضايا أكبر قد يتورطن فيها دون إرادتهن، مما يدمّر حياتهن بالكامل صحياً ونفسياً واجتماعياً.

وما نراه في الطرقات والتقاطعات الرئيسية ليس ظاهرة طارئة ولا مجرد امتهان التسوّل فحسب، بل هو عملية منظّمة ومشروع استغلال تقوده شبكات إجرامية، تُستخدم فيه الفتيات غطاءً لعمليات النصب والاحتيال والسرقة وبيع المخدرات، ويتحوّلن بسببه إلى أدوات وفخاخ بشرية لتنفيذ جرائم كبرى، دون ان يشعرن بحجم مخاطرها الأمنية والجنائية. ورغم ما يشكّله ذلك من انتهاك لكرامة الإنسان، ولا سيما النساء والأطفال، ورغم المخاطر الجسيمة التي تواجهها هذه الفتيات في الشوارع، فإنهن على الأغلب مرغمات لأسباب كثيرة، أبرزها العوز الشديد والفقر المدقع وعدم القدرة على تأمين متطلبات الحياة.

إن المآسي التي يعيشها المجتمع، كالفقر والبطالة وتزايد عدد الجياع وانتشار المخدرات وارتفاع أعداد المدمنين، لا يمكن أن تتحمل تبعاتها نساء أو طفلات يُجبرن على التسوّل تحت ضغوط من أزواجهن أو آبائهن، ويواجهن العنف مرتين، في الشارع وفي البيت، مما يكسر كرامتهن ويجعلهن يعشن قسوة النظرة الدونية والإهانة وفقدان احترام الذات. كما أن الاستغلال الجنسي والابتزاز والدعارة، تعّد من أبشع المخاطر، فالشارع أشبه بسوق مفتوح للاتجار بهن، بعد أن افتقدن بيئة آمنة تحميهن وتمكّنهن من الدفاع عن أنفسهن، خاصة مع غياب كامل لدور المؤسسات الحكومية في السيطرة على هذه الظاهرة المهينة والخطيرة.

أسئلة كثيرة تلك التي تراود من يرى يومياً هذه الظاهرة بشأن مستقبل النساء والفتيات والطفلات اللواتي يسرن بين السيارات في الشوارع العامة والرئيسية، ويواجهن العنف بأشكال متعددة، ويتم تصويرهن وهن يرقصن على أغانٍ، لكي يتم نشرها في وسائل التواصل الاجتماعي فتُحصد بها مشاهدات أكثر. أين دور مؤسسات الدولة المعنية؟ وكيف تتعامل مع نمو ظاهرة باتت اليوم دليلاً أخر على الإهمال الحكومي لملف قضايا المرأة والطفل؟!

الا تشعر السلطات بالمسؤولية تجاه فتيات وطفلات فقدن حقهن بالحياة الكريمة وفرص التعليم والعيش في بيئة آمنة، وأجبرن على العيش في ظروف معقدة مشحونة بالعدوانية والعنف؟ وما الذي ستجنيه طفلة بعمر أربع أو خمس سنوات، أو فتاة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، أو شابة متزوجة تحمل طفلاً رضيعاً وتتجول بين التقاطعات وهي تغطي نصف وجهها، غير الوصمة المجتمعية؟ ألا ننتبه إلى السلوكيات العدوانية الحادة أو إلى الخضوع والاستسلام اللذين يظهران على هذه الفتيات في محاولة لمقاومة الضغوط التي يتعرضن لها اثناء التسوّل من المارة ومن الذين يجبرونهن عليه؟ ألا يحق لهن الحصول على الإيواء واحتضان الدولة لهن كي ينجحن في مواجهة الانكسار وقسوة ما يتعرضن له من إهانة في كل لحظة.؟

نحن أمام ظاهرة خطيرة جداً وأكثر تعقيداً مما نتصور، وتتطلب استجابة عاجلة من قبل الاجهزة الحكومية، ووضع حلول جذرية وشاملة لإنقاذ فئة تواجه عنفاً وقسوة مضاعفين، وإعداد برامج حقيقية للتأهيل وإعادة الثقة بالنفس وتعزيز قدراتهن على الاندماج في المجتمع.