اخر الاخبار

مرة أخرى يعود الفلاحون إلى ساحات الاحتجاج. ومرة أخرى يخرج خريجو المهن الطبية والأطباء المقيمون، والعاملون بعقود مؤقتة، وسكان الأحياء المحرومة، والباحثون عن الكهرباء والسكن والعمل.

من البصرة إلى الموصل، ومن واسط إلى النجف وكركوك والأنبار، تتكرر الصورة ذاتها: مواطنون يرفعون مطالب معيشية وخدمية وحقوقية، وسلطة ما زالت تتعامل مع الأسباب، وكأنها أعراض عابرة.

 هذه الاحتجاجات ليست أحداثاً منفصلة عن بعضها، ولا مطالب فئوية معزولة. إنها تعبيرات متعددة عن أزمة اجتماعية واحدة. فالفلاح الذي يطالب بسعر عادل لمحصوله، والخريج الذي يطالب بفرصة عمل، والطبيب الذي ينتظر راتبه، والمواطن الذي يبحث عن الكهرباء أو السكن، هؤلاء جميعا يقفون على أرضية مشتركة عنوانها: الحق في العيش الكريم.

ومن يقرأ المشهد بعين فاحصة، سيلاحظ أن الحركة الاجتماعية في العراق تواصل إعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة. فهي لا تنطلق من مركز واحد، ولا تقودها جهة واحدة، بل تنبع من مواقع متعددة، حيثما يتولد الشعور بالغبن والتهميش وغياب العدالة.

ان الاحتجاجات تبدو أحياناً متفرقة مشتتة، لكنها في جوهرها متصلة بخيط واحد، يربط مطالب الناس اليومية بطبيعة السياسات العامة المنتجة لهذه الأزمات.

ولقد أثبتت التجارب أن تجاهل المطالب لا يؤدي إلى اختفائها، وإنما إلى تراكمها. وأن الوعود المؤجلة لا تطفئ الاحتقان، بل تدفعه إلى البحث عن أشكال جديدة للتعبير.

فالشارع لا يطرق الأبواب عبثاً، وعندما يكرر الطرق فمعنى ذلك أن هناك مشكلة حقيقية، لم تجد طريقها إلى الحل.

واللافت أن كثيراً من هذه الاحتجاجات لم تعد تكتفي بالمطالب الخدمية المباشرة، بل أخذت تتجه نحو البحث عن أسباب الخلل البنيوية، وتربط تردي الخدمات والبطالة بالفساد والمحاصصة وسوء الإدارة. وهذه سمة مهمة في تطور الوعي الاحتجاجي، لأنها تنقل النقاش من النتائج إلى الأسباب.

والاستجابة المطلوبة اليوم ليست أمنية ولا إعلامية. فالمطلوب سياسات تعيد الاعتبار للإنتاج الزراعي، وتوفر فرص العمل، وتحمي وتطور الخدمات العامة، وتضع الإنسان في مركز التنمية. ذلك ان استقرار المجتمع لا يتحقق بإدارة الأزمات، بل بمعالجة جذورها.

وإذا كانت الاحتجاجات الحالية تحمل رسالة أساسية، فهي أن المجتمع ما زال حياً، وأن الفئات المتضررة لم تفقد القدرة على المطالبة بحقوقها والعمل على تحقيقها.

وهذه ليست مشكلة للدولة، وانما هي فرصة. فالدول القوية لا تخشى أصوات مواطنيها، وإنما تصغي إليها وتتعلم منها. لأن الشارع، في نهاية المطاف، ليس خصماً لأحد. إنه المرآة التي تعكس ما يجري في عمق المجتمع. وعندما تزدحم المرآة بالوجوه الغاضبة، فإن الحكمة تقتضي معالجة أسباب الغضب لا كسر المرآة.