تكشف حملات مكافحة الفساد الجارية حقيقة لا تقل خطورة عن الفساد نفسه، وهي وجود من يتصدى للدفاع عن الفاسدين، أو التقليل من شأن الجرائم التي ارتكبوها، أو الاستخفاف بحجم الأموال العامة المنهوبة. وهنا يبرز سؤال مشروع: من هو الأخطر على الدولة، الفاسد أم من يوفر له الغطاء السياسي والإعلامي؟
فالفساد لا يعيش وحده، بل يحتاج دائماً إلى من يحميه، ويبرر له، ويعطل محاسبته. ولهذا، فإن كل منظومة فساد هي، في حقيقتها، منظومة مصالح متكاملة، تضم السارق، ومن سهّل له، ومن تستر عليه، ومن يدافع عنه عندما يُكشف أمره.
لقد شاهد العراقيون بأعينهم الأموال المدفونة تحت الأرض، والمخبأة في السقوف الثانوية، والمكدسة داخل خزائن محكمة، إلى جانب كميات كبيرة من الذهب. وهذه المشاهد لا تثير الصدمة فحسب، بل تفرض سؤالاً بديهياً: هل جاءت هذه الثروات من الرواتب والمخصصات، أم أنها أموال سُرقت من قوت العراقيين ومستقبلهم؟ والأدهى من ذلك أن ينصرف بعضهم إلى التشكيك بالمبرزات والأدلة، بدلاً من المطالبة بكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة المتورطين.
ومع ذلك، خرجت أصوات داخل البرلمان وخارجه تعترض على الحملة، أو تصويرها وكأنها استهداف سياسي. وكان الأجدر بمن يمثل الشعب أن يعلن دعمه الكامل لكل إجراء قانوني يلاحق الفاسدين، وأن يطالب بتوسيع التحقيقات، لا بإثارة الشكوك حولها.
إن الدفاع عن الفاسد ليس موقفاً سياسياً داعماً لطغمة الفساد وحسب، بل موقف أخلاقي وقانوني يكشف طبيعة المصالح التي يخدمها صاحبه. فالبريء لا يخشى التحقيق، ومن يؤمن بسيادة القانون لا ينزعج من محاسبة من تثبت إدانته، مهما كان موقعه أو انتماؤه.
إن ردود فعل بعض القوى السياسية والبرلمانية تستحق التوقف عندها. فهي لا تثير التساؤلات حول الحملة بقدر ما تثير التساؤلات حول دوافع المعترضين عليها. فإذا كانت الدولة تستعيد أموالها وتلاحق من نهبها، فلماذا كل هذا القلق؟ ولماذا كل هذه المحاولات لحصر الحملة في حدود معينة، كي لا تصل إلى الحيتان الكبيرة وشبكات الحماية التي وفرت لها الغطاء طوال السنوات الماضية؟
إن نجاح حملة مكافحة الفساد لن يُقاس بعدد الموقوفين فقط، بل بقدرتها على تجاوز الخطوط الحمراء، والوصول إلى كبار الفاسدين، وكشف شبكات الحماية التي أحاطت بهم سنوات طويلة. فالمشكلة لم تكن يوماً في موظف فاسد أو مدير عام فحسب، بل في الطغمة التي أنتجت الفساد، وحمته، واستفادت منه، ثم سخّرت نفوذها للدفاع عنه كلما اقتربت يد العدالة منه.
ولهذا، فإن العراقيين لا ينتظرون حملة تنتهي عند الحلقات الأضعف، بل ينتظرون عدالة لا تميّز بين مسؤول وآخر، ولا بين حزب وآخر، ولا بين صاحب نفوذ ومواطن عادي. فالدولة التي تريد استعادة ثقة شعبها، عليها أن تثبت أن القانون أعلى من الجميع، وأن لا أحد، مهما علا شأنه، فوق المساءلة.
فالأفسد من الفاسد... هو من يدافع عنه، ويبرر فساده، ويحاول إنقاذه من العدالة.