اخر الاخبار

وأخيرًا انتهت رحلة منتخبنا الوطني إلى نهائيات كأس العالم بنسختها الثالثة والعشرين، وانتهت معها مغامرة جماهير الكرة العراقية التي رافقت المنتخب بشغف وحب قلّ نظيرهما، لقد اتفقت الجماهير على أن مجرد الوصول إلى المونديال كان بحد ذاته انتصارًا، وأن رؤية العراق مجددًا بين كبار منتخبات العالم بعد سنوات طويلة من الغياب كانت لحظة تاريخية يصعب وصفها، لأن عشق القميص الوطني لا يرتبط بنتيجة مباراة أو الخروج من بطولة .

لكن كرة القدم لا تعيش على الأحلام وحدها، بل تُقاس أيضًا بما يتحقق داخل المستطيل الأخضر، والنتائج التي خرج بها المنتخب كشفت بوضوح أن الفجوة بيننا وبين المنتخبات الكبرى ما زالت قائمة، وأن بلوغ كأس العالم كان بداية الطريق لا نهايته.

لقد تعددت أسباب الإخفاق، وشخّصها الجمهور الرياضي قبل المحللين والخبراء، ورغم قسوة النتائج، كانت الجماهير العراقية هي الفائز الحقيقي في المباريات الثلاث، فقد قدمت درسًا استثنائيًا في الوفاء والانتماء، وكانت تدرك أن وطنًا بأكمله يمثل على أرض الملعب، امتزج حنين الغربة بعشق العراق، وصدحت الحناجر باسمه، وتسابق العراقيون القادمون من مختلف أنحاء العالم لإعلان حبهم لوطن غابوا عنه سنوات طويلة قسرًا، لكنهم لم يغيبوا يومًا عن الانتماء إليه.

بقيت الجماهير وفية خلف منتخبها حتى صافرة النهاية، وغلبت لغة الدعم والفخر على لغة الإحباط، لأنها كانت تدرك أن المنتخب يمثل العراقيين جميعًا، وأن الوقوف معه في لحظات الخسارة لا يقل أهمية عن الاحتفال معه في لحظات الانتصار.

واليوم،  فإن المطلوب ليس البحث عن شماعة للفشل أو تحميل المسؤولية لعدد من الأشخاص، بل إجراء مراجعة شاملة وصريحة لكل مفاصل العمل الكروي، فنجاح كرة القدم يبدأ من الإدارة،  ويمر بالتخطيط السليم، وينتهي داخل الملعب، ولا يمكن بناء منتخب قادر على المنافسة دون مشروع وطني طويل الأمد، يبدأ من الفئات العمرية، ويطور البنية التحتية ويرتقي بالدوري المحلي، ويستثمر في الكفاءات التدريبية والإدارية، مع توفير الاستقرار والدعم بعيدًا عن القرارات الآنية وردود الأفعال الغريبة .

لقد انتهى المونديال، لكنه لم يكن نهاية الحلم بالنسبة للجماهير، فالعراق عاد إلى كأس العالم بعد غياب طويل، وهذه العودة يجب أن تكون حجر الأساس لمرحلة جديدة، لا محطة عابرة، وإذا أحسنّا قراءة الدروس، فإن ما يبدو اليوم إخفاقًا قد يتحول غدًا إلى نقطة انطلاق لجيل يصنع إنجازات أكبر ويعيد للكرة العراقية مكانتها التي تستحقها.

ويبقى منتخبنا الوطني أكبر من أي نتيجة،  وتبقى الجماهير العراقية اللاعب رقم واحد،  بعدما أثبتت مرة أخرى أن حب العراق لا يُقاس بعدد الانتصارات بل بالإيمان الدائم بأن القادم سيكون أفضل،  وأن الحلم الذي عاد إلى الحياة لن يتوقف عند مشاركة واحدة بل سيستمر حتى يصبح العراق منافسًا حقيقيًا بين كبار العالـــم..